مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسة في تونس في أواخر هذا العام. تشهد الساحة السياسية التونسية عودة شخصيات ورموز من عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مستغلين في ذلك مناخًا من الحريات كانت الثورة قد كفلته، وعدّته أحد أهم مكتسباتها.

ويرصد سام كيمبال، مراسل مجلة «فورين بوليسي»، نشأة واحدة من أهم القوى الآن على الساحة التونسية وصعودها، وهي قوة تتصارع على توجيهها، بفرض حسن النية، قوى الثورة وقوى النظام البائد. فهل ستتمكن قوى الاستبداد السابق من استخدام الحريات التي كفلتها الثورة، واستغلال «النقابات الأمنية» التونسية في الانقلاب على الثورة، أم يكون لقوى التحرر الحقيقية رأيٌ آخر؟

في 2 أبريل (نيسان) الماضي، في مكتبٍ يفتقر إلى أي ملامح مميزة، يقع أعلى محلٍ لتقديم القهوة والآيس كريم، في منطقة وسط البلد بالعاصمة التونسية، حيث التقى مراسل «فورين بوليسي» به، أخذ محمد البِلدي، مسؤول العلاقات العامة بالنقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي التونسي (التي يشار لها بالاختصار الفرنسي SNFSI)، يُقلِّب في صور ضباط الشرطة المصابين الذين خيطت جروحهم أو جُبِّرت كسورهم، ليشير إليها قائلًا: «هؤلاء تعرضوا للهجوم على يد مواطنين عاديين».

إذ يرى البِلدي أنَّ قوات الأمن الداخلي في تونس أمست ضحيةً بعد انتفاضة 2011، وإطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، وكانت إقامة نقاباتٍ خاصة بهم هي سبيلهم الوحيد لحماية أنفسهم.

يعود بنا التقرير إلى سنة 2011، ليروي أنَّه في أعقاب الانتفاضة، كانت الشرطة قد اختفت من الشوارع في بعض أجزاء البلاد، وتولى الجيش مهمة حفظ النظام في تلك المناطق لعدة شهور. وعلى الرغم من تاريخ الكفاح العمالي في تونس، الذي يمتد لأكثر من 70 عامًا بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، فإنَّ قوانين وزارة الداخلية في تونس ما قبل الثورة كانت تحظر على الشرطة وأجهزة الأمن الداخلية الأخرى -التي تقع تحت سلطة وزارة الداخلية- تشكيل النقابات أو القيام بإضرابات.

ثمَّ لما شهدت فترة ما بعد بن علي ازدهارًا للمجتمع المدني، وإقامة عددٍ لا حصر له من المنظمات غير الحكومية، وانتشار حالة النقاشات العامة في المجتمع؛ استغل موظفو وزارة الداخلية فرصة الانفتاح الجديدة في إنشاء نقاباتٍ لهم.

Embed from Getty Images

وينقل كيمبال عن البِلدي وصفه نقابة الأجهزة الأمنية بأنَّها جزء من طليعة التحرير التونسية، التي يُناط بها حماية المنخرطين في صفوف تلك الأجهزة من الظلم الذي يتعرضون له من جرَّاء لومهم على انتهاكات النظام القديم، والاصطفاف ضد السيطرة القمعية على وزارة الداخلية.

ويقول البِلدي: «لقد استغلتنا الأنظمة (قبل الثورة وبعدها)، وأرادوا إلقاء لوم كل الانتهاكات علينا». ويضيف: «قبل ذلك، كانت فترة قهرٍ لنا. أي فرد منا كان معرضًا للطرد لأي سبب. وكان بإمكان رئيس المركز أن يقول بكل بساطة: (سلّم شارتك وسلاحك واخرج). لذا، طالبنا بحق إنشاء النقابات، وطالبنا بإعادة زملائنا الذين فُصلوا لأسبابٍ فنية إلى عملهم، وليس الذين تورطوا في عمليات قتل أو خطف بالطبع».

وتابع البِلدي قائلًا إنَّ المكتب الذي نجلس فيه وفرته وزارة الداخلية للنقابة، خشيةَ أن يصبح الأعضاء مستقلين عنها. وأضاف، مشيرًا إلى عينيه: «لقد أرادوا أن يراقبونا، وأن نظل تحت أعينهم».

ويقول كيمبال إنَّ الصورة التي رسمها البِلدي هي صورةٌ تتزعم فيها النقابات الأمنية المقاومةَ ضد القوى الانتقامية لقيادات وزارة الداخلية، والتعديات الخارجة عن السيطرة عليهم من ضحايا الأنظمة الاستبدادية السابقة.

ويؤكد البِلدي أنَّ النقابات تقدميةٌ في جميع أهدافها، سواءٌ من جهة إعطاء العمال القدرة على المطالبة بشكلٍ جماعي بأجور وظروف عمل أفضل، أو من جهةِ هياكلها التي تسمح بالتصويت، وظاهريًا على الأقل، مشاركة الأعضاء العاديين في اتخاذ القرارات في مواجهة القيادات.

غير أنَّ الصورة التي رسمها البِلدي لا تحظى بموافقة الجميع. فالعديد من التونسيين، وفقًا للمجلة، من المواطنين العاديين إلى السياسيين حتى العاملين بمجال حقوق الإنسان، يقولون إنَّ النقابات الأمنية غالبًا ما تدافع عن مصالح الدولة الأمنية المتجسدة في وزارة الداخلية، وتحمي أفرادها من التعرض للمساءلة عن الانتهاكات التي كانت وما تزال تُرتكب، بما فيها جرائم القتل.

إذ يبدو الأمر في روايتهم أنَّ القطاع الأمني قد نجح تمامًا في استعمال الحريات الليبرالية الجديدة في تونس لإحكام قوته السلطوية الخاصة، أي إنَّهم استعملوا القوة التي نشأت عن الثورة التونسية ضدها هي نفسها.

بداية النقابات الأمنية في تونس عقب الثورة

يتحدث البِلدي عن البداية، فيقول إنَّ النقابات انطلقت بعد أيامٍ من رحيل بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، حينما أخذ ضباط الشرطة في وضع شاراتٍ حمراء لإعلان وقوفهم مع الثورة. وشرع هو وزملاؤه مع أفرادٍ من القطاعات الأمنية الأخرى، خاصةً من قوات الحرس الوطني، والحماية المدنية، ليجتمعوا في مسيرةٍ أُقيمت في 22 يناير 2011، بعد ستة أيامٍ فقط من هروب بن علي إلى خارج البلاد.

بدأت المسيرة من ساحة القصبة في العاصمة التونسية، لتمر من خلال شوارع المدينة، حتى بوّابات وزارة الداخلية. وطالب المشاركون في المسيرة بتغيير القانون، لإعطائهم الحق في تنظيم اتحاداتٍ نقابية خاصة بهم، وهو الحق الذي حُرموا منه قانونيًّا، هاتفين «أبرياء من دماء الشهداء!»، و«النقابة لحمايتنا من العصابة!»، ويقول البِلدي إنَّ تلك المسيرة العامة كانت بداية إدراك وحدات الأمن الداخلي رغبتها المشتركة في التمثيل النقابي.

شهدت تونس، على إثر ذلك، ظهور ما يزيد على 100 نقابة في قطاع الأمن على مدار سنتي 2011 و2012، أهدافها العامة هي تحسين الأجور، وتغيير شروط الترقية والتعيين. واقترحوا اعتماد لائحة رسمية لإدارة تدرج الرتب والتصنيف النظامي.

وفي الوقت الذي يقول فيه أشخاصٌ مثل البِلدي إن قوات الأمن الداخلي تسعى لحماية أفرادها من الاعتداءات واللوم الجائر، فإنَّ السكرتيرة التنفيذية والناشطة السياسية حميدة العجنقي ترى أنَّ النقابات الأمنية هي مجرد غطاء للتستر على عقود من الانتهاكات.

تاريخ طويل من الانتهاكات

يروي كيمبال ما دار بلقائه مع حميدة في 30 يناير الماضي، في ساحة انتظار سيارات أحد ملاعب كرة القدم بالعاصمة التونسية، أمام لوحةٍ كبيرة مخصصة لأول رئيسٍ تونسي، وهو الحبيب بورقيبة، بينما كانت تجلس حميدة في المقعد الأمامي لسيارتها الصغيرة. كانت ترتدي حجابًا أزرق، وتبتسم في خجل بين الحين والآخر، محاولةً إخفاء أسنانها ناصعة البياض.

تحدثت إليه عن نشأتها، وعن أول انخراط لها في النشاط السياسي في الثمانينيات تحت حكم بن علي. وقالت: «كنتُ طفلة مولعة بالمدرسة. كنت فتاةً عادية: ترتدي الجينز، وتحفظ أغاني خوليو إجلسياس. غير أنِّي سنة 1987، حينما تولى بن علي السلطة من بورقيبة، كنتُ قد قررت ارتداء الحجاب».

Embed from Getty Images

بعد انضمامها إلى حركة النهضة الإسلامية معارضةً لحكم بن علي الاستبدادي، اعتُبرت حميدة تهديدًا للدولة، وأصبحت هدفًا للشرطة في آخر سنوات مراهقتها. وكانت خطيبةً سياسية مفوّهة، تجمع الأموال هي وزميلاتها لتوزيعها على أسر المعتقلين السياسيين.

وتقول إنَّها شاركت في احتجاجات تطالب بن علي بالسماح للبنات بارتداء الحجاب في المدارس، وهو حظرٌ كان بورقيبة قد أقرّه، ودعمه بن علي من بعده وأصرّ عليه، وتعرضت في سبيل ذلك للغاز المسيل للدموع والضرب بالهراوات.

أخذت حميدة تروي لكيمبال كيف تعرضت للضرب داخل وزارة الداخلية في أواخر التسعينيات على يد شرطة نظام بن علي: «ألقت الشرطة القبض عليَّ من منزلي. وكانت معي ثلاث فتيات أخريات. ولمّا رأى رجال الأمن (في وزارة الداخلية) أني محتشمة اللباس، أصرّوا على تمزيق حجابي، وكل ملابسي. ثم ربطوني في عمودٍ معلقةً كالدجاجة المشوية. وكانوا يهددوني قائلين: (سنجردكِ من عذريتك)، وهم مستمرون في تعذيبي».

ينتقل كيمبال بعدها إلى ناشطٍ آخر، وهو كريم عبد السلام، الناشط في «جمعية العدالة ورد الاعتبار». قال عبد السلام في حواره مع كيمبال: «قوات الأمن التونسية ارتعدت حتى صميمها من خسارتها المفاجئة للسيطرة الكلية التي حازتها لسنواتٍ طويلة بسقوط بن علي سنة 2011. مع الفراغ السياسي وهروب بن علي على إثر الثورة، خشي أفراد الأجهزة الأمنية أن ينتقم التونسيون العاديون منهم»، ولذلك «ترك معظمهم بيوتهم، ورفضوا الذهاب إلى المراكز الأمنية. لقد كانوا في حالة صدمة».

يلفت عبد السلام الانتباه إلى أنَّ أخطر تدخل قامت به النقابات الأمنية كان دعوتها إلى مشروع قانون «يتعلق بزجر الاعتداءات على القوات المسلحة». ففي سنة 2015، بعد صدور قانون مكافحة الإرهاب، بدأت النقابات الأمنية في الدفع بمشروع قانون صاغته وزارة الداخلية من شأنه وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية «تخويل قوات الأمن استخدام القوة المميتة لحماية الممتلكات، حتى عندما لا يكون ذلك ضروريًا وحتميًا لحماية الحياة، خلافًا لما تنص عليه المعايير الدولية».

يحظر القانون أيضًا ما يُسمى بـ«إهانة أو تحقير» القوات المسلحة، ويُجرِّم نشر أي معلوماتٍ تتعلق بـ«الأمن الوطني»، وهو ما يرى تقرير المنظمة أنَّه تعريف فضفاض يشكل تهديدًا واضحًا لعمل الصحافيين.

وقد بدأت النقابات الأمنية في التظاهر ضغطًا على المشرِّعين لكي يتبنوا مشروع القانون. وفي أواخر 2017، هددت أكبر ثلاث نقابات أمنية، وهي النقابة الوطنية لقوى الأمن الداخلي التي يعمل بها البِلدي، ونقابة موظفي الإدارة العامة لوحدات التدخل، والاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي، برفع الحماية الأمنية عن كافة نواب البرلمان في حال لم يُعرض مشروع القانون في جلسة عامة في غضون 15 يومًا.

ويقول عبد السلام: «هذا القانون ينتهك كل حقوق الإنسان»، كما أنَّه «يسلب حرية التعبير، ويعطي قوات الشرطة حريةً مطلقة لممارسة الانتهاكات، ثم يُلقي بالمسئولية الكاملة عنها على المواطنين».

التقى كيمبال بواحدٍ من النواب، وهو ياسين العياري، نائب تونسي متمرد، وأحد أصغر النواب سنًّا في البلاد، إذ ما زال يبلغ من العمر 37 عامًا، بالإضافة إلى أنَّه النائب الوحيد الذي دعا إلى حل نقابةٍ أمنية.

في لقائه مع كيمبال بمقهى صاخب يقع في الطابق السفلي من البرلمان التونسي، قال إنَّ النقابات الأمنية تدخلت، في عدة مفترقات حرجة منذ بداية الثورة، لحماية أعضاء الأجهزة الأمنية الذين تورطوا في قضايا تعذيب أو قتل.

واستشهد بمحاصرة النقابات الأمنية للمحكمةَ العسكرية في 2011، التي كانت تحاكم الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين، ودعوتها المنخرطين فيها إلى عدم حضور جلسات استماع «هيئة الحقيقة والكرامة» التونسية، واقتحامها مقر محكمة، وإطلاق سراح خمسة زملاء لها متهمين بالتعذيب، كل ذلك ضمن تدخلاتٍ أخرى.

«عدوة الربيع العربي».. هل تفوز عبير موسى في انتخابات تونس وتحقق حلم الإمارات؟

وتابع العياري: «لقد أُسست تلك النقابات لكي تكون بمثابة جناح سياسي مسلح يتبع هؤلاء الذين قمعوا الثورة». وقال إنَّ النظام، أي هؤلاء الذين كانوا ضد الثورة، جعلوا من النقابات سلاحًا سياسيًّا «لأنَّ تونس دولة أمنية، ومن يتحكم في الأمن فيها، يسيطر على السلطة».

واستشهد العياري بمحاكمة العقيد منصف العجيمي، المدير السابق لوحدات التدخل، الذي اتُهم بقتل المتظاهرين السلميين في أحياء مدينتي تالة والقصرين الفقيرتين. وأشار إلى أنَّ رجال النقابات الأمنية ذهبوا إلى محاكمة العجيمي العسكرية في 2011، وحاصروا مقر المحكمة، احتجاجًا على إقالته. فتراجع وزير الداخلية حينها عن قرار الإقالة، وأعاده إلى منصبه.

ولفت العياري الانتباه أيضًا إلى أنَّ النقابات الأمنية شاركت في حركة «الرحيل» التي تنكرت لشرعية العملية الدستورية، وأقامت الاعتصامات مطالبةً بإسقاط تحالف الأحزاب الثلاثة الذي تولى الحكم في تونس بعد انتخابات 2011.

بحسب التقرير، تحدث العياري أيضًا عن واحدةٍ من أكثر حوادث الترهيب الأخيرة فجاجةً وانتهاكًا لسلطة النظام القضائي من قبل النقابات الأمنية: وهي واقعة اقتحام مقر محكمة ابن عروس، التي تقع جنوب تونس العاصمة، في فبراير (شباط) 2018. كانت المحكمة قد انعقدت لمحاكمة خمسة من رجال الأمن المتهمين بتعذيب مشتبه به على صلةٍ بقضية إرهابية.

غير أنَّ عشراتٍ من رجال الأمن ينتمون لنقابتين أمنيتين حاصرا مقر المحكمة، في الوقت الذي دخل فيه آخرون إلى المحكمة، حاملين أسلحتهم؛ مما دفع بالمحكمة، تحت هذا الضغط، إلى إخلاء سبيل رجال الأمن المتهمين، وتبرئتهم من التهم الموجهة لهم.

وفي اليوم التالي للعدوان على المحكمة، أعلن العياري أنَّه سيرفع دعوى قضائية لحل النقابات المتورطة في تلك الفضيحة، حسب رأيه. وقال إنَّه يتعرض، منذ ذلك الحين، لتهديداتٍ شخصية من النقابات وداعميها لاتخاذه مثل هذا الموقف.

وتنقل المجلة عن منذر الشارني، الأمين العام للفرع التونسي من المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب: «كانت هناك نقابات مهمتها حماية الشرطة»، بينما «في حالاتٍ أخرى، أُنشئت نقابات هدفها حجب الحقائق والتستر على الانتهاكات والتعذيب».

وقال الشارني إنَّ وحدات الشرطة حينما اتُهمت بممارسة التعذيب، أبدت ردودًا دفاعية عنيفة وقاسية، تعمد بها إلى إهانة منتقديها، وتتجنب في الوقت نفسه المساءلة والعقاب. وأضاف: «هناك كتلة كبيرة من (القوة الشرطية) تستحق المثول أمام المحكمة»، غير أنَّ «النقابات سعت إلى حماية الضباط المشاركين في جرائم من المحاكمة. فهناك ضباط ارتكبوا جرائم قتل، وآخرون مارسوا التعذيب، قبل الثورة وبعدها».

وتحدثت المجلة إلى فداء الهمامي، الباحثة المعنية بشؤون تونس في منظمة العفو الدولية، والتي قالت أيضًا إنَّ محاسبة قوات الشرطة أمرٌ نادر الحدوث «فالإفلات من العقاب هو القاعدة حينما يتعلق الأمر بتلك الانتهاكات»، وتابعت قائلةً: «عندما تكون لديك نقابات أمنية تتمتع بالقوة، وتطلب من أعضائها مقاطعة التحقيقات (التي تُجريها هيئة الحقيقة والكرامة)، فليس ثمة إجابة أوضح من ذلك عن سبب الصعوبة البالغة التي تواجهها عملية المحاسبة».

«زجر الاعتداءات على القوات الأمنية»

بحسب التقرير، هذه النقابات الأمنية ليست فقط معادية للأفراد الذين زعموا تعرضهم لانتهاكات على يد قوات الشرطة، بل وتقاوم أيضًا مؤسسات ما بعد الثورة التي تهدف إلى فتح سجلات الماضي، وتحقيق ما يشبه المساءلة.

وتقول فداء إنَّ «النقابات الأمنية كانت شديدة العدائية لهيئة الحقيقة والكرامة (التي كلفت بالتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت على مدار ما يقرب من 60 عامًا، وانتهى انتدابها في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي). فالهيئة تستدعي الضباط الذين ربما يكونوا متورطين في القضايا محل التحقيق. غير أنَّ النقابات أخذت في تشجيعهم على عدم التعاون.

وتُصدر النقابات بياناتٍ علنية على فيسبوك، موجهةً رسالة إلى أعضائها بأنَّهم غير مضطرين إلى التعاون مع الهيئة. حتى إنَّ الرسالة، في بعض الأحيان، تكون أكثر عدوانية، قائلةً ببساطة: لا تذهبوا».

وتضيف فداء أنَّ تلك البيانات ينبغي اعتبارها دعوات صريحة لتقويض حكم القانون، وأنَّ الإعاقة الفعالة لعمل الهيئة بمثل هذه الطريقة تعد انتهاكًا لحقوق الضحايا في الوصول إلى الحقيقة، والكرامة، وتحقيق العدالة. واستعانت لتأييد كلامها بحالاتٍ سيئة السمعة حدثت مؤخرًا، وشهدت انتهاكاتٍ صارخة من الشرطة، قُتل على إثرها شابان.

ففي مارس (آذار) 2018، بعد مباراةٍ لكرة القدم تصاعدت أحداثها إلى اشتباكات، طاردت قوات الأمن المشجعين، والذين كان منهم الشاب عمر العبيدي، البالغ من العمر 19 عامًا، الذي حاول الهرب من ملاحقة الشرطة. ورغم صراخه، وفقًا لشهود، بأنَّه لا يتقن السباحة، دفعته قوات الشرطة في النهر، حيث غرق. وزعم البعض بأنَّ رجال الشرطة كان ردهم عليه: «تعلم السباحة». وقالت فداء: «كانت هناك محاكمة، لكن لا شيء يحدث».

علاوةً على ذلك، فإنَّ قوات الأمن، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أطلقت النار في أثناء مداهمة مستودع بضائع مهربة في حي فقير بغرب تونس العاصمة، مما أدى إلى مقتل الشاب أيمن العثماني، الذي كان في التاسعة عشر من عمره أيضًا. وأشارت فداء إلى أنَّه بحلول شهر يناير من هذا العام، لم يكن ثمة إعلان أي تقدم في التحقيقات الخاصة بجريمة القتل تلك.

هل يعود نظام تونس السابق؟

في الثاني من يونيو (حزيران)، أجرى كيمبال مقابلةً في مكتب سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة. قالت إنَّها تعتقد أنَّ النقابات الأمنية أحد أكثر الأطراف مسئوليةً عن تقويض العدالة الانتقالية في تونس.

وأضافت، وفقًا للتقرير: «النقابات المهنية تعد واحدةً من أقوى الجماعات مناهضةً للعدالة. لقد نشرنا في تقريرنا النهائي بياناتهم التي دعوا فيها قوات الشرطة إلى عدم الإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة الحقيقة والكرامة، وتلك التي أعلنوا فيها رفع الحماية عن المحاكم التي تحاكم ضباط الشرطة».

ولفتت سهام الانتباه إلى الصعود الحالي لـ«الحزب الدستوري الحر»، بقيادة عبير موسي، التي تحتل الآن المركز الثالث بين المترشحين للرئاسة في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقتٍ لاحق من هذا العام.

Embed from Getty Images

فعبير كانت واحدة من الأعضاء البارزين السابقين في حزب بورقيبة وبن علي، حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» المحظور حاليًا. وتزعم أيضًا بأنها حاملة إرث بن علي، وتقول: أنا من أتباع بن علي. بالإضافة إلى أنَّ زوجها يقود واحدة من تلك النقابات الأمنية، ومن ثمّ أصبحت المتحدثة السياسية باسم تلك النقابات.

وردًّا على مزاعم العياري بشأن النقابات الأمنية، قال البِلدي: «أرني الدليل»، وأضاف في عدم اكتراث: «أنا أشك في سلامة عقل هذا الرجل». ثم استمر في الدفاع عن تهديدات النقابات المختلفة بالتوقف عن حماية النواب ما لم يعرضوا مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة للنقاش في جلسة برلمانية عامة.

وأشار إلى الهجمات المختلفة، الفردية غالبًا، التي يتعرض لها أفراد القوات الأمنية، قائلًا: «الشرطة تُهاجم اليوم، وأنا بوصفي رجل شرطة قد أتعرض للضرب اليوم، وليس هناك قانون يحميني. ثم تطلب أنت مني أن أحميك؟ لا. بدون هذه القوانين، ستتحول هذه البلد إلى غابة».

تحدثت المجلة أيضًا إلى نبيل صميدة، عضو المرصد التونسي للأمن الشامل، الذي يعد بحثه للدكتوراه في موضوع إصلاح المنظومة الأمنية التونسية في جامعة جرينوبل بفرنسا. يعتقد صميدة أنَّ النقابات التونسية تسير على المسار الصحيح. ورغم إقراره بأنَّ النقابات كانت عدوانية في تصرفاتها بعض الأحيان، فإنَّه قال إنَّ تلك التصرفات لم تكن سلوكًا منهجيًّا على أي مستوى، بل وأيَّد حق إنشاء النقابات الأمنية، وحتى الحاجة إلى استمرارها في تونس. إذ يرى أنَّ «النقابات الشرطية موجودة في كل المجتمعات الديمقراطية»، كما أنَّها «قوة مضادة للاستغلال، وهذه إحدى ثمرات ثورتنا».

وعلى النقيض من صميدة، ترى حميدة أنَّه ما زالت هناك الكثير من العقبات التي ستضعها النقابات في أفق الثورة. فهي تعتقد أنَّ بعض قطاعات النظام القديم بدأت تعود إلى السلطة. وقالت إنَّ عناصر النظام القديم في الحكومة في حاجة إلى النقابات الأمنية لإحكام سيطرتها على السلطة، وإعادة تونس إلى ما كانت عليه قبل الثورة.

وأضافت قائلةً: «القوى القديمة تريد العودة»، ولذلك «فهم يحاولون استخدام النقابات الأمنية لتأمين تلك العودة. إنَّهم ينظمون أنفسهم لقمع أصواتنا الحرة، وحماية أنفسهم من المحاسبة»، ودلّلت على ذلك بأنَّ بعض تلك النقابات ثبطت بفعاليةٍ أعضاءها عن حضور جلسات استماع هيئة الحقيقة والكرامة.

وتابعت: «النقابات الأمنية تقول لعناصرها: (لا تذهب. نحن سنكون وراءك)، كل ذلك لكي لا تتحقق العدالة الانتقالية، ولا تنجح الثورة، ومن ثم يمكن للأمن أن يعود إلى الحكم من جديد».

ثم اختتمت حميدة كلامها قائلةً إنَّها تدعم المصالحة مع قوات الأمن التي ارتكبت جرائم، غير أنَّ هذا يقتضي اعترافها أولًا بالجرائم والامتثال للمحاسبة. أما بالنسبة للنقابات التي تخدم مصالح «النظام»، فإنها ينبغي أن ترحل.

واستدركت: «أنا أعتقد أن النقابات لها الحق في الوجود، لكن ليس تلك النقابات التي تقوم على خدمة أجندة سياسية معينة. بالطبع، يمكن للنقابات حماية حقوقها، لكن إذا كان هدف تلك النقابات خدمة سياسات موجهة ضدي؟ فأنا أقول: لا».

متعلّم لكن بطّال.. كيف تدفع البطالة التونسيين لركوب قوارب الموت أو حمل السلاح؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد