بعد مرور أسبوعين من تعليق عمل البرلمان، ما هي خارطة الطريق التي سيرسمها الرئيس التونسي قيس سعيد؟

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا أعدَّه سايمون سبيكمان كوردال، صحافي مستقل يقيم في تونس، سلَّط فيه الضوء على المخاوف من عدم وضوح الرؤية في تونس بعد مرور أكثر من أسبوعين على المدة التي حددها الرئيس التونسي قيس سعيد للقرارات الاستثنائية التي اتخذها مؤخرًا. 

قرارات استثنائية

استهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى ما اتخذه الرئيس التونسي قيس سعيد يوم 25 يوليو (تموز) من قرارات استثنائية، إذ أقال بعد يوم من احتجاجات انتشرت في أرجاء البلاد واتسم بعضها بالعنف رئيس الوزراء، ورفع الحصانة عن نواب البرلمان للسماح بملاحقتهم جنائيًا، بالإضافة إلى تعليق عمل البرلمان لمدة شهر. وفي الوقت الحاضر وصلت تونس إلى منتصف المدة التي حددها الرئيس بـ30 يومًا للإجراءات الاستثنائية، ولا تزال البلاد في انتظار تحديد من هو رئيس الوزراء الجديد، أو ما هي خطة الرئيس التونسي لإخراج البلاد من أزماتها السياسية الراهنة، والضائقة الاقتصادية طويلة الأمد.

عربي

منذ شهر
مترجم: لماذا الدهشة؟ قيس سعيد أبدى نزعةً سلطويَّةً منذ البداية

يقول الكاتب: إنه من نواحٍ عدة كانت قرارات الرئيس التونسي متوقعة؛ إذ انهمك البرلمان التونسي في مشاحنات غير مجدية، ولم يلتفت كثيرًا إلى مصلحة البلاد ورفاهيتها، على الرغم من انتشار الفساد، وتدهور الاقتصاد والبطالة، وتزايد الاستياء الشعبي. ويُعد التنافس بين الرئيس التونسي وممثلي حزب النهضة، الذين يصفون أنفسهم بـ«الديمقراطيين الإسلاميين» ويهيمنون على البرلمان، أحد الأسباب الواضحة لتصاعد التوترات في البلاد. حتى تفشي جائحة كوفيد-19 التي أدَّت إلى زيادة عدد حالات الوفيات لدرجة أنها أصبحت خارج نطاق السيطرة، لم تدفع السياسيين التونسيين إلى الكف عن المشاحنات، ووضع حد للصراعات الحزبية، بحسب ما يرى الكاتب.

كيف تنظر جميع الأطراف الداخلية والخارجية إلى اضطرابات تونس؟

ويُوضِّح التقرير أن الاضطرابات التي تشهدها تونس تمثل لمنطقة الشرق الأوسط وبقية دول العالم خطرًا وفرصة على حد سواء. إذ يرى عددٌ من المراقبين في الولايات المتحدة، المؤهلين لتسليط الضوء على التهديدات الوجودية للديمقراطية بعد أحداث 6 يناير (كانون الثاني) – التي اقتحم فيها مثيرو الشغب مبنى كابيتول هيل الأمريكي – أن مصير المؤسسات بعد ثورة تونس يستدعي القلق. بينما ينظر الاتحاد الأوروبي، الذي يستعد لموجات إضافية من الهجرة، إلى الاضطرابات التونسية بأن المخاطر تقترب من حدوده. أما الشعب التونسي، وخاصة قطاعات كبيرة من المجتمع المدني التونسي، فإن الاضطرابات تهددهم مباشرة؛ إذ تخضع كل خطوة يتخذها سعيد للتمحيص المكثف؛ لا سيما أن المكاسب السياسية، والدمار الاقتصادي، اللذين مرت بهما تونس خلال العقد الماضي الآن على المحك.

يُؤكد التقرير أن الأمثلة على عدم كفاءة البرلمان التونسي عديدة، والتي تمتد من الاعتصامات والاعتداءات وصولًا إلى القائمة الطويلة من الاتهامات الجنائية التي احتمى منها عدد من النواب باستغلال حصانتهم البرلمانية. إلا أن الاستجابة الفاشلة للجائحة، والفوضى التي حدثت في صفوف التونسيين أثناء الأيام المفتوحة لتلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا في المراكز الصحية (التي أعلنت عنها وزارة الصحة التونسية خلال عيد الأضحى) حيث تُرك الراغبون في تلقي اللقاح ينتظرون في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، والتي كانت تفضي غالبًا إلى قليل من المشاجرات، وكثير من الإحباط، هي ما أثارت الشعب التونسي وأوصلته إلى النقطة التي نفد عندها صبره. 

Embed from Getty Images

ولم يكن هناك شيء مدبر أو مصطنع في الاحتفالات الجماهيرية التي استقبلت قرارات الرئيس التونسي؛ بحسب الكاتب، إذ تدفق التونسيون في جميع أنحاء البلاد إلى الشوارع للاحتفال بما بدا أنه مرحلة راحة وخلاص من الطبقة السياسية التي لا تخدم سوى مصالحها الذاتية، وظلت لسنوات تعمل بمنأى عن التخفيف عن الشعب التونسي ما يلاقيه يوميًا من ظروف قاسية، وأوضاع إنسانية مهينة إلى حد كبير.

ما الذي نتوقعه من قيس سعيد؟

وعلى الرغم من ذلك توجد أمور قليلة باعثة على الاطمئنان في تونس، ومنها الدعم الجماهيري الكبير الذي يتمتع به رئيس البلاد، بحسب تعبير الكاتب، مدعومًا باليوم الثاني المفتوح الناجح نجاحًا كبيرًا لتلقي اللقاح في 8 أغسطس (آب)، والذي حصل فيه أكثر من نصف مليون تونسي على جرعة من اللقاح. وأظهر استطلاع للرأي أُجري بعد أيام قليلة من قرارات الرئيس التونسي أن 87% من سكان البلاد يؤيدونه، في حين لم يعترض على القرارات سوى 3% فحسب. وعند التجول في العاصمة التونسية، خاصة في الأحياء الفقيرة، يتبين أن التأييد الذي يحظى به الرئيس التونسي ساحق.

ويستدرك كاتب التقرير قائلًا: لكن ما هو مصير القرارات التي اتخذها قيس سعيد: في غضون 15 يومًا، يمكن للرئيس إما العودة إلى البرلمان المثير للانقسامات في البلاد، أو تعزيز الاتهامات الموجهة إليه محليًا ودوليًا بممارسة الاستبداد من خلال تمديد التعليق الحالي للبرلمان. وفي الواقع لا أحد يعرف ما الذي سيفعله الرئيس التونسي. واستند استدعاء سعيد لسلطات حالات الطوارئ الممنوحة له بموجب الدستور على اتخاذ أي إجراءات لازمة في حالة وجود «خطر وشيك» يهدد مؤسسات البلاد.

مواقع صديقة

منذ شهر
ديفيد هيرست: لا يوجد ما هو دستوري في انقلاب قيس سعيد
 

يلفت الكاتب إلى أن هذا الخطر ناتج إما من المخاطر التي تُشكلها الجائحة العالمية، أو من غضب الجماهير في الشارع. لكن حزب النهضة دعا بوضوح إلى إجراء حوار بشأن الخلافات، وأنكر وجود أي تهديد يُمثله الشارع. وعلاوة على ذلك فإن نجاح حملات التطعيم باللقاح قللت أيضًا من حجم الخطر الذي تشكله جائحة كوفيد-19؛ ما يُؤدي إلى القضاء على الأسس التي استند عليها الرئيس التونسي لاستخدام صلاحيات حالات الطوارئ. وهذه معضلة في حد ذاتها؛ لأن الجزء الأكبر من المجتمع المدني التونسي، وخاصة اللجنة الرباعية الراعية للحوار الوطني في تونس، الحائزة على جائزة نوبل للسلام والمكونة من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين، اشترطت تأييدها لقرارات الرئيس التونسي ببقائه داخل الحدود الدستورية.

رؤية الرئيس التونسي غير الواضحة

ويُنوه التقرير إلى أن المجتمع المدني التونسي قد تساوره بعض المخاوف والقلق بشأن البرلمان وحزبه الأكثر نجاحًا: النهضة، خاصة أولئك الذين يشعرون بالتهديد من صعود الحزب الإسلامي السريع إلى قمة السلطة. لكن هناك ثلة من التونسيين قد تدعم أي مستبد طامح، بحسب تعبير الكاتب. تقول أويم الشتاوي، ناشطة وباحثة تونسية: «من المؤكد أن هناك استيعابًا داخل المجتمع المدني لمخاطر اللحظة الراهنة. فلا وجود للثقة العمياء بقيس سعيد، أو تنبؤ حاسم لما قد يستطيع فعله أو ما لا يستطيع. وحتى تحين اللحظة التي يُقدم فيها الرئيس التونسي مزيدًا من الضمانات لتوجهاته المستقبلية، تظل احتمالية الاحتجاجات قائمة».

وتؤكد أويم الشتاوي: نحن في حاجة إلى رؤية شيء ملموس، ومعرفة ما الذي يفعله الرئيس. ونريد بعض التأكيدات بأنه لا يستعد للاتجاه نحو الحكم الاستبدادي». 

Embed from Getty Images

وألمح التقرير إلى أنه حتى قبل فوز سعيد في انتخابات الرئاسة التونسية عام 2019، كان كثير من الشعب التونسي لديه فكرة جيدة عن الشكل الذي يجب أن تبدو عليه المرحلة النهائية لأستاذ القانون الدستوري. ومنذ عمله أستاذًا أكاديميًا، حدد سعيد رؤيته مرارًا وتكرارًا لشكل الدولة: نظام دولة يتبنى شكلًا من أشكال الديمقراطية المباشرة، وخاليًا من الانتماءات الحزبية، مع تعيين المرشحين للمناصب على أساس الأهلية فحسب. ويبقى السؤال مطروحًا كيف يمكن إنجاز ذلك في الزمن المحدد والوسائل المتاحة.

وفي هذا الصدد قال حمزة المؤدب، باحث تونسي غير مقيم في مركز كارنيجي للشرق الأوسط: «الوضع في تونس في الوقت الحالي قاتم وغامض تمامًا. ويفرض الرئيس التونسي سيطرته على السلطتين التشريعية والقضائية للحكومة، وهذا قدر هائل من الصلاحيات والسلطات. ولا تُوجد خارطة طريق للخروج من هذا المأزق. ويحتاج الجميع إلى معرفة المسار الذي نمضي فيه، لكن الرئيس التونسي لم يفصح عن شيء».

ما هو موقف المجتمع المدني التونسي؟

وأبرز التقرير التكهنات المنتشرة بشأن هل سيأخذ سعيد بمشورة المجتمع المدني أولًا، أو سيطرح رؤيته المستقبلية باعتبارها أمرًا واقعًا. يُوضح المؤدب: «بصفتي مواطنًا، لا بد أن نعرف إلى أين يتجه الرئيس. ربما يخطط الرئيس التونسي لإجراء انتخابات مبكرة، أو استفتاء، أو حوار وطني آخر على غرار الحوار الوطني الذي أدخل البلاد في أزمة عام 2013، أو حتى العودة إلى دستور 2014 والفوضى البرلمانية التي سبقت الأزمات الحالية».

وأيًا ما كان الذي سيفعله قيس سعيد فالوقت ضيق. ويؤكد الكاتب على أن التشاور مع اللجنة الرباعية الراعية للحوار الوطني التونسي سيؤدي إلى تأخير الأمور، ولكنه سيحظى بالدعم. وربما يكون من الأسرع للرئيس التونسي أن يضع خطته، والمقامرة في الحصول على دعم اللجنة الرباعية لها، لكنه بذلك قد يغامر بإبعاد هذه المجموعات التي يحتاجها أكثر من غيرها. ومهما كان الذي سيفعله الرئيس التونسي، فإن تونس تتوق إلى الاستقرار، وكذلك الجهات الخارجية المانحة. وسيظل السؤال بشأن هل تميل تونس أكثر نحو الحكم الاستبدادي كما هو الحال في مصر ودول الخليج، أو نحو الأنظمة الديمقراطية الغربية الليبرالية، موضع جدل حاد.

ويضيف التقرير أن ثمة صعوبة أخرى تتمثل في الوضع المالي المتردي للبلاد؛ إذ من غير المحتمل أن تواصل الجهات الرئيسة المانحة، والمؤسسات الغربية غالبًا، في دعم تونس ماديًا في ظل عدم وجود أية إشارات حول الوجهة التي تتجه إليها البلاد. بالإضافة إلى أن تونس يتعين عليها إدارة عملية الموازنة المستمرة منذ عقود بين القوى المتنافسة في المنطقة.

منظور المصالح الذاتية والمأزق التونسي

وفي السياق ذاته يوضح المؤدب أن «تونس تقع في وسط كل هذه الصراعات الإقليمية على النفوذ، بالإضافة إلى الصراعات داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويحتاج الرئيس التونسي بشدة إلى السيولة النقدية لتسوية ديون البلاد. وتضغط الولايات المتحدة بقوة من أجل العودة إلى دستور 2014، بينما ينظر الاتحاد الأوروبي إلى هذا الجدل برمته من منظور الهجرة».

عربي

منذ شهر
هكذا رأى العالم تحركات قيس سعيد الأخيرة

وتابع المؤدب قائلًا: إن «الجزائر، ومصر، والمغرب، وجميعها لديها مصالح فيما يتعلق بمستقبل تونس، ينظرون أيضًا إلى التطورات في تونس من منظور مصالحهم الذاتية. وهذا الأمر يُنبئنا إذا كان هناك شيء ما يمكننا استنتاجه، بالدافع وراء عدم تسرع الرئيس التونسي في اتخاذ قرار تعيين رئيس وزراء جديد؛ لأن حجم المخاطر كبير جدًا، ولا ينقصه التسرع».

واختتم الكاتب تقريره بالتأكيد على أن تونس تعاني في الوقت الراهن من مأزق لا يمكن الخروج منه بسهولة. ويراقب المجتمع المدني، والنشطاء، والسياسيون بحذر تحركات القصر الرئاسي، متسائلين عما سيحدث بعد ذلك، وهل سيُسمح للطبقة السياسية خلال أسبوعين فحسب بالعودة إلى مواصلة العبث، بينما قرطاج تحترق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد