وصل القمع الذي يُعانيه الصحافيون الأتراك إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ في تاريخ البلاد. إذ قالت لجنة حماية الصحافيين الشهر الماضي إنَّ 68 من الصحافيين الأتراك يقبعون داخل السجون التركية، أي أكثر من ثُلث الصحافيين المعتقلين في جميع أرجاء العالم. وذكرت مجموعاتٌ أخرى أنَّ الرقم أعلى من ذلك بكثير، إذ تشير هيومن رايتس ووتش إلى اعتقال أكثر من 175 شخصًا من الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام.

الحكومة تسيطر على الإعلام

تقول الحكومة التركية بأنَّها تعتقل الصحافيين ذوي الميول الإرهابية أو الإجرامية، إذ صرَّح أردوغان الشهر الماضي: «لن نُميِّز أبدًا بناءً على المهنة في تلك القضايا». وللتأكيد على موقفه، اعتقل عشرات الآلاف من الأشخاص، ومن بينهم نشطاء حقوقيون وساسةٌ وموظفون مدنيون، خلال حملة القمع التي أعقبت محاولة الانقلاب ضده عام 2016.

لكن ترى مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية أنَّ مساعي أردوغان لترسيخ سلطته نجحت إلى حدٍ كبيرٍ بفضل وسائل الإعلام المُكمَّمة والمعارضة المنصاعة، وأنَّ الصحافيين في تركيا يعملون في مناخٍ يسيطر عليه الخوف.

«فورين أفيرز»: زعيمة الإسلام.. كيف تستغل تركيا هذه الصورة في السياسة الخارجية؟

تفيد منظمة مراسلون بلا حدود أنَّ قرابة 90% من القنوات والصحف الإخبارية التركية تُدار بواسطة الحكومة أو رجال الأعمال المُقرَّبين منها، واحتلت تركيا المركز 157 من أصل 180 دولةً في مؤشر حرية الصحافة الذي تُعدِّه المنظمة بحسب «ذي أتلانتك». وتراجعت أصوات المعارضة لتحتل الإنترنت، لكنَّ ذراع الدولة تمتد إلى الشبكة العنكبوتية أيضًا.

وبحسب مجلة «ذي أتلانتك»، أحد هؤلاء الصحافيين الذين يعانون القمع هي الصحافية بيلين أونكر، التي ظنَّت أنها حصلت على السبق الصحافي الذي سيُغيِّر حياتها المهنية حين نشرت صحيفة «جمهوريت» التركية العريقة تقريرها الصادم عن عائلة بن علي يلدرم، رئيس الوزراء حينها، ومزاعمها بأنَّها تستحوذ على ممتلكاتٍ ضخمةٍ خارج حدود البلاد. سرعان ما اعترف يلدرم بصحة تلك المزاعم، لكنَّه أنكر ارتكاب أي مخالفات، ورحَّب بفتح تحقيقٍ في أنشطة نجليه الذين ورد اسمهما في تقرير عام 2017.

لم يُجرَ ذلك التحقيق على أرض الواقع بحسب المجلة، لكنَّ السلطات طاردت بيلين عوضًا عن ذلك، مما جعلها أول صُحافيةٍ في العالم تُحاكم بتهمة تغطية قضية «أوراق الجنة» (وهي كنزٌ مُؤلَّف من قرابة 13 مليون وثيقةٍ مُسرَّبةٍ عام 2017، كشفت الثغرات الضريبية التي يستغلها الأغنياء والنافذون). وقبل أسبوعين، حُكِمَ عليها بالسجن 13 شهرًا وغرامةٍ قدرها 1600 دولار أمريكي بتهمة إهانة يلدرم والتشهير به.

بيلين في مواجهة يلدريم وأبنائه

ترى «ذي أتلانتك» أنَّ قضية بيلين كشفت النقاب عن مخاطر العمل الصحافي في تركيا، حيث ضربت حملة قمعٍ كاسحةٍ الحياة المدنية وأصابتها بالتبلُّد، لتتحول البلاد إلى أكبر سجَّانٍ للصُحافيين في العالم. وحُظِرَت عشرات الوسائل الإعلامية التي اصطدمت بحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، أو أُجبِرَت على إيجاد مالكين جُدُدٍ أكثر انصياعًا.

وفي الوقت الذي اجتاحت خلاله تصريحات أردوغان عناوين الأخبار العالمية وهو يُدين السعودية على مقتل جمال خاشقجي، يُعاني الصحافيون داخل بلاده من العمل تحت وطأة تهديدات الرقابة أو الإقالة أو الاعتقال.

وذكرت المجلة أنَّ بيلين عضوةٌ في الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين، وهي شبكةٌ عالميةٌ قضت أشهرَ طويلةً في التقصِّي عن المعلومات الواردة بالجملة في التسريبات التي خرجت من مكتب محاماةٍ في برمودا، من أجل التعرُّف على الأنشطة الغامضة للصناعة المالية خارج البلاد.

وكشفت بيلين في تقريرها أنَّ أبناء يلدرم أسَّسوا شركات شحنٍ في مالطا، التي تتميَّز بمعدلاتٍ ضريبيةٍ تقل كثيرًا عن مثيلاتها داخل تركيا، وفازت تلك الشركات بعقودٍ حكوميةٍ في أرض الوطن. وكشفت أيضًا أنَّ سرحات البيرق، الذي تزوَّج شقيقه بيرات نجلة أردوغان، أخفى علاقته بشركاتٍ خارجيةٍ مُرتبطةٍ بتكتُّل الشركات التركي الذي تُديره عائلة البيرق.

وقالت بيلين، التي تبلغ من العمر 34 عامًا، في لقاءٍ أُجري مع «ذي أتلانتك» عبر الهاتف في أعقاب صدور الحكم: «لم تحتوِ تقاريري على أي تشهير، لأنَّ المزاعم لا جدال عليها، ولم ترد فيها أي كلمة إهانة. وهذا الحُكم لم يصدر بحقي فقط، بل هو عقابٌ على العمل الصحافي في محاولةٍ لترهيب أي شخصٍ يُفكِّر في إعداد تقاريرَ إخباريةٍ من هذا النوع».

وقال مُحامي بيلين إنَّها لن تقضي أكثر من عدة أيامٍ داخل السجن، مُستفيدةً من الشهادة بحُسن سلوكها في حال أيَّدت محكمة الاستئناف طلبها. وقرَّر القاضي إعفاءها من عقوبةٍ كانت ستؤدي إلى شطب سجلها بنهاية المطاف، لكنَّه أشار إلى نزوعها لارتكاب نفس «الجريمة» مُجدَّدًا، بحسب ما قالته بيلين ومحاميها. وفي المرة المقبلة، سينتهي بها المطاف خلف القضبان.

المحرمات في الصحافة التركية

وتحدَّثت «ذي أتلانتك» عن نجلة ديمير، ناشرة صحيفة «جازيت كارنيكا» الإلكترونية التي تبلغ من العمر 29 عامًا، والتي تُواجه حُكمًا بالسجن 13 عامًا إثر إدانتها من قِبَل ممثلي الادعاء في إسطنبول هذا الشهر بتهمة إنشاء «دعايةٍ إرهابيةٍ» خلال تغطية موقعها الإلكتروني لهجوم الجيش التركي على «المتمردين» السوريين الأكراد عام 2018.

كاتب تركي: لهذا السبب اختار أردوغان هذا الرجل ليترشّح لرئاسة بلدية إسطنبول

وتأتي التهمة في وقتٍ يُهدِّد خلاله أردوغان بتدخُّلٍ عسكريٍ جديدٍ ضد الميليشيات الكردية، التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بجوار جنود الولايات المتحدة، في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنَّه سيسحب قواته من سوريا.

وذكرت المجلة أنَّ الصحافة التركية اعتادت العمل تحت وطأة القيود، لكنَّها تمتَّعت بحقبةٍ وجيزةٍ من الحرية قبل عقدٍ من الزمن، حين احتاج أردوغان لدعمها في مواجهة الحرس العلماني القديم داخل البلاد والمطالبة الوهمية بعضويةٍ في الاتحاد الأوروبي.

واليوم، ما تزال بعض الصحف واسعة الانتشار تُشكِّك في أسلوب حكمه الاستبدادي، لكنَّ غالبية تلك الصحف تشترك في تبنِّيها رؤيةً قوميةً مُتحمِّسةً لا تتطرق كثيرًا للموضوعات المحرمة مثل صراع تركيا مع الأكراد أو انتهاكات حقوق الإنسان بحسب المجلة.

وقال أحمد شيك، الذي قضى 15 شهرًا في الحبس الاحتياطي أثناء محاكمته بتهمة الإرهاب، هو وعشرات العاملين في صحيفة «جمهوريت»: «هناك مناخٌ خانقٌ من الخوف. إذ تُجهَّز القضايا لتكميم الصحُفِ القليلة التي تنتقد إدارة البلاد، وتعمل المحاكم بناءً على أوامر الحكومة».

أفادت «ذي أتلانتك» بأنَّ شيك حُكِمَ عليه بالسجن لسبعة أعوامٍ ونصف في أبريل (نيسان) بسبب تغطيته لمتآمري الانقلاب والجماعات المسلحة المزعومة، لكنَّه ما يزال حرًا في انتظار استئنافه.

وبعد أشهرٍ قليلةٍ من الإفراج عنه، استقال من الصحافة وترشَّح لمقعدٍ في البرلمان وفاز بالانتخابات ضمن صفوف حزبٍ يساريٍ معارض. في حين أُقيل أو استقال قرابة 30 من زملائه بصحيفة «جمهوريت» في سبتمبر (أيلول)، بعد أن انتهت المعركة القضائية حول إدارة الصحيفة بتعيين رئيسٍ جديدٍ شهد ضد شيك وزملائه أمام المحكمة.

هل تعطي الحكومة التركية اهتمامًا للتحقيقات الصحافية؟

وذكرت المجلة أنَّ صحيفة «جمهوريت» كانت المنفذ التركي الوحيد الذي تحدَّث عن أوراق الجنة في عهد مُحرِّريها السابقين. إذ اعتادت بيلين أن تهرع إلى مكتبها في منتصف الليل عند وصول دفعةٍ جديدةٍ من الوثائق أثناء عملها على المشروع، لدرجة أنَّها جلبت رضيعها إلى غرفة الأخبار بعد أسابيعَ من ولادته لتتمكَّن من إنهائه.

أدَّى الكشف عن كيفية استخدام النخبة العالمية للأصول الخارجية في تخفيض أعبائها الضريبية إلى عددٍ من الاستقالات والدعاوى المُطالِبة بالإصلاح، خارج تركيا على الأقل وفقًا للمجلة. أما داخل تركيا، فقد حُجِبَ الوصول إلى تقارير بيلين في أرشيف موقع «جمهوريت» على الإنترنت بناءً على قرارٍ من المحكمة.

وقالت بيلين: «يجب أن يعلم الرأي العام الحقيقة، في حال كان مسؤولو حكومتنا وأقاربهم يُخفون ثرواتهم. لم أتصوَّر مطلقًا أن يُضطر شخصٌ للاستقالة بسبب ذلك، لكنَّني اعتقدتُ أنَّ القانون، الذي يُلزِم بالإفصاح ودفع الضرائب عن الحسابات الخارجية، سيأخذ مجراه. إذ يجب أن يدفع الأثرياء ضرائبهم أُسوةً بالمواطنين العاديين».

لكنَّ تقاريرها أتت برد فعلٍ عكسي بحسب المجلة. إذ أصبحت تلك الممارسات مقبولةً، حين أقر يلدرم بوجود الشركات دون أن يُواجه أي عواقب. وأصبح يلدرم رئيسًا للبرلمان في أعقاب إلغاء منصب رئيس الوزراء الذي كان يشغله، وهو مرشَّحٌ الآن لمنصب عمدة إسطنبول، أكبر المدن التركية. وعيَّن أردوغان صهره بيرات البيرق وزيرًا للمالية والخزانة العام الماضي.

وذكرت «ذي أتلانتك» أنَّ بيلين استقالت من صحيفة «جمهوريت» بعد عملها هناك لعقدٍ كاملٍ احتجاجًا على إدارة الصحيفة الجديدة. وتعمل الآن مراسلةً حرةً لصالح منظمةٍ إخباريةٍ ألمانية، ومن المقرر عودتها إلى ساحات المحاكم مجدَّدًا الشهر المقبل للنظر في اتهامها بالتشهير ضمن القضية التي رفعتها عائلة البيرق، لتواجه احتمالية الحكم عليها بالسجن مجدَّدًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد