كتب الصحفي كريم شاهين، المقيم في مدينة مونتريال الكندية، تقريرًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية قال فيه: «إن الخطوة التي اتخذتها تركيا مؤخرًا في مدينة إدلب السورية قد تؤخر هجوم النظام السوري المدعوم من روسيا على المدينة، غير أن الطاغية سيظل في السلطة طالما أن العالم يغض طرفه عما يحدث».

ويضيف الكاتب أن المجتمع الدولي يشعر بالقلق مجددًا بينما يشاهد تصاعد الصراع في سوريا. ومع فرار مئات الآلاف من اللاجئين تجاه الحدود التركية، تاركين وراءهم بلدات بأكملها خاوية على عروشها، في حين تضرب مئات الغارات الجوية البيوت في إدلب لعدة أيام متتالية، فإن الاشتباكات المباشرة بين تركيا العضو في الناتو ونظام بشار الأسد قد تستقطب روسيا، أكبر مؤيد للرئيس السوري.

دولي

منذ 7 شهور
تركيا تفتح النار في إدلب.. هل يرضخ الأسد لأردوغان؟

ويوم الاثنين الماضي، قصفت قوات موالية للأسد نقطة مراقبة تديرها القوات التركية، وهي نقطة مراقبة أقيمت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ومفوضة بمراقبة أي تقدم من جانب الحكومة ومقاتلي المعارضة، وهو الوضع الذي يشهد توترًا منذ قرابة عام حتى الآن.

وردَّت أنقرة بقوة، بضربات ضد أهداف للنظام، قالت تركيا إنها قتلت العشرات من الجنود السوريين، على الرغم من أن الأرقام قد تكون أقل، حسبما يشير الكاتب.

النيران التركية فشلت في منع سيطرة النظام على سراقب

ومنعت نيران المدفعية التركية، التي تدعم المواقع الدفاعية للمتمردين في بلدة سراقب، السيطرة على المدينة لفترة وجيزة، لكن تقدم النظام (السوري) نحو الأراضي الاستراتيجية عند تقاطع الطرق الرئيسية التي تربط غرب سوريا ببقية أنحاء البلاد، استطاع تحقيق اختراق في نهاية المطاف ونجح في السيطرة على المدينة.

نبع السلام

ويتابع الكاتب: «سيكون من الخداع اعتبار اشتعال الموقف الأخير تصعيدًا لأن نصف مليون شخص قد فروا بالفعل من منازلهم باتجاه الحدود التركية في الشهرين الأخيرين نتيجة القصف الذي يشنه النظام والروس». منذ أبريل( نيسان) الماضي، كان هناك أكثر من 70 هجومًا منفصلًا على منشآت طبية، وجرى تجاهل مدن بأكملها وقُتِل مئات الأشخاص.

يرى الكاتب أن التدخل التركي يضيف مزيدًا من انعدام الاستقرار للمزيج القاتل للأزمة في إدلب. مرجحًا ألا تصطدم أنقرة مباشرة بموسكو؛ لأن هناك الكثير من المصالح المشتركة التي تجمع البلدين، بما في ذلك خطوط أنابيب الطاقة والمفاعل النووي الذي تقوم روسيا ببنائه، وغياب الحلفاء الغربيين بعد أشهر من التوترات مع الناتو، والتي بلغت ذروتها بنشر نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 في تركيا.

التدخل التركي «استراحة مؤقتة» من الكارثة الإنسانية في إدلب

يكمل الكاتب تحليله للمشهد قائلًا: قد يؤدي التدخل التركي على المدى القصير إلى تعليق مؤقت لهجوم النظام السوري الحالي على إدلب، وهو التوقف الذي سيمنح استراحة مؤقتة من الكارثة الإنسانية التي تعاني منها المدينة التي نزح منها حوالي 800 ألف شخص منذ الربيع الماضي.

يوضح الكاتب أن تركيا تستضيف ما يقرب من 4 ملايين لاجئ سوري، وهي حقيقة ثبت أنها مكلفة سياسيًّا للرئيس رجب طيب أردوغان خلال الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها تركيا، لذا فإنه لن يتم السماح باستقبال المزيد من السوريين.

يصف كريم شاهين الوضع بأنه رهيب وينذر بكارثة؛ بسبب أجواء الشتاء واصطفاف النازحين بممتلكاتهم على الحدود وفرارهم من الموت المحقق فيما يضربهم الفقر المدقع؛ ذلك أن غالبيتهم نزحوا من مناطق أخرى من سوريا بموجب اتفاقات تسليم أجبرتهم على إما التخلي عن منازلهم وإما مواجهة انتقام النظام، سواء في حلب أو الغوطة الشرقية أو درعا أو أماكن أخرى.

وينوه الكاتب عن أن نصف سكان إدلب، البالغ عددهم 3 ملايين مدني، من الأطفال. وتُعد إدلب إحدى المناطق المتبقية خارج سيطرة الحكومة، إلى جانب أجزاء من غرب حلب، وهي قطاع كبير من الأراضي المتاخمة للحدود الشمالية، التي تخضع لسيطرة القوات السورية المدعومة من تركيا، إضافةً إلى المناطق الكردية التي يكون وجود الحكومة داخلها رمزيًّا.

اتفاق سلام في إدلب «بعيد المنال»

تخضع إدلب لسيطرة هيئة تحرير الشام، الجماعة التي كانت فرعًا سابقًا لتنظيم القاعدة. ويشير المقال إلى أن احتمالية التوصل لاتفاق سلام شامل في إدلب كانت بعيدة المنال دائمًا مثلها، مثل سيطرة القوات السورية المدعومة من تركيا على المدينة، الذين انشغلوا في السعي وراء مصالحهم الاستراتيجية لا مصالح الثورة، سواء بخوضهم قتالًا ضد الميليشيات الكردية، أو إرسالهم للقتال في ليبيا.

Embed from Getty Images

يرى المقال أن تدخل تركيا في إدلب سيعزز من نفوذها الجيوسياسي، وسيعمل على إبطاء تقدم الأسد، لكن هذا التدخل التركي نفسه يكذِّب واقعًا آخر أعمق أثرًا، ويوضح  أن الأزمة في سوريا لم تنتهِ، وأن الحرب لم تُحسَم بعد.

ويضيف الكاتب أن المأساة والمعاناة في إدلب حوّلت الانتباه عن الانهيار الاقتصادي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، والتي خلفت فقرًا كبيرًا، إذ انهارت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار، الذي كان يساوي 47 ليرة مع بداية الانتفاضة في العام 2011، ليصل الآن إلى 1200 ليرة.

كما تفاقمت الأزمة بسبب الاحتجاجات والانهيار الاقتصادي ونقص الدولار في لبنان المجاورة، حيث كان العديد من الأثرياء السوريين يحتفظون بمدخراتهم هناك، وأصبحت العائلات العادية غير قادرة على شراء الوقود لتدفئة منازلها في فصل الشتاء القارس.

انتصارات الأسد لم تخفف وطأة الوضع الاقتصادي الكارثي

يقول الكاتب: إن الأسد استعاد العديد من الأراضي السورية بدعم روسي من خلال حملات عسكرية اتصفت بالقسوة الشديدة، وشهدت حصارًا وتجويعًا وقصفًا مدفعيًّا وجويًّا بلا هوادة، وحتى شن هجمات كيميائية، وهي الحملات التي كانت متبوعةً باتفاقيات تسليم للمناطق. لكن هذه الانتصارات العسكرية لم تتمخض عن تخفيف الصعوبات الاقتصادية أو تؤدي إلى تعافي النظام من وضعه كدولة منبوذة دوليًّا.

كما أن العقوبات المفروضة من جانب الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ما تزال سارية، إضافة إلى تمرير الكونجرس الأمريكي مؤخرًا مجموعة أخرى من العقوبات المشددة بموجب قانون قيصر لحماية المدنيين، ردًّا على جرائم الحرب التي يرتكبها النظام، وذلك في إطار قانون الموازنة الدفاعية الأمريكية 2020.  وهو القانون الذي سُمِي على اسم مصور عسكري سرَّب صورًا لمواطنين سوريين قُتِلوا تحت التعذيب.

لا يرجح الكاتب تدفق مئات مليارات الدولارات الخاصة بإعادة الإعمار إلى سوريا دون وجود تقدم في قضايا الإصلاح السياسي. منوهًا عن أن اللجنة الدستورية، التي استغرق تشكيلها سنوات، لم يتمخض عنها نتائج مثمرة، بينما كان للتطورات على الأرض اليد العليا في المشهد.

ورغم أن اللجنة الدستورية هي الخيار الوحيد المتاح حاليًا وسيلةً للتغيير الهادف، فإن التقدم بطيء للغاية لأن يصبح ذا مغزى على المدى القصير، بحسب التحليل.

النظام يعاني

يكمل الكاتب: إن عدم وجود أموال لإعادة الإعمار، وفرض عقوبات مشددة، وعدم الاستقرار الاقتصادي العام، جميعها عوامل تضرب بشكل أساسي في صميم قدرة نظام الأسد على العمل كدولة، وتُعد بمثابة خيانة للجمهور الذي وقف ضد أعداء النظام.

Embed from Getty Images

في غضون ذلك، عانى المتمردون فشلًا ذريعًا في تحقيق أي من النتائج المرجوة من الانتفاضة، فما يزال عشرات الآلاف من الأشخاص في عداد المفقودين، مختفين في زنازين الأسد، كما أن دولته الأمنية ما تزال بكامل قوتها، وما يزال الفساد والتربح من الحرب متفشيين.

وما يزال الأمن ضعيفًا؛ إذ تسود الاغتيالات محافظة درعا الجنوبية إضافةً إلى احتجاجات صغيرة للغالبية الدرزية في مدينة السويداء، وتفجيرات إسرائيلية قرب العاصمة دمشق، وغارات يشنها المتمردون قرب حلب.

يقول الكاتب إن كل ما تغير هو أن السوريين العاديين أصبحوا أكثر فقرًا وإصابةً بالصدمات، يرتجفون في منازلهم دون وسائل تدفئة، بينما تحّلِق الصواريخ الإسرائيلية فوق رؤوسهم، ويشعر الكثيرون بخيبة أمل متزايدة بشأن مستقبلهم ومستقبل بلادهم.

الحرب السورية دليل على خرافات الخير ودعم حقوق الإنسان

يضيف التحليل أن الحرب في سوريا كانت وما زالت تتعلق بفقدان الأمل، كما أنها كشفت عن عفن أخلاقي في صميم النظام الدولي. إذ تعرضت المستشفيات للقصف، والمخابز والمدارس للدمار، وسُلِب ما يكفي من الأرواح، وارتكِب ما يكفي من الشرور، مع الإفلات من العقاب، وهو ما أظهر أن المبادئ لم تعد ذات أهمية.

لقد أظهر الدمار البطيء الذي لحق بسوريا للعالم أن الأساطير حول الخير الإنساني المتأصل، والمجتمع الدولي المعني الذي يدعم حقوق الإنسان هي مجرد خرافات. فالضعفاء يعانون ما هو محتوم عليهم، ولن يحدث شيء حيال ذلك الأمر.

ويختم الكاتب مقاله قائلًا: إن الجولة الأخيرة من العنف، والاقتصاد المنهار، والعوز الذي سلب الكثير من السوريين الأمل في غد أفضل، تظهر تكلفة هذا التآكل الأخلاقي. ودون وجود أي قدر من العدالة، وبقاء الطاغية على العرش، لن يكون هناك سلام طويل الأجل، بغض النظر عن عدد الصواريخ الروسية أو البراميل المتفجرة التي تسقط من السماء.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: هل انتهى شهر العسل بين أردوغان وبوتين في سوريا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد