طرد المهاجرين، ترنيمة عذبة لآذان أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. كانت الشرارة الأولى استفتاء خروج بريطانيا، يليه انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية، ليسيطر على انتخابات العالم الشعبويين من تيارات اليمين واليمين المتطرف. فهل تنتهي الأمور بفوز أحزاب في بلدانها فقط، أم أن فتيل التعصب ضد المهاجرين عامة والإسلام خاصة قد أشعل بالفعل ولن يستطيع أحد إخماد نيران الأحداث المترتبة علية في جميع أنحاء العالم.

يقول «إيشان ثارور» في تقرير له نشر على موقع صحيفة «واشنطن بوست» إن تصاعد الأزمة بين تركيا وهولندا نتيجة للحملات الانتخابية الباحثة عن أكبر عدد من الأصوات، والتي صارت تشعل الحوادث الدولية. فالأزمة بين تركيا وهولندا ليست إلا مثلًا أوَّل لحوادث مستقبلية.

يذكر «إيشان» أن الهولنديين يتوجهون الأربعاء القادم إلى صناديق الاقتراع للتصويت في الانتخابات البرلمانية، في حين ينظر إلى تلك الانتخابات على أنها مؤشر يحدد المستقبل السياسي لأوروبا، تنصب كل الأنظار على «خيرت فيلدرز» اليمني المتطرف وأحد الشعبويين المشككين في الاتحاد الأوروبي والمعادين للإسلام، وفي نفس تلك الأثناء، تجري تركيا استفتاء في أبريل (نيسان) على التعديلات الدستورية التي ستلغي نظام الحكم البرلماني في تركيا لصالح نظام رئاسي تنفيذي تحت رئاسة رجبب طيب أردوغان القوية. وفي خضم المزايدات الانتخابية وجد كل من أردوغان وفيلدرز ضالتيهما في الفزاعة المعادية في البلد الآخر.

كتب «كاس مادي» العالم السياسي الهولندي في رسالة إلى «توداي ورلد فيو» «تفسير (الأزمة) التركية الهولندية الواقعة هذا الأسبوع واضحة وصريحة. حاليًا كلا البلدين غارقان في الحملات الإنتخابية التي يسيطر عليها السياسة الاستبدادية الأهلانية (المعادية للمهاجرين)».

بدأت القصة عقب أسبوعين من منع وزيرين تركيين من حضور فعالية سياسية دعائية حاشدة في هولندا. وربما يكون السبب في انطلاق قضية أردوغان هو ضخامة أتراك المهجر في شمال أوروبا، كما كان من المزمع تدشين الموالين له حملات انتخابية في العديد من المدن الأوروبية. ونظرًا لقلق الحكومة الهولندية من تلك التجمعات المرتقبة القريبة زمنيًا من موعد الانتخابات البرلمانية، قررت الحكومة الهولندية منع وزير الخارجية التركي «ميفلوت جاويش أوغلو» من الهبوط في مطار هولندا السبت الماضي.

عندما توقفت «فاطمة كايا» وزيرة الأسرة التركية، أثناء سفرها بالسيارة من ألمانيا إلى مدينة روتردام الهولندية، تم توقيفها من قوات الشرطة خارج القنصلية التركية في المدينة ومنعت من دخول المبنى بينما بدأ الأتراك الهولنديين في التجمع في المنطقة. وفي نهاية المطاف، رافقتها الشرطة حتى وصولها إلى الحدود الألمانية وعادت إلى تركيا في طائرة خاصة.

أثارت المشاهد في مدينة روتردام الغضب في كلا البلدين، واندلعت بعض التظاهرات. سخر فيلدرز الذي يرسخ لسياسته في رفض الإسلام والمهاجرين المسلمين من المتظاهرين واصفًا إياهم ب «المعادي للدولة الهولندية»، وأضاف في تغريدة له «يمكن للهولنديين رؤية أن هؤلاء المتظاهرين هم أتراك، وليسوا هولنديين. هم يحملون جوازات سفر هولندية، لكنهم لا ينتمون إلى هنا.»

كما استهجنت «كايا» قائلةً:

أدان المسؤولون الأتراك تصرفات الحكومة الهولندية «الفاشية»، وصرحت بأن رئيس الوزراء الهولندي «مارك روتي» المنتمي لأحزاب يمين الوسط والذي يسعى إلى تفادي التحديات التي يفرضها «فيلدرز»، أذعن إلى التحزب والتعصب الدينيي الأعمى.

تقول «كايا» في تغريدتها: غير مسموح لنا بالدخول إلى القنصلية التركية وهي قطعة من أرضنا. هل تلك هي قلب أوروبا مهد الحضارة؟

بينما غرد «فيلدرز»: اذهبوا من هنا ولا تعودوا أبدًا، وخذوا معكم كل معجبيكم من هولندا، فضلًا.

اشتعلت التوترات بين تركيا والاتحاد الأوروبي في غضون الأعوام القليلة الماضية، وبينما تصادم الطرفان على خلفية أزمة اللاجئين السوريين وتدليل أوروبا المزعوم للأكراد الانفصاليين؛ ففي خطابه أعتاد أردوغان على تغذية الشعور بالأسى على النفاق الغربي وتدخله.

أردوغان يصف هولندا بـ «جمهورية الموز»

في الأحد 12 مارس (آذار) وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هولندا بأنها تتصرف مثل «جمهورية الموز» ويجب أن تفرض عليها عقوبات لمنعها وزراء أتراك من التحدث في روتردام، ما أزكي نيران الخلافات حول الحملات السياسية التركية الخارجية.

قال أردوغان يوم الأحد في مؤتمر عام في اسطنبول «إن الغرب قد خلع قناعه خلال الأيام الماضية». وأضاف «ما شاهدناه يعد تعبيرًا واضحًا عن الإسلاموفوبيا. لقد قلت سابقًا أنني أعتقد أن النازية قد انتهت، لكنني كنت مخطئً. النازية لاتزال حية في الغرب». كما ألقى أردوغان الاتهامات على ألمانيا أيضًا عندما قررت سلطاتها منع بعض التجمعات التركية.

رد إبراهيم كالين كبير المتحدثين الرسميين باسم إردوغان ردًا مباشرًا على تغريدة فيلدرز. وقد تتصاعد وتيرة الأزمة أكثر من ذلك: قد توعد المسؤولون الأتراك بفرض عقوبات، وربما يُمنع السفير الهولندي في أنقرة – الذي يقضي إجازة خارج تركيا في الوقت الراهن – من العودة. وقد جاء في بيان لوزارة الخارجية التركية عبر البريد الإلكتروني، أنه «قد أخبرنا نظراؤنا الهولنديين أن تلك القرار الخطيرة المتخذة ضد تركيا، وضد الجالية التركية على الأراضي الهولندية، سوف تجلب عواقب وخيمة على علاقتنا الدبلوماسية، والسياسية، والاقتصادية، مجالات أخرى للعلاقة بين البلدين».

رد ابراهيم كالين مغردًا: عار على الحكومة الهولندية أن تخضع للعنصريين المعادين للإسلام والفاشيين، مدمرةً العلاقات التركية الهولندية.

وأضاف في تكملة للتغريدة: الانتخابات الوطنية في هولندا ستقام في غضون أيام، بينما ليلة أمس اكتشفنا أن فيلدرز بالفعل له سلطة.

وفي التغريدة الثالثة قال: قرار الحكومة الهولندية بحظر الوزراء الأتراك واستخدام القوة ضد مواطنين مسالمين هو يوم مظلم للديموقراطية في أوروبا.

تجمع بعض مؤيدي أردوغان معًا، وقاموا بعصر البرتقال وشرب عصيره – إشارة إلى هولندا المشهورة بالبرتقال – في تعبير رمزي عن الغضب.

وقال «روتي» معترضًا إن الأمر آل في النهاية لما يشبه «الفيلم سيء»، وأضاف «لقد صعب الأتراك الوضع على أنفسهم».

قبيل الانتخابات، تعهد رئيس الوزراء الهولندي باتخاذ موقفًا صارمًا من الهجرة، متذرعًا بأن على الهولنديين المسلمين أن يبذلوا جهدًا أكبر كي يندمجوا في المجتمع الهولندي. بل ونشر إعلانًا في صفحة كاملة في إحدى الصحف، يحذر من خلالها المهاجرين بأن «يكونوا طبيعين وإما أن يرحلوا». مثل ذلك الخطاب أظهر مخالب «روتي» في مواجهة «فيلدرز» وحزبه اليميني المتطرف «حزب الحرية» من خلال استطلاعات الرأي، والتي وضعت «فيلدرز» في المقدمة. (سياسة فيلدرز الأشد تطرفًا، وتفتيته الأصوات الهولنديين، تشير إلى أنه على الأرجح سوف يستمر في المعارضة، حتى لو فاز حزبه في الانتخابات).

ومن المفارقات، أنه في ظل تعليق السلطات التركية الغاضب على قمع التجمعات التركية السلمية والديموقراطية، يرى المراقبون أن استفتاء أردوغان ما هو إلا وسيلة لترسيخ حكمه الاستبدادي. فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد إردوغان الصيف الماضي، صعدت الحكومة التركية من وتيرة التطهير على نطاق واسع في كافة مصالح الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني. كما يُنظر إلى التخلي عن النظام البرلماني التركي على أنه خطوة خطيرة في سبيل تقويض الديمقراطية تحت إشراف إردوغان.

إلا أنه لا يوجد ما يضمن فوز حملة إردوغان بالتصويت «بنعم» في الاستفتاء – إذ تشير استطلاعات الرأي التركية إلى تقارب الرأيين، فقد تجمعت المعارضة الساخطة والمتناحرة ضد الرئيس. لذا، فإن إردوغان -الإسلامي المعتدل – يستقي كيفية فوزه الأصوات من دليل القومين الخاضع لاختبارات الزمن. أحد الرسوم الكرتونية لأحد الأتراك المعارضين يلخص الأمر كله:

ماهر زينالوف: حاولت أن أشرح كيف أن الشجار مع هولندا، يعزز من قوة أردوغان، لكن هذا الرسم يفي.

ومن المفارقات أيضًا، أن «فيلدرز» يرنو إلى نفس المؤشرات خلال الأجازة الأسبوعية، ويأمل أيضًا في تقدم انتخابي. فلطالما ندد السياسي اليميني المتطرف بأردوغان – الذي وصفه «بالدكتاتور» – والقادة الأوروبيين الذين يجاورونه. وقد اعتلى «فيلدرز» الأسبوع الماضي مظاهرة قصيرة أمام السفارة التركية في لاهاي، خلال حملة مناوئة لزيارة وزير الخارجية التركي. إذ وقف فيلدرز أمام لافتة كُتب عليها «ابقوا بعيدًا، هذه بلادنا».

قال كاتب صحفي في الصحيفة التركية «صباح اليومية الموالية لإردوغان بشدة، إنه «عندما تحث المجتمع على كراهية المسلمين استنادًا على كراهية الأجانب، فسوف يبدأون في كراهية جميع «الآخرين» في نهاية المطاف، وعليه سوف تحتاج إلى مزيد من القيود، ومزيد من الحواجز، ومزيد من الحماية»، وأضاف «من شأن ذلك أن يهدم الإتحاد الذي أمضى الأوروبيون عقودًا في بنائه وإقامته».

ويختتم «إيشان» مقاله بعبارة قد تلخص حال تيار اليمين المتطرف: «قد يصادف أن تلك النتيجة الأخيرة بمثابة لحن موسيقي يقع على آذان «فيلدرز» ومؤيدي اليمين المتطرف».

لكنها قد تكون موسيقى صاخبة مؤلمة لآذان البعض الآخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد