قال رجب صويلو في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» إن مصادر أخبرته أن السبب وراء إقالة ناجي أغبال محافظ البنك المركزي التركي السابق هو أنه خالف تعليمات الرئيس المباشرة بشأن أسعار الفائدة، فدفع الثمن. وإليكم ترجمة التقرير كاملًا:

إن أشد المؤيدين المتحمسين للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أصيبوا بالصدمة والغضب الأسبوع الماضي بقراره إقالة محافظ البنك المركزي ناجي أغبال، بعد أقل من خمسة أشهر من تعيينه.

لم يتمكن المسؤولون الأتراك، والتكنوقراط، والأكاديميون، وغيرهم ممن دعموا أردوغان في تقلباته على مر السنين هذه المرة من العثور على أي سبب منطقي لإقالة أغبال، الذي أدى صعوده الأولي إلى المنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إلى زيادة الثقة في الأسواق، وتوقف ارتفاع الدولار الأمريكي وتدفقت أكثر من 15 مليار دولار إلى البلاد.

قال مسؤول تركي، اشترط عدم الكشف عن هويته، لميدل إيست آي: «كان هذا يومًا حزينًا للغاية. لم يستطع أحد تفسير سبب قيامه بذلك فجأة. لماذا عينته في المقام الأول قبل أشهر فقط إذا كنت ستقيله؟». عندما عين أردوغان أغبال محافظًا للبنك المركزي، اعتبرتها الأسواق خطوة براجماتية لوقف السقوط الحر لليرة واستعادة النظام والثقة في الاقتصاد التركي من خلال سياسة نقدية تقليدية.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
«ميدل إيست آي»: فقدت 30% من قيمتها هذا العام وحده.. ملحمة تراجع الليرة التركية

ولكن أدت إقالته المفاجئة إلى خفض قيمة الليرة بنحو 10% مقابل الدولار، ونقل مستوى مخاطر الدولة إلى أعلى نقاط على الإطلاق، وبدد الأرباح التي تحققت هذا العام في بورصة إسطنبول. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك المقربين من أردوغان، لم تكن الإقالة مفاجئة حقًا؛ إذ قال مسؤول تركي مقرب من الرئيس: إن «علاقة أردوغان بأغبال كانت تتدهور بشكل مطرد. واتصالاتهم لم تكن جيدة على الإطلاق».

ويؤكد مسؤولون ومصادر مقربة من الرئاسة أن أردوغان مندهش بالفعل من رفع أغبال أسعار الفائدة. وأضاف المسؤول المقرب من الرئيس: «قال أردوغان، سرًا وعلانية، لأغبال مرارًا وتكرارًا برأيه في رفع أسعار الفائدة. وبدا أن أغبال قد فهم ما يريده الرئيس».

رفع معدلات الفائدة

اشتهر أردوغان بموقفه الأيديولوجي المناهض لأسعار الفائدة المرتفعة. فالإسلام يحرمها، لكنه يعتقد أيضًا أن أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي إلى تضخم مرتفع، وهي نظرية مثيرة للجدل وغير تقليدية لها جذور في نشأته الأيديولوجية خلال سنوات حزب الرفاه الإسلامي.

عندما عيّن أردوغان أغبال، الذي كان سابقًا مدير ميزانيته السابق في الرئاسة، اختلف أيضًا مع صهره بيرات البيرق، الذي استقال من منصب وزير المالية بعد أن اكتشف الرئيس أن احتياطيات النقد الأجنبي في البنك المركزي في حالة يرثى لها.

Embed from Getty Images

ثم عين أردوغان السياسي الذي يحظى باحترام الجميع لطفي إلفان بديلًا للبيرق، وبدأ يتحدث عن «القرص المُر» الذي يجب على الحكومة أن تبتلعها. وقال مصدر مقرب من الرئاسة التركية: «عندما تحدث أردوغان عن القرص المر، كان يقصد نقل أسعار الفائدة رسميًّا إلى سعر السوق غير الرسمي». ووافق أردوغان على زيادة أغبال الأولى البالغة 475 نقطة.

استخدم سلف أغبال، مراد أويسال، أساليب ملتوية لزيادة الأسعار مع الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي الرسمي أقل بكثير. عندما قام أغبال بأول زيادة له في نوفمبر، رفع المعدل الرسمي إلى 15%، وهو تشديد محدود لأن متوسط تكلفة التمويل قد ارتفع بالفعل إلى 14.36%.

لكن أغبال لم يتوقف عند هذا الحد. في ديسمبر (كانون الأول)، رفع أسعار الفائدة 200 نقطة إضافية، ونقل السعر الأساسي إلى 17% بسبب ارتفاع التضخم. وزعم المصدر المقرب من الرئاسة أن «أردوغان لم يكن يعلم أي شيء عن ذلك. بل شاهده على شاشة التلفزيون».

قال أحد المطلعين في حزب العدالة والتنمية الحاكم إن أردوغان غضب واتصل بوزير المالية إلفان وأخبره أنه سيقيل أغبال. وزعم المصدر أن «إلفان طلب مزيدًا من الوقت لترتيب البيت. وأقنع الرئيس بأن أغبال سيعود إلى رشده».

مع مرور الأشهر، زادت المعارضة التركية من انتقاداتها لسياسات البيرق المالية. يدير حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيس، حملات تلقي باللوم على صهر أردوغان في حرق احتياطيات البنك المركزي التي تزيد عن 128 مليار دولار من خلال البنوك العامة للحفاظ على استقرار سعر الدولار مقابل الليرة منذ عام 2019.

«أين الـ128 مليار دولار؟» تساءل قادة حزب الشعب الجمهوري في عريضة رسمية طلبت إجراء تحقيق برلماني في ديسمبر. مع تصاعد الضغط العام، شعر أردوغان بالحاجة للدفاع عن وزير المالية السابق. قال أردوغان في خطاب عام: «البيرق لديه بصمة على كل شيء من اكتشاف موارد الغاز في البحر الأسود إلى التعدين في هذا البلد. وقد اتخذ العديد من الخطوات للإصلاحات في القطاع المالي. ومسؤولو حزب الشعب الجمهوري مجموعة من المحتالين».

Embed from Getty Images

وقالت مصادر متعددة إن الرئيس توقع أيضا بيان دعم من أغبال، لكنه لم يصدره قط، مما زاد من تقويض علاقته بأردوغان. وجاءت الضربة القاضية للرئيس عندما رفع أغبال أسعار الفائدة بمقدار 200 نقطة الأسبوع الماضي، وهو ما يفوق توقعات السوق بكثير؛ مما جعل تركيا لديها سابع أعلى معدل فائدة في العالم.

واعتبرت هذه الخطوة خطوة أخرى لاستعادة مصداقية البنك المركزي، إذ كان التضخم يرتفع مرة أخرى. قال تيم آش، مستثمر مقيم في لندن، في ذلك الوقت: «كانت الحجة الداعية إلى الزيادة مقنعة. ارتفع التضخم بمقدار 165 نقطة أساس منذ آخر رفع لسعر الفائدة في 24 ديسمبر».

وأضاف آش: «في هذه الأثناء، ترتفع التوقعات التضخمية مرة أخرى، ولا توجد مؤشرات كثيرة على انعكاس في الدولرة، وهو أمر أساسي لتجديد البنك المركزي احتياطيات النقد الأجنبي، التي هي عند مستويات منخفضة حرجة». تشير العديد من التقارير إلى أن تركيا لديها حوالي 190 مليار دولار في شكل قروض قصيرة الأجل، معظمها في القطاع الخاص، يجب سدادها في الأشهر الـ12 المقبلة، في حين أن صافي احتياطيات البنك المركزي يبلغ حوالي 47 مليار دولار.

ومع ذلك وفقًا لأشخاص مقربين منه اعتبر أردوغان أن أحدث زيادة في الأسعار تمثل تحديًا مباشرًا لسلطته. وقال المصدر المقرب من الرئاسة: «يمكنه تحمل ارتفاع بسيط. لكن هذا كان بمثابة تحد سافر».

الكأس المسموم

من الناحية الاقتصادية، كان لأردوغان أسبابه الخاصة. فمن شأن المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة أن يبطئ النمو الاقتصادي، ويرفع معدلات البطالة، السيئة بالفعل، ويخلق حالة من السخط بين مؤيديه.

قال ليفينت يلماز، الخبير الاقتصادي: إن جمعيات تجارية مهمة مثل MUSIAD وTESK قد انزعجت أيضًا من التشديد النقدي لأنه كان عبئًا متزايدًا عليهم. قال يلماز: «أصدرت المجموعات نفسها في البداية بيانات لدعم أي تحرك مالي من شأنه أن يوفر استقرار الأسعار. ومع ذلك فقد شعروا بالحاجة إلى الإشارة قبل الاجتماع الأخير للبنك المركزي إلى أنه لا يمكن الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة».

كما التقى قادة مجموعات الأعمال نفسها بأردوغان وعبروا له عن شكواهم من ارتفاع الأسعار، وفقًا لعدة مصادر في أنقرة.

Embed from Getty Images

بديل أردوغان لمنصب محافظ البنك المركزي هو صهاب كافجي أوغلو، وهو مصرفي وأكاديمي وكاتب عمود في صحيفة يني شفق الموالية للحكومة، التي نشرت صفحتين رئيستين الأسبوع الماضي تهاجم أغبال بسبب رفع أسعار الفائدة. منذ نوفمبر، كتب كافجي أوغلو سلسلة من المقالات تدافع عن أسعار الفائدة الحقيقية السلبية. وأيد أيضًا النظرية غير التقليدية القائلة بأن أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي بشكل غير مباشر إلى ارتفاع التضخم.

وقال المصدر المقرب من الرئاسة إن مقالات كافجي أوغلو عفا عليها الزمن: «على الجميع أن يرى أن المقالات كُتبت بواسطة مراقب خارجي، وأنها كلها تتعلق بظروف محددة. لا أتوقع طفرة ائتمانية متقلبة أيضًا. لكن البنوك يمكن أن تساعد أصحاب الأعمال الصغيرة والكبيرة، والمصدرين وغيرهم على المضي قدمًا».

يلماز، كاتب عمود أيضًا في صحيفة يني شفق، قال إن النموذج الاقتصادي الذي يعتمد على تدفقات الأموال الساخنة التي تبحث عن أسعار فائدة مرتفعة قصيرة الأجل يجب أن ينتهي؛ لأنها غير ذات جدوى. ومن المفارقات أن بعض الاقتصاديين الأتراك الجادين الذين ينتقدون أردوغان يتفقون على أن أسعار الفائدة المرتفعة قد تضع البلاد في حلقة مفرغة من الزيادات الإضافية.

قال الخبير الاقتصادي جيتين أونسالان، في مقال نُشر بعد رفع البنك المركزي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، إن إستراتيجية أسعار الفائدة المرتفعة لم تنجح في إقناع السكان المحليين ببيع أكثر من 200 مليار دولار موجودة في البنوك الخاصة. لم يكن هذا رأي أونسالان وحده؛ إذ قال كونيت أكمان، الخبير الاقتصادي المرموق، في نفس الأسبوع على موقع «تويتر»: إن تركيا كانت تضخ مواردها الخاصة في ما يسمى بالمستثمرين.

وكشف في سلسلة من التغريدات أنه: «إذا لم ترفع أسعار الفائدة، يرتفع سعر الصرف ثم يسحبون العملات الأجنبية من الدولة [على أساس الربح]. وإذا رفعتها، فإنهم يحصلون على دخل فائدة مرتفع للغاية. لذا فإن الأجانب يحققون ربحًا بنسبة 20-25% من أسعار الفائدة أو العملات الأجنبية على أي حال. رفع سعر الفائدة ليس حلًا».

أخبر أكمان ميدل إيست آي أنه على الرغم من أنه لا يعارض رفع أسعار الفائدة على المدى القصير والمؤقت، إلا أن هناك شيئين يجب معالجتهما: التضخم والاستقلال المالي. وقال: إن «الحكومة بحاجة إلى وقف زيادة عجز ميزانيتها من خلال تقديم عقود مربحة لمؤيديها. خفض عجز الميزانية وإنهاء تمويل المشاريع الضخمة التي تصل إلى 75 مليار دولار سيقلل تلقائيًا من التضخم ويلغي في النهاية الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة».

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
بنوك حكومية تبيع دولارات لدعم الليرة.. لماذا لا تنتهي أزمة العملة التركية؟

وقال أكمان إنه يمكن استخدام نفس الأموال للتنمية الاقتصادية بدلًا من ضخها مباشرة في البناء والاستهلاك المحلي، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وصدمات العملة.

وأضاف أن القطاع الخاص التركي تعاقد على دين خارجي ضخم بين عامي 2010-2017، مما وضع الشركات في دائرة لا تنتهي من محاولة إيجاد المزيد من القروض لتمويلها. وقال: «ينبغي أيضًا تنظيم تدفقات السيولة الأجنبية المفرطة إلى الداخل وتحييدها من قبل البنك المركزي. كما يؤدي المزيد من التدفقات المالية إلى مزيد من التضخم».

يتفق الجميع على أن قيادة الاقتصاد التركي مهمة صعبة. قالت إحدى وسائل الإعلام الإخبارية البريطانية مازحة هذا الأسبوع إن «المقعد الساخن للبنك المركزي أقل أمانًا حتى من منصب مدير فني لنادي تشيلسي لكرة القدم»، إذ إن تركيا لديها الآن محافظ البنك المركزي الرابع في أقل من عامين.

ربما لهذا السبب شكر أغبال أردوغان بعد إقالته؛ إذ كتب على تويتر «أقدم امتناني [للرئيس أردوغان] على إقالته اعتبارًا من اليوم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد