قالت مصادر لموقع «ميدل إيست آي»: إن رئيس الوزراء التونسي، هشام المشيشي، تعرض للاعتداء الجسدي قبل موافقته على الاستقالة من منصبه.

كتب ديفيد هيرست، المؤسس المشارك لموقع «ميدل إيست آي» ورئيس تحريره، والصحافي التونسي، فيصل عيدروس، الذي يركز في تغطيته على اليمن والسعودية ومجلس التعاون الخليجي، تقريرًا حول الأحداث الجارية في تونس، كشفا فيه على نحوٍ حصريٍّ أن رئيس الوزراء التونسي المنتهية ولايته، هشام المشيشي، تعرض للضرب والإيذاء الجسدي في قصر الرئاسة التونسي قبل تقديم استقالته. كما كشفا أيضًا أن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي – بإيعاز من ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد – عرض مساعدة نظيره التونسي في الانقلاب، بتقديم المشورة وتوفير خبراء أمنيين وعسكريين، وهو ما قبله قيس سعيد.

يقول الكاتبان في مستهل تقريرهما: تعرض رئيس الوزراء التونسي المنتهية ولايته هشام المشيشي للاعتداء الجسدي في القصر الرئاسي مساء الأحد قبل موافقته على الاستقالة من منصبه، حسبما أفادت مصادر مقربة من رئيس الوزراء لموقع «ميدل إيست آي».

لم يتسنَّ التحقق من طبيعة الإصابات التي أصيب بها لأن المشيشي نفسه لم يظهر علنًا. لكن نما إلى علم «ميدل إيست آي» أن الإصابات التي تعرض لها المشيشي، البالغ من العمر 47 عامًا، كانت «جسيمة»، وفقًا لمصادر مطلعة على الأمر. وقال أحد المصادر: «لقد أصيب في وجهه، ولهذا السبب لم يظهر (علنًا)».

وكان المشيشي قد استُدعِيَ للقصر الرئاسي يوم الأحد؛ حيث أقاله الرئيس قيس سعيد من منصبه، وأعلن تعليق عمل البرلمان، وتوليه السلطة التنفيذية، بعد يوم من احتجاجات متوترة مناهضة للحكومة. وأوضحت مصادر مقربة من رئيس الوزراء لموقع «ميدل إيست آي» أن القادة الأمنيين الذين رافقوه إلى القصر لم يكونوا جزءًا من الخطة، بينما كان الجيش جزءًا منها.

أفلت راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وزعيم حزب النهضة الإسلامي المعتدل في تونس، من الاستدعاء؛ لأنه كان قد خرج لتوه من المستشفى؛ حيث كان يُعالج من كوفيد-19. وبحسب المصادر، طُلب من المشيشي، الذي اختاره سعيد لتولي منصب رئيس الوزراء، مرةً أخرى يوم الأحد التنحي. وحتى ذلك الحين، كان قد رفض مرارًا وتكرارًا الاستقالة، على خلفية خلافٍ اندلع بشأن تعيين أربعة وزراء في حكومته.

السيسي عرض المساعدة في الانقلاب.. وقيس رحب ممتنًا!

قالت المصادر: عندما رفض المشيشي الاستقالة؛ تعرض للضرب. ونما إلى علم «ميدل إيست آي» أيضًا أن أشخاصًا «غير تونسيين» كانوا يتواجدون داخل القصر في ذلك الوقت. ويشير موقع «ميدل إيست آي» إلى أن هؤلاء الأفراد كانوا مسؤولين أمنيين مصريين، جاءوا لتقديم المشورة لسعيد قبل الانقلاب، وتوجيه العمليات أثناء تنفيذه. لكن لم يتضح للموقع طبيعة الدور الذي اضطلعوا به في استجواب المشيشي.

Embed from Getty Images

وقال أحد المصادر: إن «الرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) عرض تقديم كل الدعم الذي يحتاجه سعيد من أجل تنفيذ الانقلاب، وهو ما قبله سعيد». وأضاف المصدر: «انتقل الأفراد العسكريون والأمنيون المصريون إلى تونس بدعمٍ كامل من محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي».

ورد أن المشيشي عندئذٍ رفع يديه، ووافق على الاستقالة. في تلك اللحظة، وافق المسؤولون الأمنيون المرافقون لرئيس الوزراء أيضًا على بيان الرئيس. وعاد المشيشي لاحقًا إلى منزله؛ حيث نفى تقارير نشرتها وسائل الإعلام المحلية حول وضعه قيد الإقامة الجبرية.

وأصدر رئيس الوزراء المنتهية ولايته بيانا يوم الإثنين قال فيه: إنه لا يمكن أن يكون «بأي حال من الأحوال عنصرًا معوقًا أو جزءًا من المشكلة التي تُعَقِّد الوضع في تونس». ومضى في بيانه قائلًا: «سأسلم المسؤولية إلى الشخص الذي يكلفه رئيس الجمهورية برئاسة الحكومة، متمنيًا كل النجاح للفريق الحكومي الجديد».

تواصل موقع «ميدل إيست آي» مع الرئاسة التونسية والمشيشي للتعليق، لكن دون تلقي أي رد حتى وقت نشر هذا التقرير.

انقلاب تونس..  قيد الإعداد لشهور

التحركات التي تكشفت يوم الأحد، تتبع حذافير خطة عمل وضعها مستشارو سعيد المقربون في مايو (أيار) ونشرها موقع «ميدل إيست آي» في ذلك الوقت. حددت تلك الخطة حملة تطهير، أو موجة اعتقالات جماعية تنفذ بعد الإعلان عما أشير إليه بـ«الانقلاب الدستوري».

وقالت الوثيقة: إن سعيد سيعلن «دكتاتورية دستورية» يقول واضعو الوثيقة إنها أداة «لتركيز كل السلطات في يد رئيس الجمهورية».

ثم حددت أهدافًا لعملية تطهير للمعارضين السياسيين. وقالت الوثيقة إن الشخصيات الرئيسة ستوضع رهن الإقامة الجبرية. «من حركة النهضة .. نور الدين البحيري ورفيق عبد السلام وكريم الهاروني وسيد الفرجاني، ونواب كتلة الكرامة غازي القرعاوي وسفيان توبال، ورجال أعمال ومستشارون في ديوان رئيس الوزراء، وغيرهم».

كانت الرئاسة قد أنكرت في البداية وجود الوثيقة، قبل أن يعترف سعيد نفسه بأنه قرأها. ثم ادعى في تصريحات متلفزة أنه لا يمكن تحميله مسؤولية النصيحة التي تلقاها.

ومع ذلك، قالت مصادر رئاسية لموقع «ميدل إيست آي»: إن سعيد أصدر تعليماته إلى مسؤوليه بوضع قائمة بالأشخاص المستهدفين الذين يمكن اعتقالهم.

قيس يعلن نفسه نائبًا عامًّا

لتمهيد الطريق لذلك، تولى سعيد السيطرة على كلٍّ من القضاء المدني والعسكري، وأعلن نفسه نائبًا عامًّا. وفي مرسوم صدر في ساعة متأخرة من يوم الثلاثاء، أقال سعيد العميد قاضي توفيق العيوني الذي يشرف على المحاكم العسكرية.

Embed from Getty Images

كما أقال الرئيس عددًا من كبار المسؤولين الحكوميين من بينهم الأمين العام للحكومة ومدير مكتب رئيس الوزراء وعددًا من المستشارين. غير أن هذه التحركات تواجه مقاومة مؤسسية، إذ رفض مجلس القضاء الأعلى قرار سعيد.

استقلال القضاء

قال المجلس في بيان عقب اجتماعه مع سعيد: إنهم أكدوا على استقلال القضاء و«ضرورة إبعاده عن كل الخلافات السياسية، وأن القضاة مستقلون، ولا سلطان عليهم في قضائهم إلا القانون، ويقومون بواجباتهم في نطاق الدستور».

جاءت تصريحات المجلس بموازاة أنباء عن مداهمة قوات الأمن التونسية منزل راشد الخياري، النائب الذي سبق أن دخل في مواجهة محتدمة مع سعيد. وبحسب التقارير المحلية، لم يكن النائب في المنزل وقت المداهمة. في أبريل (نيسان)، نشر الخياري مقطع فيديو على صفحته على «فيسبوك» اتهم فيه سعيد بتلقي الدعم والتمويل الأجنبي لتعزيز فرصه في الفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2019.

وزعم الخياري أن بحوزته وثائق ومقاطع فيديو تظهر أن سعيد تلقى خمسة ملايين دولار، عن طريق مدير حملته، فوزي الدعاس، من ضابط استخبارات يعمل في السفارة الأمريكية في باريس. ونفت السفارة الأمريكية في تونس مزاعم الخياري، فيما تقدم الدعاس بشكوى قضائية ضده.

وبالمثل، فُتحت قضايا ضد ثلاثة أحزاب معارضة بارزة، من بينها النهضة وقلب تونس، للاشتباه في تلقيها أموالًا أجنبية خلال الحملة الانتخابية لعام 2019. يلفت التقرير إلى أن النهضة وقلب تونس من أكبر الأحزاب في البرلمان المفتت، وهما معارضان لسعيد. وذكرت وكالة «رويترز» يوم الأربعاء أن التحقيق مع الأحزاب فُتح في 14 يوليو (تموز)، قبل أن يقيل سعيد رئيس الوزراء ويجمد البرلمان ويلغي الحصانة البرلمانية عن النواب.

وأصر القضاء التونسي على أنه يظل مستقلًا في أعقاب تحركات سعيد. من الناحية الدبلوماسية، نما إلى علم موقع «ميدل إيست آي» أن سعيد واجه معارضة كبيرة عبر المكالمات التي تلقاها منذ أن تولى قيادة السلطة التنفيذية.

أمريكا لا ترحب بتحركات قيس سعيد

وورد أن مسؤولين أمريكيين قالوا للرئيس إنهم غير راضين بالمرة عن آخر التطورات. وكانت واشنطن مترددة في وصف سلسلة الأحداث في البلاد بأنها انقلاب. والأهم من ذلك، نما إلى علم موقع «ميدل إيست آي» أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أخبر كلًّا من سعيد وساسة معارضين بارزين أن الجزائر لن تقبل وقوع تونس تحت النفوذ السياسي والعسكري لمصر.

Embed from Getty Images

يوضح التقرير أن الجزائر تعد كلًّا من ليبيا وتونس مناطق نفوذها المشروعة، وستكون الجزائر قلقة على وجه الخصوص من وجود ضباط أمن مصريين في القصر بقرطاج يوم الأحد. وفقًا للمصادر، ورد أن فرنسا لم تتلق أي تحذير مسبق بشأن التحركات التي قام بها سعيد.

علاقة مضطربة

بحسب المصادر، كانت علاقة سعيد بالمشيشي مضطربة للغاية منذ ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء الصيف الماضي عندما انهارت حكومة إلياس الفخفاخ. وكان المشيشي- الذي اختاره سعيد – قد كشف في البداية عن حكومة تكنوقراط للرئيس، وهو القرار الذي قبله حزب النهضة، أكبر حزب في البرلمان، «رغم تحفظاته».

ومع ذلك، ذكرت «بلومبرج» أنه قبل موافقة البرلمان المفتت على تعيين المشيشي، حث سعيد بعض الكتل على التصويت ضده لأسباب غير واضحة. في وقتٍ ما أواخر العام الماضي، ورد أن الرجلين كانا على خلاف، مما أدى إلى لجوء المشيشي إلى النهضة وقلب تونس للحصول على الدعم.

في يناير (كانون الثاني)، غيَّر المشيشي 11 وزيرًا، ضمن تعديل وزاري كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه استبدالًا لحلفاء النهضة وقلب تونس بحلفاء سعيد. غير أن سعيد رفض دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين، مشيرًا إلى أن التغييرات شابتها «مخالفات».

في فبراير (شباط)، دعا الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو اتحاد عمالي قوي، أربعة من الوزراء المقترحين الذين رفضهم الرئيس – وهم وزراء الصحة والطاقة والتوظيف والرياضة – إلى التنحي. وقال نور الدين الطبوبي رئيس الاتحاد العام التونسي للشغل: «يجب أن يحدث تنازل.. أطلب من الوزراء المقترحين موضع الخلاف التخلي عن مناصبهم لمصلحة الدولة».

يوم الأحد، في أول رد فعلٍ له على إعلان سعيد، ناشد الغنوشي شخصيًّا الطبوبي للتدخل و«استعادة الديمقراطية».

الاتحاد القوي يؤيد الانقلاب

غير أن الاتحاد القوي، الذي يمثل ما يُقدَّر بـ5% من السكان التونسيين، قَبِل خطوة سعيد، مشيرًا إلى أن الرئيس تصرف «وفقًا» للدستور «لمنع خطر وشيك واستعادة مسار العمل الطبيعي» للدولة. لم يكن سعيد بمنأى عن هذا اللغط، بل اتُهم في البداية بتدبير انقلاب في أبريل (نيسان)، بعد يومين من زعمه أن لديه سيطرة قانونية على قوات الأمن المحلية.

في ذلك الوقت، قال المشيشي إن تصريحات سعيد سلطت الضوء على «الحاجة الملحة» لتشكيل محكمة دستورية، ينبغي أن تكون الهيئة الوحيدة التي تحكم في قضايا مثل مَن يسيطر على الجيش في البلاد. أقر البرلمان تعديلًا لقانون المحكمة العليا يقضي بخفض عدد الأصوات اللازمة للموافقة على تشكيل محكمة دستورية من 145 إلى 131، لكن سعيد رفض الاقتراح.

Embed from Getty Images

أعاد سعيد مشروع القانون المعدل بدون توقيع، وأرسل رسالة إلى البرلمان قال فيها إنه ليس أمامه خيار سوى رفض مشروع القانون؛ لأن البرلمان فشل في مراعاة مطلب الدستور بإنشاء المحكمة في غضون عام واحد من الانتخابات التشريعية، وكانت آخر انتخابات قد انعقدت في أكتوبر (تشرين أول) 2019.

قال سعيد في ذلك الوقت: «بعد أكثر من خمس سنوات، وبعد نومٍ عميق، يتذكرون ما حدث للمحكمة الدستورية».

يتابع التقرير: شدد سعيد قبضته على السلطة يوم الإثنين من خلال فرض حظر تجول على مستوى البلاد من الساعة الـ7 مساءً حتى الـ6 صباحًا وحظر التجمعات لأكثر من ثلاثة أشخاص. كما جرى تقييد التنقل بين المدن بموجب صلاحيات الطوارئ الشاملة.

وحث حزب النهضة، الذي تعرض لانتقادات بسبب الخلل السياسي المزمن والضيق الاقتصادي في البلاد، أنصاره على البقاء في منازلهم لضمان السلم، وقال إنه «مستعد لخوض انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في الوقت نفسه حتى يتسنى حماية العملية الديمقراطية».

تونس قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي

غالبًا ما يُستشهد بتونس على أنها قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي. اندلعت الاضطرابات في جميع أنحاء المنطقة بعد أن أشعل محمد البوعزيزي (وهو خريج جامعي لم يجد عملاً إلا بائعًا للفواكه) النار في جسده خل شهر ديسمبر (كانون أول) 2010.

يردف التقرير: يُنظر إلى الديمقراطية التونسية الغضة على أنها مفتاح للاستقرار الإقليمي؛ إذ تقع تونس بين الجزائر التي تواجه اضطرابات سياسية وليبيا التي مزقتها الحرب؛ حيث يسعى آلاف المهاجرين اليائسين منهم كل عام لعبور البحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا، ويموت الكثير منهم على طول الطريق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد