مع فرز أكثر من 90% من الأصوات الليلة الماضية يمكن للمرء أن يتنبأ بشبه يقين أن رجب طيب أردوغان سيصبح رئيسًا لتركيا حتى عام 2022 (ورد هذا الرقم في المقال الأصلي، لكن بحسب التعديل الجديد للدستور التركي فإن فترة الرئاسة تنتهي بعد خمس سنوات، أي: 2023) بدون الحاجة إلى خوض جولة إعادة. وبالنظر إلى توزيع الأصوات يمكن القول إن أردوغان احتفظ بمصادر سلطته وإن ظلت تركيا منقسمة على نفسها بين مؤيديه ومعارضيه. بهذه المقدمة افتتح تسفي بارئيل مراسل صحيفة «هآرتس» مقاله، الذي تحدث فيه عن الانتخابات التركية الأخيرة وتبعاتها

أردوغان يفوز بالكعكة كاملة

طبقًا لبارئيل فطالما لم يطرأ على المشهد أي تطورات استثنائية، مثل عمليات تزوير بالجملة – مثلًا – تستدعي تدخل المحاكم أو تتطلب إعادة الانتخابات في بعض المناطق، فإن تركيا ستتحول إلى حكم الفرد تحت حكم الرئيس الذي لا يعترف بأي حدود لسلطته السياسية.

تعززت سلطة أردوغان بعد الموافقة الشعبية على التعديلات الدستورية في الاستفتاء الذي أجرى العام الماضي، ويفترض أن يشرع في ممارسة تلك السلطات بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، صار بإمكانه أن يعين الحكومة (أعلى منصب: رئيس الوزراء)، ويحل البرلمان بدون عراقيل، ويتدخل في سياسة البنك المركزي، ويختار مرشحي البرلمان من حزبه، حيث أتاح الدستور للرئيس أن يكون عضوًا في حزب، أو حتى رئيسًا له، وهو الدور الذي يتيح له سلطات غير محدودة على الكتلة البرلمانية، سيصير أردوغان تقريبًا محصنًا ضد المساءلة أو العزل، وسيصير من غير الممكن سحب الثقة منه تحت أي مبرر.

Embed from Getty Images
متظاهرون مؤيديون للرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وفي ضوء النتائج الأخرى يبدو أن أحلام المعارضة – على الأقل – في أن تكون قادرة على تحدي الحزب الحاكم في البرلمان قد تبددت. تراجعت نتائج «حزب العدالة والتنمية» عن انتخابات 2015 بنحو خمس نقاط (44% في مقابل 49.5%) لكن مازال من المبكر الحديث بدقة عن عدد المقاعد التي سيحصل عليها.

يضيف بارئيل أنه وفقًا للنظام المعقد للانتخابات في تركيا، فإن الفوائض المتراكمة من الأحزاب الصغيرة التي لم تتمكن من اجتياز العتبة الانتخابية للتمثيل في البرلمان (10%) سوف تحدد العدد النهائي للمقاعد التي سيحصل عليها الحزب الحاكم، نظريًا فإن الحزب يبدو قادرًا على الفوز بأغلبية المقاعد حتى لو لم يحصل على أكثر من نصف الأصوات (في انتخابات 2015 على سبيل المثال، كان الحزب ممثلًا بـ317 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا في البرلمان، بالرغم من حصوله على أقل من نصف الأصوات).

ومن شأن نتيجة كهذه أن تمكن أردوغان من تشكيل حكومة بدون الحاجة إلى الاعتماد على  أحزاب أخرى، ولكن حتى لو لم يفز بأغلبية البرلمان، فإن بإمكانه تحقيق رغباته عبر التحالف الذي دشنه قبل الانتخابات مع حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهجلي، حيث سيشكل الحزبان ما مجموعه 56% من مقاعد البرلمان.

أما حزب المعارضة الرئيس في البلاد «حزب الشعب الجمهوري»،  فقد خرج من الانتخابات أكثر ضعفًا من ذي قبل، حيث تظهر النتائج الأولية تراجعه بمقدار ثلاث نقاط عن انتخابات 2015، لكن إنجازه الرئيس تمثل في الدعم الذي حصل عليه مرشحه الرئاسي محرم إينجه، حيث حصد نحو 30% من الأصوات، وهي نسبة وإن لم تمكنه من الفوز أو خوض جولة الإعادة ضد أردوغان في الانتخابات الحالية، فإنها ستجعل منه مرشحًَا قويًا لانتخابات 2022 (ورد هذا الرقم في المقال الأصلي، لكن بحسب التعديلات الدستورية في تركيا فإن الانتخابات ستجرى في 2023)، وبالنظر إلى قصر فترة الدعاية تبدو تلك النسبة مؤشرًا على تزايد التذمر التركي من المشهد العام الذي يبدو فيه أردوغان بلا منافس.

ضوء في نهاية النفق

في رأي الكاتب أنه إذا تمكن إينجه من إعادة تأهيل حزبه، وتحسين صوته، وإقناع الرأي العام، وخاصة فئة الشباب، بأن حزبه ليس حكرًا على الشيوخ والعجائز والنخبة القديمة، إذا تمكن من ضخ دماء جديدة إلى الحزب، ودمج الأحزاب الصغيرة التي أدت إلى تآكل شعبية حزبه في الانتخابات الأخيرة، فسيكون حينها بإمكانه السيطرة على البرلمان في الدورة القادمة بعد أربع سنوات.

كان لأردوغان أسبابه المنطقية لتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؛ إذ كان يرغب في مفاجأة خصومه، وسحب البساط من تحت أقدامهم لكي لا يستعدوا، كما آمن بأن الأزمة الاقتصادية من شأنها أن تقوض سلطاته، وتضعف احتمالية فوزه مستقبلًا. أراد كذلك الاستفادة من الدعم الشعبي الذي حظي به التدخل التركي في سوريا (برغم بعض الانتقادات التي وجهت إلى التدخل التركي من قبل سياسيين أتراك)،  ويبدو أن افتراضات الرجل كانت في محلها.

Embed from Getty Images
محرم إينجه

في الوقت ذاته، مثلت تلك الانتخابات فرصة ببعض القوى السياسية الناشئة بالصعود إلى السطح، سيما «حزب الخير» الذي تقوده ميرال أكشينار، التي انشقت عن «حزب الحركة القومية» (حليف أردوغان). وأكشينار هي قيادية قومية تنادي بطرد 4 ملايين لاجئ سوري من تركيا، كما تعارض النظام الرئاسي السلطوي الذي يخطط أردوغان لفرضه.

حصلت أكشينار كمرشحة رئاسية على 7.5% فقط من أصوات الناخبين، لكنها كانت قد أكدت على دعمها لمحرم إينجه حال نجاحه في الوصول إلى جولة الإعادة مع أردوغان، ومن شأن التحالف بين الجانبين أن يغير التقليد التركي القديم بالتنافس العنيد بين الأحزاب، وهو السلوك الذي فتح الطريق لصعود العدالة والتنمية. من شأن تحالف إينجه – أكشينار أن يمكن المعارضة من النضال في وجه الاحتكار السياسي لحزب العدالة والتنمية، والذي حول تركيا إلى «دولة الحزب الواحد».

Embed from Getty Images
ميرال أكشينار

يرى بارئيل أن النتيجة التي حققها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي (الذي يقوده صلاح الدين دميرتاش من داخل سجنه) ليست  بأقل أهمية أو إثارة، حيث حصل دميرتاش على 7.7 % من الأصوات، وتمكن حزبه من تجاوز العتبة الانتخابية. وهو الأمر الذي أزعج أردوغان بالتأكيد، بعد أن حاول بكل ما استطاع من قوة أن يخرج الحزب من خارطة الحياة السياسية.

كان حزب الشعوب الديمقراطي هو الخيار المفضل، ليس فقط بين الأقلية الكردية في البلاد، بل كذلك بين الليبراليين والشباب والعلمانيين. وخلال حملته الانتخابية قام إينجه بزيارة ديمرتاش في سجنه في خطوة شجاعة للغاية بالنسبة لبلد يصنف رئيسها الأكراد كإرهابيين وينعت كل من يدعمهم بالخائن، تحدى إينجه أردوغان في قضية كان من شأنها أن تضره سياسيًا.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: إذا خرجت النتائج الرسمية مماثلة للنتائج التي خرجت من تركيا في الليلة الماضية، فإن بإمكان المرء أن يتوقع الاحتفالات التي ستعم الشوارع من جانب مؤيدي الرئيس والحزب الحاكم، الذين سيسعون للبرهنة على سلطتهم وعلى جودة الديمقراطية التركية، فضلًا عن جولة جديدة من قمع المعارضين، وسيبدأ أردوغان (الذي لم يتمتع أبدًا بالصبر أو التسامح) في إعادة بناء الجمهورية التركية على صورته

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد