تذكرنا الاحتجاجات التي تجتاح تونس في الأسابيع الأخيرة بالاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ سبع سنوات، والتي أعقبت إشعال البائع المتجول محمد بوعزيزي النار في نفسه. أدت تلك الاحتجاجات آنذاك إلى اندلاع انتفاضاتٍ شعبية واسعة الانتشار في المنطقة أطلق عليها «الربيع العربي». والآن، ينظر العالم إلى الشباب التونسي وهم يتظاهرون في الشوارع للمطالبة بالوظائف، وإنهاء الفساد وتوسيع رقعة الفرص، وفق ما ذكر تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.

ينظر البعض إلى المظاهرات وردود الحكومة باعتبارهم تحذيرًا شديدًا بأنَّ نهاية تجربة تونس الديمقراطية قد باتت قريبة. ويتساءل آخرون عما إذا كان من الضروري أن نعيد النظر في إنجازات البلد على الصعيد المدني، وهي البلد التي ينظر اليها على أنها استثناء ومصدر إلهام للدول العربية الأخرى.

ولكن وبحسب تقرير الصحيفة البريطانية، فإن كلا الرأيين لا يجانبهما الصواب. لا يدرك البعض بشكل صحيح الأسباب التي خلفت الجولة الحالية من الاضطرابات، وفرص التغلب عليها، والاختلافات الصارخة في اللحظات السياسية. الحصول على هذا التقييم هو أمر مهم. وتقدم التجربة التونسية الحديثة دروسًا فريدة من نوعها بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى التقدم في أماكن أخرى في العالم العربي.

اقرأ أيضًا: مظاهرات أثلجت الإمارات.. قصة الاحتجاجات المشتعلة في تونس الآن

في عامي 2010 و2011، كانت الاحتجاجات في تونس ضدَّ حكومةٍ تسببت سياساتها وفسادها وفلسفتها في صعوبات اقتصادية. ويقدر البنك الدولي أن الرئيس الاستبدادي زين العابدين بن علي وعائلته قاموا باختلاس 13 مليار دولار من خزائن الدولة، وأن 21% من أرباح القطاع الخاص كانت لشركات مملوكة لأسرة الرئيس الممتدة. وفي ظل ابن علي، لم تكن هناك جهود جادة في الإصلاح الاقتصادي، ولم يكن هناك استثمار في التنمية المستدامة أو فرص العمل.

وفقًا للتقرير، تتعلق الاحتجاجات الحالية بالدرجة الأولى بالأثر اليومي لتدابير التقشف التي تستهدف حل المشاكل الهيكلية العميقة في الاقتصاد. وقد فرضت الشروط المفروضة للحصول على جزء من قرض قدره 2.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي قانونًا ماليًا جديدًا ينطوي على فرض ضرائب مبيعات وضرائب اجتماعية وينهي الإعانات الحكومية ويقلل من قوة العمل في القطاع العام ويزيد سن التقاعد للموظفين العموميين. ويضر ارتفاع الأسعار بالفعل التونسيين العاديين، الذين استيقظوا في يوم رأس السنة الميلادية على زيادة ثانية في أسعار الوقود في ستة أشهر فقط. ويشعر المواطنون بخيبة أمل بعد فشل التوقعات التي أعقبت ثورة عام 2011، وقد يأس المتظاهرون من الانتظار.

اقرأ أيضًا: بالرغم من ترك الإسلاميين الحُكم.. لماذا تواصل الإمارات التضييق على تونس؟

أرقامٌ صادمة

ولا تزال البطالة تبلغ حوالي 15% (30% بين الشباب)، وبلغ التضخُّم 6.3% في نوفمبر (تشرين الثاني)؛ كما أنّ نموّ الناتج المحلي الإجمالي لم يتجاوز بالكاد 2% في عام 2017، بعد أن ظل ثابتًا عند 1% منذ الثورة. والأجور المدفوعة للموظفين العموميين تساوي 14.5% من الناتج المحلي الإجمالي غير المستدام، وقد انخفضت قيمة العملة المحلية بنسبة 25% مقابل اليورو على مدى العامين الماضيين.

متظاهرون محتجون في تونس على الأوضاع الاقتصادية-تونس

وقال التقرير إن اظهار المظاهرات الحالية على أنها تكرار لما حدث في عام 2011 هي نظرة معيبة. فالقيادة الفاسدة والاستبدادية هي نظام مختلف عن المشاكل المتعلقة بالقضايا الاقتصادية الهيكلية، ولدى المجتمع المدني في تونس والجهات السياسية الفاعلة القدرة على الالتفاف حول أهداف وطنية أوسع نطاقًا. وقد نجحت هذه القوى بالفعل في كسر الجمود السياسي الذي أحاط بالبلاد في عام 2013 ومرة أخرى في العام الماضي، عندما عقدت نقابات العمال اتفاقًا مع الحكومة لخلق مزيد من فرص العمل في قطاع النفط وإنشاء صندوق استثمار إقليمي.

اقرأ أيضًا: «رجال الثورات المضادة» من اليمن إلى تونس.. جنود الإمارات لهزيمة الربيع العربي

منذ الثورة، حقق التونسيون الديمقراطية الانتخابية، وشهدوا تحولاتٍ سلمية متعددة للسلطة، واعتمدوا دستورًا علمانيًا، وحققوا المزيد من التقدُّم في مجال حقوق المرأة وحريَّات التعبير الراسخة والصحافة. وفي حال جرت الاستفادة من هذه الأصول المدنيَّة، الفريدة في العالم العربي، فيمكن أن تساهم في إنقاذ تونس. تحتاج تونس إلى أن تحقق على الصعيد الاقتصادي ما فعلته من أجل النهوض بالحقوق الديمقراطية لمواطنيها. إن روح التوفيق والنقاش وبناء توافق الآراء التي دفعت البلاد إلى الأمام حتى الآن يمكن أن تنقذ قصة النجاح الوحيدة في منطقة مدمرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد