قال فهيم تستكين في مقال له على موقع «المونيتور»، إن التدخل التركي في ليبيا، الذي تميز باستخدام الطائرات بدون طيار، ساعد حلفاءها على تغيير التوازن في ساحة المعركة، وزاد التوترات مع مصر والإمارات، الداعمين الرئيسيين للجانب الآخر، وشحذ الاستقطاب الدولي في المنطقة.

وأوضح تستكين أنه على مدى الأسابيع العديدة الماضية، عوضت قوات حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس، بمساعدة من الأتراك، العديد من الخسائر التي تكبدتها ضد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي، بقيادة خليفة حفتر، في أواخر مارس (آذار). في هجوم سمي بعملية عاصفة السلام، حاولت حكومة الوفاق الاستيلاء على قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية جنوبي غرب طرابلس، لكنها فشلت، مما أدى إلى فقدان السيطرة على امتداد الساحل على طول الطريق إلى الحدود التونسية.

أصدقاء تركيا ينتصرون!

لكن في الأسبوعين الأولين من شهر مايو (أيار)، شنت قوات حكومة الوفاق ما لا يقل عن 57 غارة جوية على قاعدة الوطية، في محاولة أخرى للسيطرة عليها وتصعيد الهجمات على قوات حفتر المتمركزة في ترهونة، وهي ليست بعيدة عن طرابلس. وقد سقطت القاعدة أخيرًا  الاثنين الماضي في أيدي قوات حكومة الوفاق. يعتقد المراقبون في طرابلس أن سقوط الوطية سيخفف الضغط على العاصمة، وينهي أحلام حفتر بالسيطرة على ليبيا كلها.

أدى التحول الكبير إلى جعل المراقبين يتكهنون بأن «أصدقاء تركيا ينتصرون»، أو أن استراتيجية تركيا تركت حفتر في موقف دفاعي. في غضون ذلك – يشير تستكين – أصدرت مصر، والإمارات، واليونان، وقبرص، وفرنسا، بيانًا مشتركًا في 11 مايو اتهمت تركيا بتأجيج التوترات في المنطقة، بما في ذلك في ليبيا، وشرق البحر الأبيض المتوسط، حيث يستعر التنافس على موارد الغاز.

وردَّت أنقرة بالمثل، متهمة الخماسي «بالتضحية بالتطلعات الديمقراطية للشعوب، لصالح الديكتاتوريين الانقلابيين». وخصت فرنسا بأنها «حاولت أن تكون راعية محور الخبث»؛ هذا لأن تركيا أحبطت الخطط الفرنسية «لإقامة دولة إرهاب في سوريا» – في إشارة إلى دعم فرنسا للأكراد السوريين. في غضون ذلك، انتقد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الإمارات العربية المتحدة «لإشعالها الفوضى في المنطقة»، قائلًا إن أبوظبي لا تكتفي بدعم حفتر، ولكن أيضًا «تدعم جماعة الشباب الإرهابية في الصومال، وتسعى لتقسيم اليمن».

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصافح رئيس المجلس الوطني الليبي فايز السراج

وسبقت الحرب الكلامية اعتداءات على وسط طرابلس، سقطت فيها قذائف بالقرب من السفارة التركية. وحذرت أنقرة في بيان بتاريخ 10 مايو من أنها «ستعد عناصر حفتر أهدافًا مشروعة، في حالة استهدافهم لمهماتنا الدبلوماسية، ومصالحنا في ليبيا». وبينما نفت قوات حفتر مسؤوليتها عن الهجمات – ينوه تستكين – أثار تحذير أنقرة مخاوف من تحليق طائرات تركية من طراز إف-16 فوق ليبيا على أساس الدفاع عن النفس، بغض النظر عن هوية الجناة.

استراتيجية أردوغان

يرتبط تدخل تركيا في ليبيا بشكل متزايد مع طموحاتها في مجال الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​بعد توقيعها على اتفاق ترسيم بحري مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج في نوفمبر (تشرين الثاني). وقد أثار الاتفاق الصراع في ليبيا. حصل الرئيس رجب طيب أردوغان على موافقة برلمانية على نشر قوات عسكرية في ليبيا في يناير (كانون الثاني)، ومع أنه تراجع عن نشر قوات برية، فقد اتبع استراتيجية ذات أربعة محاور تشمل ما يلي:

  • نشر نخبة من الضباط العسكريين في قاعدة معيتيقة لقيادة عمليات القوات المتحالفة.
  • زيادة نشاط عناصر المخابرات التركية على الأرض.
  • الاستخدام المكثف لطائرات بدون طيار من طراز بيرقدار تي بي2، المصنعة من قبل شركة مملوكة من قبل صهر أردوغان، سلجوق بيرقطار.
  • نقل المرتزقة من الميليشيات المتحالفة في سوريا.

منطقة الشرق

منذ شهر
«بيرقدار».. طائرة تركية قلبت موازين الحرب في سوريا وليبيا

وينقل المقال عن قناة العربية، أن رئيس المخابرات التركية، هاكان فيدان، سافر إلى ليبيا في أوائل مايو لتقييم الوضع على الأرض، بعد أن بدأت القوات الخاصة التركية الانتشار في طرابلس، في أواخر أبريل (نيسان).

وازداد عدد المقاتلين المنقولين من سوريا – يكشف تستكين. بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وصل إلى ليبيا حتى 14 مايو 8700 مقاتل، من بينهم غير سوريين، بالإضافة إلى 3550 آخرين يجري تدريبهم في تركيا. وقال التقرير إن المرتزقة فقدوا 287 رجلًا في ليبيا، وأضاف أن الفصائل السورية المدعومة من تركيا جندت نحو 150 قاصرًا للقتال في ليبيا.

نجحت تركيا أيضًا في استخدام تونس كطريق لنقل الشحنات إلى ليبيا، مما أثار جدلًا في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، التي سعت إلى البقاء محايدة في الصراع المجاور. قالت الرئاسة التونسية الأسبوع الماضي إنها سمحت لطائرة تركية تحمل إمدادات طبية إلى ليبيا، بالهبوط في تونس، شريطة أن تُنقل الشحنة إلى السلطات الليبية عبر مسؤولي الأمن التونسيين. وقد نددت مجموعة من الأحزاب السياسية التونسية بالإذن، رافضة «أي محاولة لجر تونس في لعبة التحالفات الإقليمية».

موقف حفتر الحرج

رفع حفتر مستوى التحدي في 27 أبريل (نيسان) – يضيف تستكين – وأعلن نفسه القائد الوحيد لليبيا، ورفض اتفاقية الصخيرات لعام 2015، وهي صفقة جرت بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد البلاد، التي لم يجر تنفيذها بالكامل. بعد أن عانى من انتكاسات في ساحة المعركة، أطلقت قواته عملية طيور الأبابيل في 6 مايو في محاولة للاستيلاء على العاصمة، وهو الهدف الذي استعصى عليهم منذ أبريل 2019. ولكن بحسب ما ورد حققوا بعض التقدم في المناطق جنوب طرابلس.

اعترف فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة طرابلس، بأن القوات الحكومية لم تصد بعد قوات حفتر البرية، على الرغم من التفوق الجوي للحكومة بفضل دعم تركيا. أيضًا، بدا أن حفتر يستعين بالميليشيات، إذ أوردت تقارير بأنه جرى إرسال حوالي ألفي مقاتل سوري إلى ليبيا بمساعدة روسية، بالإضافة إلى ما يصل إلى 1200 من المرتزقة من مجموعة فاجنر الروسية، الذين كانوا بالفعل يساعدون حفتر.

باختصار، ما تزال ساحة المعركة في حالة تغير مستمر، وبعيدة عن الوعد بانتصار حاسم لأي من الجانبين. لكن على الساحة الدولية – يستدرك تستكين – أثار حفتر رياحًا معاكسة بشأن تنصيب نفسه حاكمًا، التي تجلت في تنديد حلفائه في مجلس النواب في طبرق بإعلانه، والخسائر المدنية الناجمة عن الهجمات على طرابلس.

حفتر يهدد مصالح تركيا

وحتى روسيا وبخت حفتر بسبب إعلانه. قال وزير الخارجية سيرجي لافروف: «لم نؤيد البيان الأخير للسراج، الذي رفض فيه التفاوض مع اللواء حفتر، ولا نؤيد البيان الذي أصدره الأخير من جانب واحد، يحدد فيه الطريقة التي يعيش بها الشعب الليبي».

وفي هذا السياق، أدلى الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرج، بتصريحات دعم لتركيا. في مقابلة مع صحيفة إيطالية، قال ستولتنبرج إن على جميع الأطراف في ليبيا الالتزام بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، لكنه أضاف: «هذا لا يعني المساواة بين حفتر وحكومة فايز السراج المعترف بها دوليًّا، ولهذا، فإن الناتو مستعد لدعم حكومة طرابلس».

ومع ذلك، فإن مواجهة تركيا مع زملائها أعضاء الناتو، اليونان وفرنسا، تمنع أي تدخل للناتو في ليبيا لمساندة أنقرة. وبالمثل، من غير المرجح أن تتخلى روسيا عن استراتيجيتها المزدوجة في الحفاظ على دعم حفتر عسكريًّا، والتعامل مع السراج دبلوماسيًّا.

ربما يجبر ميزان القوى الجديد الأطراف على العودة إلى الإطار المتفق عليه في مؤتمر برلين في يناير، الذي يدعو إلى تسوية تفاوضية من خلال المحادثات. كما يمكن للبرلمان والحكومة التي تتخذ من طبرق مقرًّا لها، أن تصبح أكثر استعدادًا للحوار مع طرابلس، بعد تخليهما عن حفتر. مثل هذا الاحتمال قد يسمح لأردوغان بأن يدعي مرة أخرى أنه «أحبط لعبة» خصومه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد