923

مع بدء عملية التصويت في الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان عن العراق، تلوح في الأفق نذر أزمة شديدة بين حكومة إقليم كردستان – الذي تحكم الإقليم منذ عام 1992 – وبين الحكومة المركزية في بغداد، وتركيا، وإيران. وقد نشرت مجلة ذي أتلانتك مقالاً مطولًا تحدثت فيه عن أبعاد الأزمة ومآلاتها.
يستهل المقال بالقول إن «الدبابات التركية احتشدت عند المعبر الرئيسي للبلاد مع المنطقة الكردية في العراق. بهدف التأكيد على معارضة تركيا لاستفتاء استقلال إقليم كردستان، والاستعداد لأي اضطرابات محتملة ناجمة عن التصويت، وفقًا لما ذكره المسؤولون الأتراك».
وعلى الرغم من الانتقادات الحادة من الدول المجاورة والولايات المتحدة، تعهد مسعود البرزاني – رئيس حكومة كردستان العراق – بالمضي قدمًا في التصويت، الذي لم تؤيده سوى إسرائيل. وإذا صوت الأكراد على الانفصال، فإن ذلك سيشكل مولد أمة كردية طال انتظارها وتحكمها إحدى أكبر الأقليات في الشرق الأوسط. ويرى المعارضون للاستفتاء أنه إذا جاءت نتيجة التصويت لصالح الانفصال – وهو ما يتوقعه المحللون – فإن ذلك قد يشعل حربًا أهلية ويشجع بقية الأقليات الكردية في جميع أنحاء المنطقة على السير على نفس النهج.
يؤكد المقال أن البرلمان التركي أجرى تصويتًا طارئًا، مدّ بموجبه مدة نشر القوات التركية في العراق وسوريا، مما يزيد من حدة التوترات بين الدول المجاورة. وكان الرئيس التركي أردوغان قد ذكر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة «أن الأزمات الجديدة في المنطقة مثل الاستفتاءات من أجل الاستقلال يمكنها أن تثير صراعات جديدة ويجب تجنبها مهما كان الثمن، لذا نحث حكومة إقليم كردستان العراق على وقف الخطوات التي اتخذتها في هذا الاتجاه».
بالنسبة لتركیا، یشکل الاستفتاء خطر حشد القومیة الکردیة، التي جرى قمعھا تاریخیًا عبر عقود من النزاع المسلح، وحظر التعلیم والبرامج التلفزیونیة باللغة الکردیة. وقد أعربت أنقرة عن معارضتها للتطلعات الكردية بوضوح عندما أقيم الاتحاد الكردي العراقي خلال حرب الخليج الأولى عام 1991 بدعم أمريكي. ولكن مع مرور الوقت، تحول هذا الخلاف الأولي بين تركيا وحكومة إقليم كردستان إلى روابط اقتصادية وتعاون. وعلى الرغم من تحسن العلاقات الكردية التركية، إلا أن اضطهاد الأكراد داخل تركيا ما يزال مستمرًا حتى يومنا هذا.
على مدى العقد الماضي – يضيف المقال – توطدت العلاقات بين تركيا وحكومة إقليم كردستان، ولا سيما التجارية منها، مع بناء خط أنابيب يسمح للمنطقة الكردية غير الساحلية بتصدير النفط عبر الأراضي التركية. وقد جرت هذه المساعي بعيدًا عن حكومة بغداد عادة، مما أغضب المسؤولين العراقيين.

ولكن مع بدء التصويت، اليوم الإثنين، فإن الشراكة معرضة لخطر الانهيار في ظل احتمالات توحد القوات الكردية في العراق وشمال سوريا، مما يشكل تهديدًا أمنيًا لتركيا، ومثلما يقول شان أكون – الباحث في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو مركز فكر مؤيد للحكومة مقره في أنقرة – «فإنه على المدى الطويل، يمكن أن يكون ذلك نقطة انطلاق لإقليم كردستان أكبر. لهذا السبب قد تضحي تركيا بمكاسبها الاقتصادية لمنع إقامة كيان كهذا».

يقول المقال إن عداء تركيا نحو إقامة حكم ذاتي للأكراد يعود إلى عام 1923، عندما انتصرت الجمهورية التركية على قوات الاحتلال الأجنبية واستعادت الكثير مما يشكل تركيا الحديثة. ومع إعادة رسم الحدود الإقليمية، حاول القادة الأتراك إقامة وحدة بين مواطنيهم اليونانيين واليهود والأرمن والأليفيين والكرد من خلال تشجيعهم على تبني هوياتهم التركية الجديدة.

ويمكن رصد بقايا هذه الجهود لبناء الدولة حتى يومنا هذا في تركيا، حيث لا تزال الجبال وساحات المدارس مزينة بكلمات مصطفى كمال أتاتورك – أول رئيس للجمهورية – حين قال «كم هو رائع أن أقول أنا تركي». وقد وُضعت حدود واضحة للأقليات، ومُنع التعبير عن الهويات المتباينة. فأن تكون تركيًّا يعني نبذ الولاءات الأخرى. لهذا السبب، فإن مفهوم الحكم الذاتي الكردي في أي مكان في المنطقة يشكل تهديدًا وجوديًا للجمهورية التركية.

يعتبر الأكراد أكبر مجموعة عرقية بلا جنسية في الشرق الأوسط، ينوه التقرير. يبلغ تعداد الأكراد حوالي 25 إلى 35 مليون نسمة وهم مقسمون بين إيران وسوريا والعراق، ومعظمهم يقيمون في تركيا، حيث يشكلون حوالي 20% من السكان. وقد حاولت هذه الأقلية الكبيرة الانفصال عدة مرات، ولكن منذ الثمانينيات، كانت الجهود الرامية إلى استقلال أكراد عن تركيا منصبة على حركة التمرد التي يقودها عبد الله أوجلان – مؤسس حزب العمال الكردستاني – الذي شن حرب عصابات أودت بحياة أكثر من 40 ألف شخص على مدى العقود الثلاثة الماضية.
اتخذت الدولة التركية خطوات هامة لتحسين العلاقات مع الأكراد. وقد نفذت الحكومة وقفًا لإطلاق النار في عام 2013 عقب محادثات سلام مباشرة بين أردوغان وأوجلان. كما رُفعت القيود السابقة على التعليم والبرامج التلفزيونية باللغة الكردية. لكن الهدنة لم تدم طويلاً – يؤكد المقال – حيث اندلع القتال بين القوات التركية والمسلحين الأكراد مرة أخرى في عام 2015. وقد ألغيت منذ ذلك الحين العديد من الإصلاحات.
وقد تفاقم فشل مفاوضات السلام عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التى وقعت في العام الماضي وأدت إلى شن حملة ضد جماعات المعارضة فى تركيا. يذكر أن تسعة من المسؤولين المنتخبين من الحزب الديمقراطى الشعبي المؤيد للأكراد مسجونون حاليًا وأُغلقت المئات من وسائل الاعلام الكردية والمنظمات غير الحكومية وسُجن موظفوها بتهمة «الانتماء إلى منظمة إرهابية» و«تهديد وحدة الدولة».

ومع تواصل حملة أردوغان ضد المعارضة بعد الانقلاب – يواصل التقرير القول – قد يكون الأكراد في تركيا حريصين على استغلال الاستفتاء العراقي كوسيلة لإحياء فكرة الحكم الذاتي داخل الحدود التركية. «تخيل وجود دولة كردية مستقلة على حدودك بينما لا تسمح للأكراد في الداخل بالتعليم بلغتهم الأم. هذا سيجعل من الصعب جدًا على الحكومة التركية الحفاظ على سياستها الحالية تجاه الأكراد» وقال نائب رئيس حزب الشعب الديمقراطي هيسيار أوزوي.

وذكر أوزوي أن حزبه يؤيد رسميًا حق الأكراد العراقيين في تقرير المصير إلا أن الحزب لم يبدِ موقفه من التصويت بسبب عدم وجود توافق في الرأي بين الجماعات الكردية فى العراق قبل إعلان الاستفتاء. مضى الحزب الديموقراطي الكردستاني – المتهم بالفساد – بزعامة البرزاني في خططه لإجراء الاستفتاء في الوقت الذي لم يجتمع فيه برلمان إقليم كردستان منذ أكثر من عامين. ومنذ ذلك الحين، توصلت الأطراف الأخرى لحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق بشأن إجراء الاستفتاء، ولكن أوزوي قال إن الأخطاء الأولية قد تكون سببًا في عدم وجود دعم دولي للاستفتاء.
من جانبه، عبر بريت ماكجورك – المبعوث الأمريكي الخاص للعمليات المناهضة لداعش – عن خشيته أن تؤثر نتيجة التصويت على العمليات الجارية ضد الدولة الإسلامية. ولكن بعد تحرير الموصل واستئصال مقاتلي داعش من معظم مدن كردستان العراق من قبل القوات الكردية، قد يستغل البرزاني الأمر لتحقيق أهدافه في النهاية. ينقل المقال عن أمبرين زمان، المحلل الكردي المخضرم قوله «في نهاية المطاف، لن يكون الوقت مناسبًا لأكراد العراق للاستقلال. وهذا الوضع قائم منذ قرن تقريبًا».
وأوضح زمان أن المسؤولين العراقيين الكرد يعتقدون أن الأحداث الأخيرة تمنحهم أفضل فرصة لإعلان الاستقلال. أضاف زمان: «بالنسبة لحكومة إقليم كردستان، هذا هو أفضل وقت ممكن، أخذًا في الاعتبار أن الأكراد سيطروا على الأراضي المتنازع عليها، وضعف الحكومة المركزية في بغداد، وأن المعتدين المحتملين – الميليشيات الشيعية – مجهدون من المعركة ضد الدولة الإسلامية».
ومع ذلك – يؤكد المقال – ثمة قلق من إمكانية التدخل التركي والإيراني أثناء أو بعد التصويت. أدت سيطرة حكومة إقليم كردستان على محافظة كركوك الغنية بالنفط منذ عام 2014 إلى غضب القوى الإقليمية. وتنتج المنطقة معظم إيرادات حكومة إقليم كردستان، وهي تضم مزيجًا من الأكراد والعرب والتركمان، وجميعهم يدعي أحقيته في كركوك.

ولأن التركمان يشاركون جذورًا عرقية مع الأتراك، فإن المسؤولين في أنقرة أشاروا منذ فترة طويلة إلى ضرورة حمايتهم كذريعة لممارسة مزيد من الضغوط على حكومة إقليم كردستان. وفي أغسطس (آب) الماضي، ندد ديفليت بهجلي – زعيم الحركة القومية اليمينية المتطرفة في تركيا – بإدراج المدن التركمانية في إقليم كردستان ضمن المدن التي سيجري فيها الاستفتاء، وهدد بالحرب على كردستان العراق في حال المضي قدمًا في التصويت.

يقول معد التقرير إن صحفيًا كرديًا أخبره أن المسؤولين الأتراك لم يفعلوا شيئًا يذكر لحماية التركمان من هجمات داعش في السنوات الأخيرة، ولم يلعبوا بالبطاقة التركمانية سوى للتحريض على الدعم القومي للأعمال العسكرية في المستقبل. وقال المحلل في رسالة بالبريد الإلكتروني «تركيا لا تهتم بالتركمان على الإطلاق، وإنما تستخدمهم فقط كأداة».
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن تركيا قد تتدخل في الاستفتاء، فإن العديد من المحللين يرون أن أردوغان لن يجني شيئًا من القيام بذلك. على العكس من ذلك، يقول البعض إن العلاقات الاقتصادية قد تزداد قوة مع استقلال كردستان العراق. هناك نحو 1300 شركة تركية تعمل بالفعل في المنطقة. كما تصدر حكومة إقليم كردستان ما لا يقل عن 550 ألف برميل من النفط يوميًا من خلال خط أنابيبها عبر تركيا. كما وافقت شركة النفط الروسية روزنيفت مؤخرًا على توسيع البنية التحتية الحالية لتصدير الغاز الطبيعي من المنطقة الكردية في العراق إلى تركيا، وربما أوروبا.
وقال سينان أولجين – الباحث الزائر في معهد كارنيجي أوروبا والمتخصص في السياسة الخارجية التركية – «يمكن لتركيا، على المدى الطويل، أن تستفيد من هذا الوضع». وعلى الرغم من الانتقادات الاخيرة فان أنقرة لديها خيار التعاون مع «هذا الكيان الجديد الذي سيعتمد على تركيا في علاقته بالعالم الخارجي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك