بعد أشهر من التخمين والتوقع، بدأت تركيا تدخل -بمساعدة الثوار الذين تدعمهم- في شمال غرب سوريا. ولكن ما هو بالضبط ما تأمل تركيا فعله، وكيف ستكون استجابة الجهاديين الذين يسيطرون على المحافظة، ناهيك عن المدنيين هناك؟

جاء ذلك مقدمة لتقرير نشر عبر «شبكة الأنباء الإنسانية» (إيرين)، ويدور التقرير حول هذا التدخل العسكري التركي في الأزمة السورية، وأعد التقرير آرون لوند، وهو صحافي مستقل ومحلل متخصص في الشأن السوري.

يشير التقرير إلى ما أعقب قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدخول إدلب اتفاقًا في منتصف سبتمبر (أيلول) مع روسيا وإيران، وذلك كجزء من عملية السلام في أستانا، لتحويل إدلب إلى «منطقة خفض التصعيد»، لتثبيت وقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بإشراف مراقبين عسكريين من الأتراك والروس والإيرانيين.

وفقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه في اجتماع أستانا الأخير، تنتشر القوات الروسية والإيرانية في المناطق التي يسيطر عليها الرئيس السوري بشار الأسد، في حين تكون تركيا مسؤولة عن المقاطعات الداخلية، يقال عن طريق نشر نحو 500 نقطة مراقبة في جميع أنحاء المنطقة.

وقد بدأت تركيا بتدخلها البري في محاولة لإنفاذ الاتفاق في إدلب، الذي لم يشمل على وجه الخصوص «هيئة تحرير الشام» التي كانت تعرف سابقًا باسم جبهة النصرة. وبدلًا من ذلك، تحشد تركيا الدبابات على الحدود مع سوريا وتلقي ثقلها على الفصائل غير الجهادية، المعروفة باسم «الجيش السوري الحر».

وحتى مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، تنظر «دول أستانا» إلى سوريا بشكل مختلف تمامًا، إذ تدعم روسيا وإيران الأسد، بينما تدعم تركيا الثوار الذين يقاتلون نظامه. لكن لدى كل واحد منهم ما يكسبه من وقف إطلاق النار طويل الأمد في إدلب، حتى لو كان هذا الهدوء ناتجًا عن العنف.

اقرأ أيضًا: «فورين آفيرز»: بعد صراع بين الجهاديين والسلفيين.. كيف سيطر الجهاديون على إدلب؟

ماذا تريد دول أستانا؟

وبالنسبة لتركيا، تمثل «عملية أستانا» خيارًا سيئًا. بدّل تدخل روسيا في سبتمبر (أيلول) 2015 في الحرب السورية الطويلة إلى جانب الأسد، قواعد اللعبة. لقد أصبح واضحًا لأردوغان أن الرئيس السوري سيبقى في السلطة، على الأقل بطريقة ما، وأن تركيا مضطرة الآن إلى إبرام اتفاقات مع روسيا لحماية مصالحها.

ستبدو هذه المصالح مألوفةً لمن كان يتابع الأحداث في شمال العراق. حيث قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط والصحافي التركي جنكيز كاندار لموقع «إيرين» الشهر الماضي: «أولويات تركيا في سوريا – كما كانت دائمًا- منع قيام ممر كردي ذو حكم ذاتي بجوار حدودها».

وأوضح كاندار سبب التقارب التركي من كل من روسيا وإيران، وهو الرغبة في إبعاد المقاتلين الأكراد عن حدودها، بالإضافة إلى الدعم العسكري الأمريكي لنفس الجماعات الكردية؛ بحجة محاربة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. شكلت أستانا وما نتج عنها من منطقة خفض التصعيد في إدلب تحولًا كبيرًا في سياسة تركيا في سوريا. حيث وصفها كاندار كما يلي: «آخر حلقة في السلسلة التي وضعت تركيا نفسها، من خلالها، تحت المظلة الروسية».

تربط وسائل الإعلام التركية الصديقة لأردوغان بين التدخل المتوقع في كل من إدلب ومنطقة عفرين الخاضعة لسيطرة الأكراد شمال إدلب، مما يشير إلى أن خطة أنقرة طويلة الأجل هي مقايضة موسكو ودمشق «نهدئ إدلب، وأنتم تتركونا نتعامل مع الأكراد».

ما تأمل روسيا وإيران في تحقيقه أقل وضوحًا، ولكن من خلال توجيه تركيا إلى محادثات في أستانا نحو قضايا أخرى غير تغيير النظام، فقد خففتا الضغط على النظام وسمحتا لبشار الأسد بإعادة تركيز اهتمامه العسكري على شرق سوريا، حيث كسرت قواته مؤخرًا حصارًا طويل الأجل على دير الزور من قبل داعش. كما يمكن للتدخل التركي أن يضع إسفينًا بين الثوار السوريين؛ فبعضهم في معسكر أردوغان، بينما يرى آخرون أن الاتفاق التركي الجديد مع روسيا يثير شكوكًا كبيرةً.

من جانبه، يبدو نظام بشار الأسد غير مرتاحًا لمناطق خفض التصعيد التي وُضِعَتْ في مفاوضات أستانا؛ إذ أنه قلقًا من أن المناطق التي يحكمها الثوار قد تكتسب في نهاية المطاف ديمومة وشرعية دولية. لكن ليس لدى النظام في دمشق الكثير من الخيارات، كما تجد وزارة خارجية النظام الكثير مما ترغبه في الاتفاق الأخير: «إعادة الحياة لطريق دمشق- حماة- حلب القديم».

ومن شأن إعادة فتح هذا الطريق أن يساعد كثيرًا في عودة الحياة الطبيعية والاستقرار في غرب سوريا التي يسيطر عليها النظام، بينما يحاول بشار الأسد تحويل التركيز إلى إعادة الإعمار. كما أن زيادة تدفق البضائع على طول الطريق قد يساعده أيضًا على «مغازلة» الأردن لإعادة فتح حدودها مع سوريا.

مشكلة هيئة تحرير الشام

في كل الأحوال، لا تزال هناك مشكلة طفيفة: إدلب مليئة بالثوار، ناهيك عن المدنيين الذين نزحوا في كثير من الأحيان قسرًا من أماكن أخرى في البلاد. ومن أجل انتشارها هناك، يجب على تركيا إما أن تتفاوض مع القوة المحلية المهيمنة -أي هيئة تحرير الشام- أو أن تتقاتل معها.

لدى تركيا منذ فترة طويلة نفوذًا على إدلب من خلال تنظيم حركة المرور على الحدود ودعم مجموعة متنوعة من الجماعات الثائرة. ولكن في الأشهر السابقة لاتفاق أستانا، هزمت هيئة تحرير الشام الفصائل الموالية لتركيا في إدلب؛ حيث تعارض الهيئة عملية أستانا وتتهم الثوار الذين يدعمونها بالرضوخ لأوامر روسيا.

وأدى إحكام القبضة الجهادية إلى تدمير أية آمال في التوصل إلى حل تفاوضي للحرب في شمال سوريا، ووضع إدلب على طريق النبذ ​​الدولي وعودة الخيار العسكري. حيث تشعر تركيا بالقلق من أنه إذا حاول بشار الأسد يومًا ما استعادة المنطقة عسكريًا، سيؤدي ذلك إلى هروب مئات الآلاف من المدنيين من إدلب.

تثير أيضًا الهيمنة المتزايدة لـ«تحرير الشام» مخاوفًا بين منظمات الإغاثة والدول المانحة الغربية التي تخشى إمكانية تمكين المتطرفين المناهضين للغرب. ولكن سيؤدي وقف عمليات إيصال المساعدات إلى إدلب إلى كارثة إنسانية فورية.

وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة، قد استقبلت إدلب أكثر من نصف مليون نازح داخليًا من خارج المحافظة في العامين الأخيرين فقط، باعتبارها واحدة من آخر الملاجئ المتاحة للسوريين الذين يريدهم نظام بشار الأسد.

وينقل التقرير ما قالته ليندا توم، المتحدثة باسم هيئة تنسيق المساعدات الطارئة التابعة للأمم المتحدة في دمشق لموقع «إيرين»: من المرجح أن إدلب تستقبل نحو مليوني مدني، منهم «جزء كبير من المهجرين داخليًا». الحالة الإنسانية كارثية؛ حيث يعتمد ثلاثة من كل أربعة على المساعدات الممولة من الخارج.

كما ينقل التقرير عن قال رجائي برهان- صحافي وناشط اضطر إلى ترك مسقط رأسه في مضايا في أبريل (نيسان)، وقضى الآن نصف عام في إدلب، حيث يشاهد الوضع يزداد توترًا- لموقع «إيرين» في أغسطس (آب): «لا يستطيع العديد من الأسر تحمل دفع ثمن الغذاء في إدلب، وتشكل المساعدات جزءًا كبيرًا من دخل تلك الأسر».

وأضاف برهان: «لقد سمعت الناس يتحدثون عن أوروبا التي تقطع المساعدات وتتحدث عن حالة أخرى في قطاع غزة. الناس قلقين».

اقرأ أيضًا: مترجم: تركيا تعتزم غزو سوريا.. لردع الأكراد وليس داعش

حلفاء تركيا غير الثابتين

يقول معد التقرير أنه منذ سيطرة تحرير الشام على إدلب، أيدت تركيا خططًا لتشكيل قيادة جديدة، أملًا منها في إعادة التوازن لصالح فصائل الجيش السوري الحر غير الجهادية الصديقة لتركيا. وبما أن هذه المجموعات لم تعد قادرة على العمل بحرية في الكثير من مناطق محافظة إدلب، ستستفيد تركيا من حلفائها من منطقة حلب لهذه الخطوة الأخيرة.

كانت حلب موقع التدخل السابق بقيادة تركيا في صيف 2016 المعروف باسم «درع الفرات» -يشير التقرير- حاولت أنقرة لشهور حث مقاتلي درع الفرات على التوحد، وبلغ ذلك ذروته في إعلانها في 25 سبتمبر (أيلول ) الماضي، عن قيادة محلية جديدة بقيادة أتراك. حيث ستشكل هذه القوة الآن أساس التدخل التركي في إدلب، مع بعض الفصائل التي في طريقها من حلب إلى المحافظة، عبر الأراضي التركية.

قال أردوغان مؤخرًا أن «الجيش السوري الحر ينفذ حاليًا العملية وجنودنا غير موجودين»، مضيفًا: «سيرافق هذه العملية الدعم الجوي الروسي».

بالتأكيد القوات الجوية الروسية حليف قادر للغاية –يؤكد التقرير- لكنها أمضت العامين الماضيين في قصف إدلب لصالح بشار الأسد، غير مكترثةً لحياة المدنية. وبحسب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية، بانوس مومتزيس، قتل القصف الروسي والسوري 149 مدنيًا في إدلب بين 19 و 30 سبتمبر (أيلول)، معظمهم من النساء والأطفال.

ويرى الثوار السوريون أن الطيور على أشكالها تقع –في إشارة إلى تشابه موسكو ودمشق– إذ يشعر معظمهم بالصدمة إزاء فكرة طلب الدعم من روسيا. وقد حذرت هيئة تحرير الشام في الآونة الأخيرة في الشهر الماضي من أن الثوار المتورطين في «عملية أستانا» سينتهي بهم المطاف إلى القتال تحت غطاء جوي روسي، وهو ما يبدو فيما بعد أن الغضب الجهادي أصبح الآن سياسة رسمية. ويلفت التقرير إلى ما قد يعتقده أردوغان من أنه قد أبرم اتفاقًا ذكيًا، لكن حلفائه السوريون هم الذين يعانون ويموتون.

التحضير للنزوح الجماعي

وإذا ما تسبب التدخل التركي في اقتتال واسع النطاق مع تحرير الشام أو بعض فصائل المجموعة –يشير التقرير- فقد يكون له عواقبًا وخيمةً على المدنيين وعلى إيصال المساعدات الإنسانية إلى إدلب، وفقًا لما ذكرته ليندا توم من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، مشيرةً إلى أن المنطقة الحدودية تستضيف عددًا كبيرًا من مخيمات النازحين الضعفاء. وأضافت أن «الأمم المتحدة تدعو جميع أطراف النزاع إلى ضمان وصول جميع الفاعلين في المنظمات الإنسانية بشكل دائم ودون معوقات».

بالتحضير للأسوأ، أفيد أن رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ في تركيا والهلال الأحمر التركي يخططان لإقامة مخيمات جديدة على طول الحدود داخل الأراضي السورية، والاستعداد لنقل المدنيين إلى منطقة حلب إذا زاد عدد النازحين داخليًا إلى حد كبير. ومع ذلك –يضيف التقرير- لا تزال هناك فرصة أن التدخل التركي سيكون هادئًا نسبيًا.

كيف ستستجيب تحرير الشام؟

ولم تخفِ الحكومة التركية أملها في تجنب القتال في هذا التدخل كليًا، مقدمةً دخولها كوسيلة لدعم وقف إطلاق النار في أستانا وليس هجومًا على الجهاديين. ولتحقيق هذه الغاية، وعلى الرغم من قصف المدفعية التركية على إدلب يوم الأحد، شُوهدت مركبات عسكرية تركية تسير تحت حراسة تحرير الشام للتفاوض معها.

في محاولة لإقناع تحرير الشام بالسماح للمراقبين العسكريين بالدخول، من المرجح أن تقلل تركيا من تداعيات انتشارها والسعي للحصول على موافقة ضمنية لعملية محدودة للغاية –بحسب التقرير- ولكن على تحرير الشام النظر في التهديد طويل الأمد الذي يشكله الوجود التركي الذي من شأنه أن ينفس حياة جديدة في الجماعات المتناحرة التي سحقتهم هيئة تحرير الشام هذا الصيف.

العديد من المتشددين الجهاديين يعارضون التعاون مع تركيا على أسس دينية متهمين حكومة أردوغان بأنها علمانية وصديقة للولايات المتحدة وروسيا.

ومن الجدير بالذكر أن تحرير الشام قد رد على أردوغان حصريًا من حيث مقاومة روسيا وبشار الأسد –يلفت التقرير- وتجنب بيان صدر في نهاية الأسبوع الماضي، أي ذكر لتركيا، على الرغم من أن التدخل سيجري عبر الجيش التركي، وبدلًا من ذلك شنت هجومًا غاضبًا على مجموعات درع الفرات والثوار الراغبين في العمل تحت غطاء جوي روسي.

وقالت تحرير الشام في بيانها: «إن فصائل الغدر التي اتخذت موقفًا مع المحتل الروسي يجب أن تعرف أن إدلب لن تكون نزهة لهم وأن أسود الجهاد والاستشهاد تنتظرهم. الذي يرغب في حرمان والدته من ابنها، وأبنائه من أبيهم، وزوجته من زوجها؛ يضع قدمه هنا».

ويختتم التقرير بأنه على الرغم أن المفاوضات ما زالت جارية، لكن من الصعب قراءة المشهد بالكامل. إذ يمكن لتحرير الشام حمل السلاح ضد تركيا وحلفائها الثوار، أو يمكن أن يكون ذلك مجرد صراخ من أجل إبقاء الجماعة متحدةً وانتزاع تنازلات إضافية من أردوغان.

«الإجابة مهمة كثيرًا للمقاتلين السوريين والجهاديين وأنقرة وموسكو وطهران والنظام في دمشق، ولكنها مهمة أكثر لمليوني مدني لا يزالوا محاصرين في شمال غرب سوريا. فبالنسبة لكثير منهم، هي مسألة حياة وموت».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد