بالتوازي مع أنشطتها العسكرية في ليبيا، وصعود مكانتها في أفريقيا، تتحرك أنقرة نحو تعزيز علاقاتها الجيوستراتيجية (الجغرافية الاستراتيجية) والجيوقتصادية (الجغرافية الاقتصادية) مع دول المغرب العربي.

نشر موقع «المونيتور» الأمريكي مقالًا كتبه متين جوركان، المحلل الأمني المستقل والمستشار العسكري التركي السابق من عام 2002 إلى عام 2008، يُسلط الضوء على تحركات أنقرة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع دول المغرب العربي.

يستهل الكاتب مقاله قائلًا: «بالتوازي مع أنشطتها العسكرية في ليبيا، وصعود مكانتها في أفريقيا خلال السنوات الخمسة الماضية، غيرت أنقرة أولويات سياستها الخارجية التقليدية مع الجزائر والمغرب وتونس، ونتيجة لذلك حظيت المنطقة المغاربية بتغطية شبه يومية في وسائل الإعلام التركية؛ إذ تُمثل هذه الدول الثلاثة أهمية رئيسية لانفتاح أنقرة على أفريقيا، فضلًا عن أهميتها للحفاظ على وجودها العسكري في ليبيا».

الجزائر مركز دعم لوجيستي لتركيا في ملف أفريقيا

وبالنسبة للجزائر، تُمثل اتفاقية الصداقة والتعاون، التي وقعها رجب طيب أردوغان عام 2006، بينما كان رئيسًا للوزراء آنذاك، أساسًا قويًّا للعلاقات الثنائية بين البلدين. 

وإلى جانب موقعها الجغرافي السياسي، والذي يُمكن أن يكون بمثابة مركز دعم لوجيستي لملف أفريقيا التركي، تُعد الجزائر رابع أكبر اقتصاد في أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 40 مليون نسمة، وتمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي والنفط، بالإضافة إلى أنها رابع أكبر مُصِّدر للغاز الطبيعي المسال إلى تركيا، بعد روسيا وإيران وأذربيجان.  

Embed from Getty Images

وأشار مقال «المونيتور» إلى إبرام مؤسسة تركية (شركة رينيسانس هولدنج التركية المتخصصة في الإنشاء والاستثمار) اتفاقًا مع شركة سوناطراك (الشركة الجزائرية الحكومية للمحروقات) في عام 2018، لتنفيذ مشروع مصنع بتروكيماويات بولاية أضنة جنوبي تركيا بقيمة 1.4 مليار دولار، بينما تستمر الاتصالات المتبادلة بين البلدين من أجل إجراء حفر مشترك في أعماق البحار والأبحاث الزلزالية قبالة سواحل الجزائر. 

وعلى الجانب الاقتصادي، تُعد تركيا أحد أكبر المستثمرين في الجزائر؛ إذ بلغت الاستثمارات التركية هناك حوالي 3.5 مليارات دولار في أواخر عام 2019، كما تُوظف الشركات التركية قرابة 12 ألف جزائري، ونفَّذت حوالي 370 مشروعًا في قطاعات مختلفة مثل البناء، والمنتجات الكيماوية، والصلب، والنسيج.

ويستطرد المقال: «مقابل دعم الجزائر اللوجيستي لتركيا في ليبيا، تحرص تركيا على التعاون مع الجزائر في المجال الدفاعي والعسكري؛ إذ تُنفق الجزائر حوالي 10 مليارات دولار سنويًّا، في خضم سباق التسلح مع المغرب، كما أوردت تقارير أن تركيا قدمت عروضًا لصفقات مربحة في هذا الشأن، وكررت هذه العروض خلال زيارة الرئيس أردوغان للجزائر في يناير (كانون الثاني) الماضي، حين طلب السماح للقوات التركية باستخدام القواعد الجوية والبحرية الجزائرية لعملياتها العسكرية في ليبيا».

وحسبما أوردت التقارير، تهتم الجزائر بالحصول على المعدات تركية الصنع، ومنها العربات المدرعة من طراز كيربي وفوران، التي تنتجها شركة BMC المتخصصة في مجال الصناعات العسكرية، والطائرات المسلحة بدون طيار، وأنظمة الرادارات والمراقبة، وأنظمة الرؤية الليلية، والسترات الواقية من الرصاص، والملابس العسكرية، وأجهزة الراديو.

علاقات المغرب – تركيا الاقتصادية تحت التهديد

ويكمل المقال: «بالنسبة للمغرب، اكتسبت التجارة الثنائية مع تركيا زخمًا بعد اتفاقية التبادل التجاري الحر في عام 2006، إذ وصلت قيمتها إلى أكثر من 2.7 مليار دولار في عام 2018، فضلًا عن تضاعف أعداد الشركات التركية التي فازت بمناقصات التدشين لمشروعات البنية التحتية في المغرب خلال السنوات الماضية».

Embed from Getty Images

أردوغان مع السفير المغربي لدى أنقرة

وتُقدر الشركات التركية الحالية في المغرب بأكثر من 150 شركة، تعمل في قطاعات مختلفة، ومنها البناء، وتجارة الجملة، والأثاث، والحديد والصلب، والمنسوجات. وارتفعت استثمارات النسيج التركي في المغرب خلال الآونة الأخيرة. وبلغت القيمة الإجمالية للمشروعات التي نفذتها شركات المقاولات التركية في المغرب نحو 4.1 مليارات دولار. وتُقدر قيمة استثمارات الشركات التركية في المغرب بحوالي 400 مليون دولار اعتبارًا من عام 2019، ويعمل لديها حوالي 8 آلاف مغربي.

ويشير الكاتب إلى عقبةٍ اقتصادية تعكر صفو العلاقات بين البلدين؛ ولم تجد الجزائر بدًّا أمام العجز التجاري الضخم لصالح تركيا إلا أن تطالب بإعادة النظر في اتفاقية التبادل التجاري الحر بين البلدين، لأنها أدت إلى نتائج عكسية على الاقتصاد المغربي، بعد تسجيل عجز تجاري قدره 1.9 مليار دولار لصالح تركيا، حتى إن المغرب هدد في فبراير (شباط) الماضي بالانسحاب من الاتفاقية.

ومع أن وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي المغربي، مولاي حفيظ العلمي، كان قد أعلن في الشهر نفسه أن تركيا وافقت على مراجعة اتفاقية التبادل التجاري الحر مع المغرب لتحقق تبادل المنفعة، يلفت المقال إلى عدم اتخاذ أي خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.

دعم تونس لتركيا في ليبيا قادر على قلب ميزان القوى

ينتقل المقال إلى تونس، مشيرًا إلى أن العجز التجاري يمثل عائقًا أيضًا أمام توثيق العلاقات بين تركيا وتونس التي برزت شريكًا جيوستراتيجيًّا محتملًا في شمال أفريقيا، بعد زيادة التدخل العسكري لأنقرة في ليبيا؛ إذ يستطيع دعم تونس المحتمل لتركيا في ليبيا أن يقلب موازين القوى في هذا البلد، الذي مزقته الحرب، لصالح حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا.

وأعربت تركيا عن حرصها على الاستفادة من الخدمات اللوجيستية التونسية ودعمها الاستراتيجي في الصراع الليبي، خلال زيارة أردوغان غير المتوقعة إلى تونس في ديسمبر (كانون الأول) 2019.  وأوردت التقارير أن أنقرة طلبت من تونس استخدام مطار «جربة» التونسي، على وجه التحديد، للتدخل عسكريًّا في ليبيا، والسماح باستخدام بعض القواعد العسكرية مركزًا للخدمات اللوجيستية.

مكانة المغرب العربي المميزة لتركيا في انخراطها في ليبيا

ويخلص المقال إلى أن تونس بصفتها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، يجعل موقفها بشأن القضية مهمًّا أيضًا، بصرف النظر عن الدعم العسكري.

ومع ذلك، فيبدو من المستبعد جدًّا أن يستمر دعم تونس المفتوح للموقف التركي بشأن ليبيا؛ نظرًا إلى رفض المجتمع التونسي واسع الانتشار للتورط في الصراع الليبي؛ إذ ألقت بعض الدوائر باللوم على أنقرة لمحاولتها توريط تونس في مشكلات ليبيا، بينما لم يُظهر الشعب التونسي أي اهتمام بالميل عن موقفه التقليدي المحايد تجاه النزاع.

ويختتم الكاتب مقاله المنشور في موقع «المونيتور» الأمريكي بالقول «على هذا النحو، يبدو أن دول المغرب العربي ستظل تحتل مكانة متميزة في نموذج السياسة الخارجية الجديد الذي تتبناه تركيا، ما دامت أنقرة تتطلع إلى ليبيا وأفريقيا». 

اقتصاد

منذ 4 شهور
رحلة البحث عن النفط في المغرب.. هل يصدق المستثمرون هذه المرة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد