في ظل الحروب والثورات والانقلابات، تتغيّر الأوضاع داخل الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، في واحدة من أسخن نقاط الصراع في العالم. لكنّ الدكتور حسين إبيش، الباحث المقيم في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، يرى أنّ الولايات المتحدة لم تدرك حقيقة الوضع إلا متأخرًا.

ذكر إبيش في تقريره الذي نشرته وكالة «بلومبرج» الأمريكية أنّ خارطة المنطقة انقسمت إلى معسكرين على مدار السنوات العشر الأخيرة؛ تحالف مؤيّد لإيران، ومجموعة أكبر لكنها مفكّكة تناهض طموحات إيران. وباختصار، يصوّر البعض الأمر على أنّه انقسام طائفي سنّي شيعي، وفي ذلك شيء من الحماقة من وجهة نظر الكاتب.

علاقة أمريكا وتركيا.. رسم تفصيلي لمسارها الذي يتقلب دون هدوء

إذ يرى أنّ ذلك التقسيم يشوّه الحقيقة، واستدل على ذلك بظهور تكتّل ثالث مميّز، بخلاف معسكرات تأييد إيران ومناهضتها الموجودة بالفعل. وهذا التكتل ذو خلفية إسلامية سنّية تقوده تركيا؛ إذ تتحوّل أنقرة إلى طرف إقليمي قوي بأجندتها وحلفائها وطموحاتها الخاصة.

بحسب إبيش، تعدّ الدول العربية مثل السعودية والإمارات ومصر والأردن وإسرائيل أهم أطراف المجموعة المناهضة لإيران من حلفاء الولايات المتحدة. اتّحدت أطراف تلك المجموعة مع تركيا وحلفائها منذ عام 2011 بفضل الحرب في سوريا، نظرًا إلى معارضتهم المشتركة لبشار الأسد، الديكتاتور المدعوم من إيران.

لكن أفاد الباحث أنّ الاتحاد المناهض لإيران انتهى بنهاية الحرب السورية فعليًّا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016، وذلك حين سقطت أجزاء من حلب التي تسيطر عليها المعارضة في يد القوات التابعة للأسد. ووجّهت تركيا تركيزها عوضًا عن ذلك إلى احتواء الميليشيات الكردية في شمال سوريا، وإقامة شراكة مع روسيا وإيران والأسد. ولم تعد أنقرة تنظر إلى إيران نظرة العدو، بل تحوّلت إلى منافس وشريك في بعض الأحيان.

وتبلور دور تركيا في مركز تحالف الشرق الأوسط الجديد -بحسب الباحث- حين قاطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر دولة قطر عام 2017. إذ اعتمدت قطر على تركيا، التي تملك قاعدةً عسكرية داخل البلاد، لدعمها في مواجهة المقاطعة. وتعود حاجة قطر للحفاظ على علاقاتها الودية مع إيران إلى اشتراك الدولتين في حقل غاز طبيعي يزوّد قطر بناتج قومي ضخم للفرد.

وأورد إبيش في تقريره أنّ قطر وتركيا تدعمان حركة الإخوان المسلمين السنية الإقليمية، ويرى كذلك أن الدعم القطري لمنظمات مثل حماس أدّى بشكل كبير إلى تلك المقاطعة. واضطرت حركة حماس إلى الاختيار بين هويتها السنية الإسلاموية، وتحالفها مع الشيعة الإيرانيين والعلويين السوريين، حيث كان يقع المقر الرئيسي للحركة سابقًا، إبان الحرب السورية؛ مما أدى إلى مغادرة الحركة سوريا في نهاية المطاف، تاركةً أصولها وممتلكاتها هناك.

لكنّ الحركة تجدّد علاقاتها مع طهران اليوم، بحسب إبيش، في ظل تقارب تركيا وقطر المتزايد مع إيران.

قادة المقاومة الفلسطينية في اجتماع لهم في دمشق- 2008

وتنظر إسرائيل وغيرها من الدول العربية الموالية لأمريكا إلى اندماج التحالف الذي تقوده تركيا بعين الحذر، وأرجع إبيش ذلك جزئيًّا إلى حقيقة أنّ ذلك التحالف يضعف المعسكر المناهض لإيران.

فضلًا عن ذلك، يعتقد إبيش أنّ تركيا قادرة على التحوّل إلى قوة إقليمية مهيمنة وطموحة على غرار إيران، وربما تصبح أنقرة أكثر فاعليةً من طهران في حال حوّلت الأولى أنظارها صوب الشرق، وهجرت أوروبا بعد قرن من جهود الاندماج مع الغرب التي منيت بالفشل. إذ تتمتّع تركيا باقتصاد أكبر، وتقنيات أكثر تطوّرًا، وجيش أقوى. وما تزال كذلك عضوًا في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهي ليست دولةً تخريبيةً مثل إيران، لكنّها قادرة على التخريب، أو فرض هيمنتها مثلًا على المدى البعيد.

وأفاد إبيش في تقريره لوكالة «بلومبرج» بأنّ تركيا لا تخفي طموحاتها المتنامية لإعادة فرض الهيمنة التي تمتّعت بها الإمبراطورية العثمانية على كثير من أجزاء العالم الإسلامي. إذ أعلن سليمان صويلو، وزير الداخلية التركي، أمام حشد تجمّع مؤخرًا: «نحن لسنا تركيا فقط. نحن دمشق وحلب وكركوك والقدس وفلسطين ومكة والمدينة أيضًا».

وأورد التقرير تصريحات مسؤولين أمريكيين سابقين شاركوا في حملات مكافحة الإرهاب في المنطقة، إذ قالوا إنّهم اطلعوا على خرائط الحكومة التركية التي تظهر مجالات نفوذها، الذي يمتدّ إلى السعودية والبصرة العراقية.

وذكر إبيش أن المنافسة التركية طويلة الأمد مع السعودية، والتي يعود تاريخها إلى أوائل القرن التاسع عشر، اندلعت مرةً أخرى وظهرت تفاصيلها بوضوح خلال الأزمة الدبلوماسية التي سبّبها مقتل جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين داخل القنصلية السعودية في أسطنبول، في 2 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018.

حرصت تركيا على عدم قطع علاقاتها بالكامل مع الرياض إبان الضجة التي أعقبت جريمة القتل، بحسب التقرير، لكنّ الحكومة التركية بذلت قصارى جهدها لإحراج محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي وإضعاف موقفه.

واستغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المسألة لإعلان أنّ «تركيا هي الدولة الوحيدة المؤهلة لقيادة العالم الإسلامي». ويرى إبيش أنّ ذلك الإعلان يشكّل رفضًا مباشرًا لمزاعم السعودية الضمنية، ومطالبات إيران الصريحة بقيادة الإسلام عالميًّا. وجمعت المؤتمرات السنوية في تركيا حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان والإخوان المسلمين العرب من كافة أرجاء المنطقة، من أجل الترويج لأجندة سياسية إسلاموية سنية تحت قيادة تركيا.

أردوغان في زيارته إيران- 2015

وبحسب إبيش، تشعر إسرائيل ودول عربية مثل السعودية والإمارات ومصر بالقلق؛ لأنّها أصبحت مجبرةً على مواجهة تحالف إسلاموي سني تقوده تركيا وتموّله قطر، فضلًا عن حاجتها للتعامل مع النفوذ الإيراني المتوسّع في المنطقة. وتخشى تلك الدول أن يؤدي ازدهار ذلك التحالف إلى أن ينمو ويشمل دولًا مواليةً لأمريكا في الوقت الحالي مثل الأردن والكويت.

ويعتقد الباحث أنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تباطأت في ردة فعلها؛ إذ لا يوجد دليل على أنّ كبار قادة الولايات المتحدة، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، وجدوا طريقةً للاستجابة لذلك التهديد، رغم تحذيرات الخبراء الدبلوماسيين والأمنيين من العاملين سابقًا تحت إدارة ترامب.

ويرى إبيش كذلك ضرورة تعديل المواقف الأمريكية في ظل انتهاء شراكة تركيا مع الولايات المتحدة داخل الشرق الأوسط حاليًا، وامتلاكها أجندة تتعارض مع مصالح أمريكا وحلفائها في إسرائيل والدول العربية. ويجب أن يشمل ذلك التعديل توفير بديل لقاعدة إنجرليك الجوية جنوب تركيا، وتخفيض التعاون والدعم العسكري، وخاصةً في ظل إصرار تركيا على شراء منظومة صواريخ إس-400 الروسية المضادة للطائرات.

وفي ختام تقريره لـ«بلومبرج»، نصح إبيش الولايات المتحدة أن تكون واضحةً بشأن تطلّعاتها، وتستغل التعاون الذي ما تزال تركيا بحاجة إليه؛ لتضمن احترام أردوغان لمصالح شراكة الشرق الأوسط التي تقودها الولايات المتحدة.

مترجم: سوتشي Vs وارسو.. أي القمتين كانت أنجح وأقرب لتحقيق أهدافها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد