مع تعثر المغامرة الإماراتية في ليبيا، تُوَجَّه أصابع الاتهام إلى أبو ظبي لدورها في تأجيج الاضطرابات السياسية في تونس.

كتبت المحللة السياسية المهتمة بالقضايا السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، فيروز بن صلاح، تقريرًا في موقع «ميدل إيست آي» حول محاولات الإمارات التي لا تنتهي لعرقلة مسيرة الديمقراطية في المنطقة، وتوجهها حاليًّا إلى تونس بعد أن فشلت مساعيها في ليبيا، بسبب الهزائم المتكررة لوكيلها خليفة حفتر.

عربي

منذ شهر
5 أسئلة تشرح لك قصة الخلاف بين «مجلس نواب الشعب» والرئاسة التونسية

تقول الكاتبة: ساد اضطراب سياسي في تونس خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن تعرض رئيس البرلمان راشد الغنوشي لانتقادات بسبب اتصالات مزعومة مع تركيا وقطر والإخوان المسلمين فيما يتعلق بالحرب في ليبيا. واشتعل التوتر خلال الشهر الماضي بعد أن هنأ الغنوشي رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، على استعادة قاعدة الوطية الجوية من خليفة حفتر الذي نصب نفسه قائدًا للجيش الوطني الليبي.

واتُّهم الغنوشي رئيس حركة النهضة بتغيير موقف تونس المحايد بشأن التطورات في ليبيا بمحاباته للسراج، الذي تدعمه أنقرة والدوحة، بحسب التقرير. وتعرض حفتر المدعوم من الإمارات والسعودية ومصر وروسيا لسلسلة من الهزائم خلال الأسابيع الأخيرة. وأصبحت السياسة التونسية ساحة معركة لدول الخليج المتنافسة منذ الإطاحة بزين العابدين بن علي الذي حكم البلاد لفترة طويلة، في عام 2011.

والآن، فيما تتعثر مغامرتهم في ليبيا، هناك مزاعم بأن الإمارات وحلفاءها يقفون خلف الاضطرابات السياسية الأخيرة في تونس، ولا سيما الحملة ضد الغنوشي.

إثارة الشكوك

تعود الكاتبة إلى يوم الأحد الماضي، حين أوقفت قوات الأمن مظاهرة في تونس، نظمتها جماعة تصف نفسها بأنها جبهة الإنقاذ لحراك 14 يونيو، كانت تطالب بحل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة وتشكيل حكومة مصغرة لتصريف الأعمال. وقال المتحدث باسم الجماعة، فتحي الورفلي، لوكالة الأنباء التونسية إن الغنوشي «يمارس دبلوماسية موازية» وإن «اصطفافه خلف المحور التركي القطري لا يبشر بالخير للدبلوماسية التونسية ولا يفيد الشعب التونسي». 

وأضاف الورفلي أن المتظاهرين تعرضوا للمضايقة ومُنعوا من الاحتجاج سلميًّا أمام البرلمان، وانتقد حركة النهضة، التي أسسها الغنوشي، لاستخدام أجهزة الدولة (وزارة الداخلية وبلدية باردو) لحظر المظاهرات بإغلاق كل الطرق المؤدية إلى ساحة باردو وسط العاصمة.

ووفقًا لما ذكره موقع «العدسة» الإخباري، فإن صفحة جبهة الإنقاذ على الفيسبوك، التي تحمل اسم «الحراك الأخشيدي» يديرها «شخصان في الإمارات العربية المتحدة». ولفت موقع العدسة في مقال يوم الجمعة إلى أن ذلك «يُثير شبهات عديدة حول حجم التدخل الإماراتي في الشأن التونسي». 

محمد بن زايد

ولم يكن الورفلي متاحًا للتعليق، ولكنه نفى أي تدخل أجنبي، قائلًا في مؤتمر صحفي: إن «الشؤون التونسية فقط هي ما تعنينا». وتابع الورفلي، الذي يقود أيضًا حزب تونس بيتنا، أن هذه المبادرة تضم منظمات سياسية وشخصيات وطنية وحركة الشباب الوطني في تونس. ومنذ بداية الشهر الجاري، طالبت حركتان أخريان بحل البرلمان ودعتا إلى اعتصام في ساحة باردو، وفق ما أفاد التقرير. 

ويترأس «تنسيقية 1 يونيو» المحامي والناشط السياسي عماد بن حليمة، بينما يقود «الجمهورية الثالثة»، وهو ائتلاف ثلاث من جماعات المجتمع المدني، المحامي محمد علي عباس، وهو عضو سابق في جبهة الإنقاذ الوطني. 

ثورة الجوع

في الشهر الماضي، أوردت وكالة أنباء الأناضول التركية أن مكتب النائب العام التونسي أمر بإجراء تحقيق حول الدعوات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي للعمل ضد مؤسسات الدولة. وذكر محللان تونسيان للوكالة أن الدعوات المطروحة على شبكات التواصل الاجتماعي تدعو إلى «ثورة» و«حل البرلمان». 

وقال المحللان إن الدعوات لم تكن جادة، وأنها موجهة من الأحزاب السياسية غير القادرة على حشد الشعب، وكذلك من خلال قوى إقليمية. وفي حين صُوِّرَت الدعوات على أنها «ثورة جوع»، قال الباحث السياسي رياض الشعيبي لوكالة الأناضول: إن «البيانات العلمية والتاريخية تثبت أنها ثورة مضادة» ضد الديمقراطية التونسية. وأضاف الشعيبي «هذه الدعوات، التي أطلقت تحت قناع الرفاه الاجتماعي والبطالة، زائفة وتدفع نحو ثورة مضادة». 

وبالنظر إلى المحتوى المنشور على الشبكات الاجتماعية، لفت المدير السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، طارق الكحلاوي، في تصريحه لوكالة الأناضول، إلى أن الدعوات جاءت لأحزاب سياسية ذات توجهات متضاربة. وقال الكحلاوي إنها شملت مؤيدي بن علي، مثل عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر، وأشخاصًا مقربين من حزب نداء تونس، الذي فاز بأغلبية نسبية (أكثرية لكنها لا تتجاوز النصف) من الأصوات في الانتخابات البرلمانية في البلاد في عام 2014. 

انقلاب مدبّر

في الشهر الماضي نقلت صحيفة الوطن المستقلة وهي صحيفة تصدر باللغة الفرنسية في الجزائر عن عدة مصادر إعلامية في الشرق الأوسط، من بينها صحيفة القدس العربي التي تصدر من لندن، قولها إن المخابرات التركية أفشلت محاولة انقلابية في تونس نسقتها الإمارات. 

كانت الخطوة الأولى للانقلاب، كما أوردت القدس العربي، هي البدء في مظاهرات مناوئة للحكومة في 13 يونيو (حزيران). ووفقا للمصادر التركية، كان يتعين أن تنظم المظاهرات وتقودها شخصيات مرتبطة بابن علي و«بعض قادة المنظمات المنتسبة إلى اليسار التونسي، ممن لم ينجحوا في شغل مقاعد في البرلمان أثناء الانتخابات التشريعية الأخيرة».

Embed from Getty Images

وأورد موقع العدسة أن «الانقلاب المدبر في تونس يهدف إجمالًا إلى تكرار السيناريو الذي دُبِّرَ في مصر لتصعيد (عبدالفتاح) السيسي إلى السلطة، وأيضًا «شيطنة حركة النهضة». وكتب موقع العدسة أن الخدعة كانت ستستخدم «للتمهيد لصعود شخص تابع لأبو ظبي إلى السلطة طُلِبَ منه أن ينفذ حرفيًّا أجندة أبو ظبي في ليبيا والمنطقة». 

والإمارات والسعودية متهمتان بدعم إطاحة محمد مرسي أول رئيس مصري انتخب انتخابًا حرًّا، في 2013، حسبما يلفت التقرير. وحل السيسي محل مرسي الذي كان ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. 

الخيانة

وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط بجامعة بروكسل الحرة، سيباستيان بوسوا، لموقع ميدل إيست آي: «هذا يشبه إلى حد كبير مؤامرة الانقلاب على الطريقة الإماراتية». وأضاف بوسوا: «مع وجود حفتر في ليبيا في الجانب الخاسر، أصبحت تونس مفتاحًا في خطتهم لترسيخ النظم السلطوية أو الحفاظ عليها في كل مكان في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط».

ويقول وزير الشؤون الخارجية السابق رفيق عبدالسلام إن اتصالًا بين نظام بن علي القديم واليسار يعد منطقيًّا في هذا السياق. وقال عبدالسلام، وهو عضو في حركة النهضة، لميدل إيست آي: «هذه الجماعات اليسارية تشعر أنها مرتبطة بالقومية العربية، التي يجسدها الآن الأسد في سوريا، وهو حليف آخر للإمارات». 

يتابع التقرير: منذ نحو عامين تقريبًا، في 12 يونيو 2018، أوردت صحيفة «يني شفق» التركية ما قالت إنه محاولة انقلابية أخرى مدعومة من الإمارات جاءت من وزير الداخلية السابق لطفي إبراهيم. وفشل الانقلاب المزعوم، الذي كان يرمي إلى السيطرة على السلطة وخلع حزب النهضة، بمساعدة وحدات من المخابرات الفرنسية والألمانية والجزائرية، وفقًا لما أوردته الصحيفة. 

وقال بوسوا «على مدى سنوات حاولت الإمارات وقف نفوذ قطر، التي تدعم حزب النهضة، وعرقلة التحول الديمقراطي». وأضاف «راهنت أبو ظبي في البداية على الباجي قائد السبسي (مؤسس حزب نداء تونس)، ولكنها شعرت أنه خانها بتحالفه مع حزب النهضة. ولم يسامحه الإماراتيون أبدًا على قراره بالإبقاء على مسافة في علاقاته مع دول الخليج».

البديل السياسي

يرجح عبد السلام بأن رعاية الأفراد والأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني ليس هو أسلوب العمل المفضل لدى الإمارات. وقال «إنهم يفضلون استخدام الجيش وقادته، ولكن لأن الجيش التونسي أثبت أنه مستقل، فلم ينجح هذا في تونس». ومنذ الانتخابات التشريعية في عام 2019، يقال إن البديل التونسي هو الحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسى والذي يحتفظ بسبعة عشر مقعدًا في البرلمان. 

Embed from Getty Images

وأضاف بوسوا «تدعم أبو ظبي الآن عبير موسى والحزب الدستوري الحر، وهو قريب للغاية من حزب بن علي السابق والمحظور الآن، والذي تتمثل رسالته في القضاء النهائي على النهضة. وموسى لديها الزخم والدافع». وقال عبد السلام: «بالنسبة للإماراتيين، فإن هوية النهضة الديمقراطية ذات الخلفية الإسلامية تمثل تهديدًا لوجودهم. وهي منافس غير مرحب به لنظمهم الشمولية الإسلامية ذات الصناعة المحلية». 

وتابع «وسائل الإعلام الجماهيرية تعد حيوية لعملهم. ووسائل الإعلام الإماراتية تروج للحزب الدستوري الحر، وفوق كل ذلك فهم يمولون أيضًا عددًا كبيرًا من وسائل الإعلام التونسية». وأضاف «أبو ظبي تريد تدمير النهضة، مهما كانت العواقب». 

الحملة الإعلامية ضد الغنوشي

في الشهر الماضي، بثت قناة الغد الإماراتية تقريرًا جديدًا عن مظاهرات تجتاح تونس للاحتجاج «ضد البطالة».

غير أن اللقطات كانت لمظاهرة بشأن نادي لكرة القدم في بنزرت – ولم يكن له أي علاقة بمشاكل البلاد الاجتماعية – ولقطات أخرى مضى عليها شهور لمظاهرات ضد «صفقة القرن» التي طرحتها إدارة ترامب، بحسب التقرير. 

في مايو (أيار) أيضًا، سلط مراسل وكالة الأناضول في قطر، أحمد يوسف، الضوء على ما وصفه بأنه «حملة منهجية» ضد الغنوشي من وسائل إعلام مدعومة من السعودية والإمارات ومصر. وقال يوسف إن الأذرع الإعلامية في الدول الثلاث تنشر «أخبارًا متزامنة خادعة» عن رئيس البرلمان، من بينها مزاعم بأنه «جنى ثروة مالية هائلة منذ عودته إلى تونس» في عام 2011. 

ونفى الغنوشي مثل هذه المزاعم، وفندت الوثائق المالية الرسمية التي حصل عليها موقع عربي21 في الأسبوع الماضي هذه المزاعم.

استجواب الغنوشي

في أعقاب مكالمة الغنوشي لتهنئة رئيس الوزراء الليبي في 19 مايو، زاد التوتر السياسي أكثر في الشهر الحالي خلال جلسة برلمانية استمرت 20 ساعة، بتحريض من عبير موسى، ضد محاولات النهضة الحزبية لتغيير أجندة السياسة الخارجية للبلاد. ويقول بوسوا عن مكالمة الغنوشي للسراج «إنها عادية إلى حد كبير، وتعكس العلاقات الطيبة بين النهضة وتركيا. على الرغم من أنها ما كانت لتساعد على المصالحة مع الإمارات».

يكمل التقرير: في تحرك غير معتاد، بثت وسائل الإعلام المدعومة من السعودية والإمارات جلسة البرلمان التي عقدت في 3 يونيو (حزيران) حية على الهواء، مع وضع عناوين مثيرة للجدل ومضللة مثل «استجواب الغنوشي».

وفشل تمرير اقتراح برفض أي تدخل أجنبي في ليبيا في البرلمان، حيث أيده 94 صوتًا وهو ما يقل بخمسة عشر صوتًا عن عدد 109 صوت مطلوبة لإجازته. وقال عبد السلام «هذا يتناسب تمامًا مع الطريقة التي تعمل بها أبو ظبي». وأضاف الوزير الأسبق أن «الإمارات تسعى إما إلى الفوضى أو الديكتاتورية، أي شيء يظهر أن الديمقراطيات لا تنجح».

«كل الأحزاب تختار الديمقراطية»

على الرغم من الفشل في تمريره، إلا أن الاقتراح حظي بدعم ثلاثة من شركاء النهضة من أصل خمسة في الائتلاف.

سياسة

منذ سنة واحدة
سمية الغنوشي: عراب الثورات المضادة غير مرحب به في تونس

وقال عبدالسلام: «من الطبيعي بالنسبة للائتلاف أن يقف مع المعارضة». وأضاف: «نحن نحتاج إلى توافق في الآراء وائتلاف أوسع، ولذا طلبنا من رئيس الوزراء (إلياس الفخفاخ) أن يبدأ حوارًا داخليًّا ويضيف «قلب تونس»، ثاني أكبر حزب في البلاد، إلى الائتلاف». 

وفي محادثات الائتلاف التي أعقبت انتخابات عام 2019، أوشك رفض رئيس الوزراء وحزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب بضم حزب قلب تونس إلى الحكومة أن يؤدي إلى انتخابات جديدة. 

ورغم التوتر الحالي الذي يواجه تونس، ما زال عبد السلام متفائلًا بالنسبة لمستقبلها الديمقراطي، بحسب تقرير ميدل إيست آي. وقال: «عندما تصل الأمور إلى نقطة حرجة، تختار كل الأحزاب الديمقراطية، بما فيها الحزب الدستوري الحر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد