رصد الباحث التركي «غالب دالاي»، مدير البحث بمنتدى الشرق، تحولات السياسة الخارجية التركية بعد ثورات الربيع العربي، والتحديات التي تواجه أنقرة بعد التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط مع ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» «داعش» والحرب الأهلية السورية.

وقال الكاتب في بداية المقال الذي نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية: «إن التساؤل بشأن ما يدفع السياسة الخارجية التركية محفوف بالجدل، خلال تولي أحمد داود أوغلو رئاسة الوزراء، يصور الخبراء أنقرة بأنها كانت مدفوعة بأيديولوجية تنطوي على التوسع والمغامرة، وتبعًا لذلك، تولد توتر كبير مع الدول المجاورة لتركيا والقوى الدولية. عندما تولى بن علي يلديريم، رئيس الوزراء الجديد، تبنى حزب العدالة والتنمية الحاكم «AKP» والرئيس رجب طيب أردوغان نبرة أكثر تصالحية، أعلن أردوغان في أبريل «نيسان» 2016 أن هناك حاجة لتركيا لكسب المزيد من الأصدقاء وتقليل عدد أعدائها، وهو ما بدا ظاهرًا آنذاك في استعادة تركيا لعلاقاتها مع روسيا وإسرائيل».

وأضاف الكاتب أنه ومع ذلك، كان لهذه الرواية أيضًا حدودها، فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو «تموز»، بدأت تركيا في توجيه انتقادات بشكل علني لما تراه لا مبالاة غربية تجاه التحديات التي تواجهها أنقرة.

وهكذا، عاد إلى الظهور من جديد الجدل بشأن ولاء تركيا، هذه المرة، يبدو أن أنقرة جنحت بعيدًا عن الغرب واتجهت نحو تحالفها المفترض مع روسيا، وعلاوة على ذلك، شنت تركيا عملية «درع الفرات» في شمال سوريا، والتي كانت تهدف إلى طرد تنظيم داعش من المناطق الحدودية ومنع «وحدات حماية الشعب» الكردية التابعة لـ«حزب العمال الكردستاني» من جلب الأراضي تحت سيطرتها، كما تصر أيضًا تركيا على الانضمام إلى أي عملية لتحرير مدينة الموصل العراقية من قبضة تنظيم داعش.

وفقًا للكاتب، تبين هذه الإجراءات أن تركيا لا تحد من طموحات سياستها الخارجية ولا تتبنى لهجة تصالحية في المنطقة عندما تشعر أن مصالح أمنها الوطني في خطر.

وأوضح الكاتب أن السبب في غياب الروايات الشائعة حول السياسة الخارجية التركية عن القصة كلها هو أن كل منها يضع التركيز المفرط على ممثل واحد، سواء كان الرئيس التركي أو «داود أوغلو»، في الواقع، فقد كانت مطالب الجغرافيا السياسية الإقليمية، إلى جانب المخاوف السياسية الداخلية لأنقرة والتحديات الأمنية، هي التي شكلت المعالم الرئيسية للسياسة التركية في السنوات الأخيرة.

خروج الربيع العربي عن مساره

وعن علاقة تركيا بالربيع العربي، قال الكاتب إنه في البداية، كان التركيز الرئيسي للثورات العربية على مطالب سياسية، وكانت تركيا ملهمة لتطلعات الشعوب العربية على الصعيد الديمقراطي والبرلماني، كما كانت الهوية الدينية لبعض المجموعات الرائدة في هذه الاحتجاجات، هي الدافع لتقديم حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي في تركيا الدعم لهم، حيث كان يعتقد أن الهويات المشتركة والمطالب السياسية من شأنها أن تخلق أسس للتعاون بمجرد انقشاع الغبار الإقليمي.

في ذلك الوقت، اعتبرت تركيا أن التغيير لا مفر منه وألقت بثقلها وراء الثورات. برؤيتها الأحداث بزوايا ثنائية، اعتمدت تركيا رؤية على صعيد المنطقة، تنبأت من خلالها أنها ستتولى دورًا قياديًا في النظام الإقليمي والديمقراطي الجديد.

ورصد الكاتب أربعة أحداث رئيسية دفعت بتركيا إلى إعادة النظر في افتراضات سياستها الخارجية، التي تشكلت لديها من عصر الربيع العربي.

أولًا: تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية شاملة في عام 2012 وفي وقت مبكر عام 2013.

ثانيًا: الانقلاب الذي حدث في مصر في يوليو «تموز» 2013.

وقال الكاتب إن كلا الحدثين أظهر أن موجات التغيير التي اندلعت في العالم العربي يمكن وقفها.

ثالثًا، صعود تنظيم داعش في عام 2014 دفع المجتمع الدولي لمنح الأولوية للأمن في المنطقة بدلًا من دعم  التحولات الديمقراطية الناشئة حديثًا ورعايتها، وبالإضافة إلى ذلك، استغلت بعض الدول في المنطقة مثل سوريا والمملكة العربية السعودية، وإيران صعود تنظيم داعش لزيادة استقطاب العالم العربي على أسس طائفية ونزع الشرعية عن الحركات الإسلامية السائدة.

رابعًا، أدى صعود تنظيم داعش إلى قيام الحركات الكردية في كل من سوريا والعراق بتوسيع سيطرتها على الأراضي الواقعة تحت سيطرتها بعد اكتساب تعاطف المجتمع الدولي، والشرعية، والمساعدات العسكرية.

القضية الأكثر شهرة في هذا الصدد جاءت بعد حصار داعش لبلدة كوباني الكردية السورية في سبتمبر «أيلول» 2014.

مستفيدًا من هذا التعاطف الدولي والشرعية المكتسبة حديثًا «وكذلك المكاسب الإقليمية الكردية»، فقد اعتمد «حزب العمال الكردستاني» موقفًا تفاوضيًا أقوى ضد تركيا، ومع انهيار عملية السلام الكردية ومع شن «حزب العمال الكردستاني» حربًا مستوحاة من حرب المدن في سوريا في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية في تركيا خلال العام الماضي، منحت أنقرة الأولوية للأمن القومي على المبادرات السياسية وعدلت السياسة الخارجية الإقليمية وفقًا لذلك.

وتابع الكاتب بقوله إنه إذا لم يكن ذلك سيئًا بما فيه الكفاية، فقد استهدف تنظيم داعش الداخل التركي.

أولًا، استهدفت داعش الجماعات الكردية واليسارية باعتبار ذلك امتدادًا لحربها ضد «وحدات حماية الشعب» في سوريا، كما كان الحال مع الهجمات التي طالت محطة القطار في ديار بكر، وأنقرة.

ثانيًا، نفذت داعش عمليات انتحارية في منطقة السلطان أحمد، وشارع الاستقلال، وفي مطار أتاتورك، وكانت هذه الهجمات الأخيرة في معظمها على السياح والأجانب، وكان الدافع المحتمل من ورائها انضمام تركيا إلى التحالف الدولي ضد داعش.

بحسب الكاتب، تفاقمت هذه التحديات الأمنية الوطنية التي تواجهها أنقرة، والتي بدورها كان لها أثر كبير على سياسة تركيا الإقليمية.

القوى الخارجية

في الوقت الذي شعرت فيه تركيا بأنها عرضة لتهديدات أكبر من قبل «حزب العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب»، دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون «وحدات حماية الشعب» المنظمة الشقيقة لـ«حزب العمال الكردستاني» في سوريا في حربها ضد داعش.

وأضاف الكاتب: «وعلاوة على ذلك، على الرغم من عدم الارتياح في تركيا، حافظت الولايات المتحدة على تحالفها مع قوات سوريا الديمقراطية «SDF»، وهو تحالف تمثل فيه القوات الكردية قوامه الأساسي، والتي اعتمدت واشنطن على قواته البرية الأساسية في تحرير منبج، مما أعطى وحدات الشعب الكردية موطئ قدم قوي آخر في الجزء الغربي من نهر الفرات».

قرب ذلك «وحدات حماية الشعب» خطوة واحدة نحو تحقيق الهدف النهائي المتمثل في الاستيلاء على الأراضي المتبقية بين كوباني وعفرين لخلق تواصل جغرافي الكامل بين الكانتونات الثلاثة، تدخلت تركيا قريبًا لمنع مثل هذه النتيجة، وقد ساهم كل هذا بالفعل في خلق علاقات متوترة وإلى انخفاض حاد في مستوى الثقة بين تركيا والغرب، وفقًا لما ذكره الكاتب.

وفي الوقت نفسه، وجدت تركيا نفسها على خلاف مع إيران، بينما تقلصت السياسة الإقليمية التركية في شمال العراق وشمال سوريا، كانت القوة الإقليمية التي نازعتها النفوذ والسلطة هي إيران.

في البيئة الإقليمية الحالية، تركيا في وضع غير مبشر، عندما تحولت الثورات إلى حروب عرقية وطائفية، تعززت يد إيران، حيث استثمرت طهران فترة طويلة في ميليشيات تعمل بالوكالة الشيعية، على عكس تركيا، تعول إيران على مجموعات شيعية، من العراق إلى اليمن ومن سوريا إلى لبنان، وهذا يعطي سياستها الإقليمية أساسًا قويًا.

وأشار الكاتب إلى أنه ولمواجهة النفوذ المتنامي لإيران، فقد سعت أنقرة إلى زراعة الحلفاء المحليين والإقليميين.

في سوريا، تسعى تركيا لتحقيق أهدافها من خلال دعم قوات المعارضة بثبات، ولكن مع نجاح محدود، في العراق، حاولت تركيا الحد من النفوذ الإيراني الكبير على البلاد من خلال تحالفها مع حكومة إقليم كردستان، والعرب السنة.

كان منطق تركيا في السعي إلى دور في عملية استعادة السيطرة على الموصل من قبضة داعش هو الحد من نفوذ إيران «وحليفتها الحكومة المركزية العراقية» عن طريق منع أي هندسة ديموغرافية في الموصل وحولها، ومنع «حزب العمال الكردستاني»، الذي له وجود فقط غربي الموصل، من الاستفادة من عملية ربما تكون فوضوية.

وعلى المستوى الإقليمي، بدأت المملكة العربية السعودية وتركيا تتعاونان لمعارضة تأثير التوسع الإيراني، أيدت تركيا التدخل السعودي في اليمن، ودعت إيران إلى الانسحاب من البلاد، كما تعاونت بشكل وثيق مع المملكة العربية السعودية في سوريا.

السياسة الخارجية المستقبلية

وأخيرًا، قال الكاتب إن تركيا ربما يكون الآن لديها سياسة خارجية تقوم على المخاوف الأمنية، ولكنها لم يعد لديها وضوح الرؤية الذي كان قائمًا في خلال الثورات العربية، لقد أصبحت إدارة المخاوف الأمنية المرتبطة بالأزمات الإقليمية الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية التركية الحالية، في المستقبل المنظور، سوف يكون لدى أنقرة سياسة المشاركة الانتقائية في المنطقة، وسوف تضع جانبًا المسؤوليات في مناطق تعتبرها ذات أهمية ثانوية، في حين تأخذ المخاطر وتستثمر الوقت، والمال، والطاقة، والدم في المجالات المتعلقة بالمخاوف الأمنية الوطنية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد