تهدف الزيارة الرسمية الأولى من مصر إلى حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليًّا، إلى منع أي هجوم عسكري محتمل ضد مدينة سرت الاستراتيجية الواقعة تحت سيطرة الجماعة المنافسة.

كتب محلل الشؤون الخارجية التركية، فهيم تستكين، تحليلًا نشره موقع «المونيتور» الإخباري الأمريكي حول التطورات التي تشهدها الساحة الليبية مؤخرًا من تدخل مصر دبلوماسيًّا في محاولة لوقف هجوم لقوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا على الهلال النفطي، ومساعيها لإصلاح علاقتها بحكومة طرابلس لتعزيز نفوذها في البلاد من خلال عملية التسوية السلمية.

ويستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى إصرار تركيا على استراتيجية محددة في ليبيا، والتي تدعو إلى إلحاق هزيمة كاملة بأحد الفصائل الليبية المتحاربة، لكن الجهود الدبلوماسية المصرية الأخيرة كشفت عن نقاطِ ضعفٍ في النهج الذي تتَّبِعه أنقرة.

وفي عملية تواصل مفاجئة، أرسلت مصر وفدًا رفيع المستوى إلى طرابلس في 28 ديسمبر (كانون الأول) إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية. وفي الوقت نفسه، تدعم القاهرة قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر. ومن المحتمل أن تؤدي المحادثات التي بدأت حديثًا بين الجانبين، والتي تتضمن خططًا لإعادة فتح البعثة الدبلوماسية المصرية في طرابلس واستئناف الرحلات الجوية المتبادلة، إلى تعكير صفو مكاسب أنقرة في الصراع الليبي، حيث قلب الدعم العسكري التركي الطاولة على رأس القوات التي يقودها حفتر، والتي تدعمها الإمارات العربية المتحدة أيضًا، لصالح حكومة الوفاق الوطني.

حفتر وتطهير البلاد

أشار الكاتب إلى أن هذه الزيارة تأتي وسط مواجهة بين أنقرة وحفتر في الآونة الأخيرة. وفي حديثه خلال احتفالات يوم الاستقلال في 24 ديسمبر، دعا حفتر قواته إلى «تطهير البلاد» من القوات التركية بعد موافقة البرلمان التركي على تمديد انتشار القوات التركية في ليبيا التي مزقتها الحرب. وقال حفتر: «لن يكون هناك أمن أو سلام ما دامت أحذية الجيش التركي تدنس أرضنا الطاهرة».

Embed from Getty Images

وجاء رد تركيا سريعًا؛ إذ في 27 ديسمبر، ذهب وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، يرافقه كبار الضباط العسكريين، في زيارة غير معلنة إلى ليبيا. وقال أكار ردًّا على تهديدات حفتر، بحسب التقرير: «حفتر يهذي عندما يتحدث عن استهداف جنودنا، وإذا فعلها هذه المرة، فلن يجد مكانًا يهرب إليه». ونقلت وكالة أنباء الأناضول التركية الحكومية عن أكار قوله: «ليعلم المجرم حفتر وداعموه أننا سنعدهم هدفًا مشروعًا في جميع الأماكن بعد كل محاولة اعتداءٍ على قواتنا».

حرب كلامية

وبينما أثارت هذه الحرب الكلامية المخاوف من اندلاع اشتباكات جديدة، أظهرت مصر، التي أعربت أيضًا عن تهديدات مماثلة ضد تركيا في مواجهة عملية عسكرية محتملة لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا قبل بضعة أشهر فقط، براعة غير متوقعة في المشهد الساخن من خلال سلسلة من المناورات الدبلوماسية.

وقد زار وفدٌ من وزارة الخارجية المصرية طرابلس يوم 28 ديسمبر، حيث عقد خمسة اجتماعات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في حكومة الوفاق الوطني، بمن فيهم وزير الخارجية محمد سيالة. وجاء هذا التواصل بعد أن زار رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، مدينة بنغازي في 19 ديسمبر، وأكد لحفتر خلالها استمرار الدعم العسكري والسياسي المصري لاستقرار ليبيا.

يضيف التقرير أن زيارة طرابلس تمثل صفحة جديدة في العلاقات بين القاهرة وحكومة الوفاق الوطني. وكان جدول أعمال الوفد لافتًا أيضًا؛ إذ تضمن لقاءً مع وزير الداخلية فتحي باشاغا، الذي يُعرَف بعلاقاته الوثيقة مع أنقرة رغم اجتماعه مع المسؤولين المصريين ذلك الأسبوع. وأهدى باشاغا للوفد المصري لوحةً لفنانٍ ليبي.

أول زيارة مصرية رسمية

ويشير الكاتب إلى أن هذه الزيارة الرسمية الأولى من القاهرة إلى طرابلس تبشر بحقبة جديدة في العلاقات بين القاهرة وحكومة الوفاق الوطني. وبحسب وزارة الخارجية في حكومة طرابلس، ناقش المسؤولون تنفيذ وقف إطلاق النار المبرم في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، ونتائج المحادثات العسكرية والأمنية التي توسَّطت فيها الأمم المتحدة بين الفصائل المتحاربة وإجراءات بناء الثقة. كما قرر الجانبان البدء فورًا في الاستعدادات لإعادة فتح البعثة المصرية في طرابلس واستئناف الرحلات الجوية.

Embed from Getty Images

وفي أعقاب هذه الزيارة، أجرى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، محادثة هاتفية مع سيالة، أكَّد فيها أن الزيارة كانت علامة فارقة مهمة لتعزيز التعاون بين الجانبين، معربًا عن امتنانه لحكومة الوفاق على الترحيب الحار. ورحَّب بالزيارة العدو اللدود لمصر في ليبيا، حزب العدالة والبناء، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين الليبية، بحسب التقرير. وقالت الجماعة في بيان إن على الجانبين العمل معًا من أجل استقرار ليبيا رغم خلافاتهما. وكانت الجماعة تعتمد في السابق على الدعم القطري والتركي فحسب.

وهنا، يبرز تساؤل مهم حول ما إذا كانت الاتصالات الأخيرة بين القاهرة وطرابلس ستقلل من تأثير تركيا في حكومة الوفاق الوطني، ويظل هذا التساؤل مفتوحًا يحتاج إلى إجابة. ومع ذلك، عززت مصر بوضوح دورها المحوري في عملية المصالحة. وتحاول القاهرة بناء الثقة في علاقاتها مع حكومة الوفاق الوطني مع الإبقاء على التهديد باستخدام القوة العسكرية.

الزيارة اعتراف رسمي بحكومة الوفاق الوطني

ولفت الكاتب إلى أن حكومة الوفاق الوطني بدورها ربما رأت أن هذه الزيارة تعد اعترافًا رسميًّا بها من جانب مصر التي لطالما دعمت خصم طرابلس في الصراع. وبالمثل، قد يفكر المسؤولون الأتراك في أن مصر تقترب من اتخاذ موقف مماثل لموقف أنقرة من خلال الاعتراف أخيرًا بالوضع المعترف به دوليًّا لحكومة طرابلس، والتي كانت تركيا تروج لها منذ مدة طويلة. غير أن مصر تفضل البقاء بعيدًا عن مناقشات الشرعية بين الفصائل الليبية المتناحرة. إلى جانب ذلك، يشير التواصل الدبلوماسي إلى أن مصر وسَّعت نفوذها ليشمل المناطق الغربية من البلاد التي كانت خاضعة لتركيا حتى الآن.

ويوضح الكاتب أنه من خلال المساعدة المحتملة في خلق توازن جديد للقوى على الأرض، تبرز هذه الخطوة بوصفها نجاحًا حقَّقه الجانب المصري. ومن خلال إقامة علاقات مع حكومة طرابلس دون قطع علاقاتها مع القوات في بنغازي وطبرق، فإن القاهرة تدخل من أوسع الأبواب إلى الساحة التي تحاول تركيا ترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والمالي فيها، وتُجبِر فصائل حكومة الوفاق الوطني على أن تأخذ القاهرة بعين الاعتبار عند اتخاذ قراراتٍ مستقبلية.

صراع مصر وتركيا على الساحة الليبية

في الواقع، هذه ليست المرة الأولى التي تتفوق فيها مصر على تركيا على الساحة الليبية، بحسب الكاتب. وجاءت الخطوة التي غيَّرت قواعد اللعبة في أغسطس (آب) عندما استضافت القاهرة محادثات وقف إطلاق النار التي توسَّطت فيها الأمم المتحدة بين الجماعات الليبية المتناحرة. وتشير الزيارة الأخيرة إلى مرحلة جديدة في هذه السياسة.

Embed from Getty Images

وبحسب وسائل الإعلام المصرية، فإن الزيارة رفيعة المستوى هدفت أيضًا إلى منع وقوع عملية عسكرية محتملة من جانب حكومة الوفاق الوطني ضد منطقتي سرت والجفرة ذواتي الأهمية الاستراتيجية التي تسيطر عليها قوات حفتر. وبحسب ما ورد، يعتقد المسؤولون المصريون أن تركيا وحكومة الوفاق الوطني كانتا تستعدان لشن هجوم عسكري مفاجئ في ليبيا.

ويعتقد جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي في معهد كلينجنديل في لاهاي، أن مصر تهدف إلى تطبيع العلاقات مع حكومة طرابلس ومحاولة تجنب هجوم عسكري محتمل على مدينة سرت ومنطقة الهلال النفطي في البلاد.

مصر تميل إلى واقعية موسكو وتبتعد عن تهور الإمارات

وقال حرشاوي إنه يعتقد أن الزيارة مؤشر آخر على أن مصر تنسق سياساتها في ليبيا مع روسيا، وتبتعد عن الإمارات منذ حصار طرابلس. وقال حرشاوي للـ«مونيتور»: «في الأشهر التي سبقت هجوم (حفتر) في أبريل (نيسان) 2019 على طرابلس، كان رأي القاهرة وموسكو أن هذه الخطوة ستؤدي إلى نتائج عكسية. لكن أبوظبي مضت قدمًا وشنَّت حملة جوية كبيرة لدعم هجوم (حفتر). ومنذ تلك اللحظة، شعرت القاهرة بارتياح لحِسْ موسكو الواقعي أكبر من ارتياحها للنزعة المطلقة العنيدة لدى أبوظبي».  

وتابع حرشاوي قائلًا إن موسكو تعمل بهدوء وعلى نحو تدريجي لتجعل «الاستغناء عن حفتر أمرًا ممكنًا شيئًا فشيئًا». وقال حرشاوي إنه على الرغم من أن القاهرة وموسكو لا تتفقان على كل التفاصيل، فإن «النهج الروسي أكثر عقلانية» لمصر، بدلًا من «الفلسفة الصارمة» التي تتبعها الإمارات.

Embed from Getty Images

وأضاف: «ترغب مصر في الوقت الحالي، وعلى نحو ملموس للغاية، في تجنب هجوم حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا على سرت والهلال النفطي». وقال حرشاوي أيضًا إن السياسة الإماراتية كان محكومًا عليها بالفشل منذ البداية؛ نظرًا للمشاركة العسكرية القوية لتركيا في شمال غرب البلاد. وقال: «المصريون يفضلون تأجيل الحرب، وبدلًا من ذلك إحياء العلاقات الاقتصادية مع طرابلس».

ومع ذلك، قال حرشاوي إنه يعتقد أنه لا ينبغي الاستهانة بقوة حفتر، معتبرًا أن ذلك الرجل القوي ما يزال يتلقى دعمًا عسكريًّا من عدَّة قواعد عسكرية في غرب مصر.

مصر تسعى إلى تعزيز نفوذها في عملية التسوية

باختصار، تحاول مصر تركيز جهودها على تعزيز نفوذها على عملية التسوية السياسية في ليبيا دون تغيير وجهة نظرها بالضرورة بشأن الأطراف الليبية. ومن الواضح أن مصر لا تريد أن ترى تركيا وجماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر يتحولان إلى قوة رئيسة على أرض جارتها الغربية. ويبدو أن مصر تدرك أن تركيا لها اليد العليا عندما يتعلق الأمر بساحة المعركة، ولذلك تحاول كبح النفوذ التركي من خلال الدبلوماسية دون الانخراط في صراع عسكري. وفي غضون ذلك، يبدو أن الفصائل الليبية المتنافسة تعترف بدور مصر الذي لا يمكن إنكاره في الصراع.

عربي

منذ 11 شهر
هل يتحد حفتر وعقيلة صالح من جديد لقلب المشهد في ليبيا؟

كما أن إصرار تركيا على نهج يعتمد على تحقيق نَصْر شامل لحكومة الوفاق الوطني والهزيمة الشاملة لحفتر، يُسهِّل هذه الاستراتيجية المصرية. وبهدف تعزيز مكانتها الدولية، تُلقِي جهود فصائل حكومة الوفاق الوطني لتنويع علاقاتها مع القوى الإقليمية والعالمية، بما في ذلك مصر، بظلالٍ من الشك على استراتيجية أنقرة، والتي تتمثل في تحويل وجودها العسكري المتزايد في غرب ليبيا إلى ورقة رابحة وبطاقة لتأمين دورها في مفاوضات ليبيا المستقبلية.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إن ازدهار العلاقات بين مصر وحكومة الوفاق الوطني أدَّى إلى تعقيد جهود تركيا لتأمين مكاسبها على الساحة الليبية، بما في ذلك اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. والاتفاق، الذي أصبح دعامة أساسية للمطالب التركية في شرق البحر المتوسط، ما يزال يحتاج إلى موافقة برلمانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد