تدابير التقشف السابقة جعلت الشعب التركي لا يثق في صندوق النقد، لكن الاقتصاديين يرون أن أنقرة تحتاج سريعًا إلى إيجاد موارد لسداد دينها الأجنبي المستحق. 

نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا لمراسله في أنقرة رجب صويلو، أشار في مستهله إلى استنزاف احتياطيات البنك المركزي التركي الدولية، وتدهور الليرة إلى أدنى مستوى لها منذ 20 شهرًا إثر أزمة فيروس كورونا، ومع ذلك فالغالبية العظمى من الشعب التركي لا تريد أن تلجأ أنقرة إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض. 

سمعة صندوق النقد الدولي في الذاكرة التركية

يتابع التقرير: في استطلاع للرأي أجراه «معهد الاقتصاد» في إسطنبول الشهر الماضي، وشمل 1537 مشاركًا من 12 محافظة تركية، عبّر 69.2% منهم عن معارضتهم للحصول على خط (تسهيل) ائتماني من صندوق النقد الدولي للتخفيف من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن أزمة فيروس كورونا. 

قد تثلج أخبارًا كهذه صدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي كان مناهضًا طيلة السنوات الأخيرة لصندوق النقد الدولي، حتى أنه وصفه العام الماضي بـ«أكبر مُرابِ في العالم». وبعد أن سددت إدارة أردوغان الدفعة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي عام 2013، احتفت منذ ذلك الحين بنجاحها في الاستقلال ماليًا.

أردوغان و أوغلو

ويبدو أن سمعة الهيئة المالية الدولية ليست أفضل حالًا لدى الشعب التركي؛ إذ عبر 56% من الأشخاص الذين شاركوا في الاستطلاع أنهم لا يثقون في صندوق النقد الدولي، فيما قال 43% منهم أنهم يعتقدون أن هناك ثمن ستدفعه تركيا إذا حصلت على القرض. 

وساهمت إجراءات التقشف السابقة التي أصر عليها صندوق النقد الدولي، والتي ضيقت الخناق على الشعب التركي من خلال تخفيض الميزانية وإجراءات الخصخصة، إلى تنامي الموقف السلبي منه. فعلى سبيل المثال: وصف كمال كيليتشدار أوغلو -رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض- البرنامج الاقتصادي للحكومة بأنه «مستوحى من صندوق النقد الدولي» في محاولة لتشويه سمعته. 

صندوق النقد الدولي ونظرية المؤامرة

يتابع الكاتب: ادّعى رمضان كيرت أوغلو -الاقتصادي الشهير- خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي أن صندوق النقد الدولي فرض على الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى تطعيم الأطفال وزرع رقائق دقيقة (Microchips) في أجسامهم لتلبية المعايير اللازمة للقرض. 

وأضاف كيرت أوغلو: «أعلنت الحكومة الكينية أن لقاحًا مماثلًا أصاب نصف مليون امرأة تتراوح أعمارهن بين 14-49 بالعقم الدائم». لكن عندما سئل عن مصدر كلامه على تويتر، لم يقدم أية معلومات حياله. 

الديون المستحقة على تركيا

على الرغم من ذلك، يدق الاقتصاديون ناقوس الخطر مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد، كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد التركي بنسبة 5% هذا العام بسبب الوباء. ويبلغ دين تركيا من العملات الأجنبية 168.5 مليار دولار جميعها مملوكة للقطاع الخاص وتستحق السداد خلال 12 شهرًا، في حين يبلغ إجمالي احتياطيات البنك المركزي حوالي 86 مليار دولار. 

وكان وزير الاقتصاد، بيرات البيرق، قد ذكر في مقابلة تلفزيونية الأحد الماضي أن الاحتياطيات الرسمية لتركيا كافية لتغطية الديون المستحقة في الأشهر المقبلة؛ إذ يترتب على الحكومة 4.4 مليار دولار فقط هذا العام.

لكن الاقتصادي باريش سويدان الذي يكتب في صحيفة تي24 الإلكترونية المستقلة يعتقد أن تركيا ما زالت بحاجة إلى إيجاد طريقة لتمويل ديون القطاع الخاص التي يعود نصفها إلى قطاع البنوك. وقال باريش لموقع ميدل إيست آي: «صحيح أن لقرض صندوق النقد الدولي بعض المساوئ بالنسبة لعامة الموظفين، فصفقة مع الصندوق قد تعني زيادة سنوية أقل، وانخفاضًا في الحد الأدنى للأجور بالنسبة للموظفين الحكوميين».

وأضاف: «ولكن عليك أن تدفع هذا الدين بطريقة أو بأخرى، فإما أن تحصل على «خط مبادلة» (لتوفير السيولة الدولارية) من نظام الاحتياطي الفيدرالي للحصول على الدولار مقابل الليرة التركية، أو تطلب قرضًا من صندوق النقد الدولي. أو يمكن للمرء الوقوف متفرجًا على الشركات الكبرى وهي تفلس بسبب نقص الأموال، فهذا خيار أيضًا!»

ولكن بيرات البيرق ذكّر في المقابلة التلفزيونية أن تركيا لم تفشل أبدًا في سداد ديونها الخارجية حتى في ذروة الأزمة المالية عام 2018. وقال: «كانت بنوكنا والقطاع الخاص قادرين على دفع أكثر من 90% من ديونهما في الماضي، فلا البنوك ولا الشركات معرضة على المدى القصير لمخاطر صرف العملة الأجنبية». ومع ذلك يرى باريش أن فيروس كورونا وضع تركيا في حالة غير مسبوقة لأن الأزمة نفسها ليس لها مثيل سابق، وأضاف: «هذه المرة ليس لديك الدخل الذي اعتدت الحصول عليه».

أزمات مالية وحلول مُشكلة

انخفض عدد السيّاح في مارس (آذار) الماضي بنسبة 68% ليصل إلى 718 ألف سائح مقارنة بالعام الماضي. فيما انخفضت الصادرات التركية بنسبة 41% ووصلت إلى تسعة مليارات دولار في أبريل (نيسان) قياسًا على الفترة نفسها من العام الماضي. ويتوقع المحللون أن يشهد قطاع السياحة خسائر فادحة في فصل الصيف، بعدما كانت تركيا قد حققت 34 مليار دولار العام الماضي بفضل السياح الذين زاروا البلاد، بحسب الكاتب. 

وقال محافظ البنك المركزي مراد أويسال الشهر الماضي إن تركيا تبحث عن خطوط مبادلة مع البنوك الأخرى لتوفير المزيد من السيولة. وقال مسؤول تركي لميدل إيست آي الشهر الماضي أن أردوغان نقل طلبًا للحصول على خط مبادلة من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مكالمة هاتفية مع الرئيس دونالد ترامب. 

وفي شهر مارس الماضي، أضاف الاحتياطي الفيدرالي خطوطًا مؤقتة للبنوك المركزية في البرازيل وكوريا الجنوبية والمكسيك لدعم الأسواق المالية حول العالم في صراعها ضد فيروس كورونا. ويقول المسؤولون الأمريكيون أن خطوط المبادلة قرار مالي محض، والأمر متروك لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ خطوة منح خط لتركيا. 

سياسة

منذ سنة واحدة
شروط صعبة لبعض البلدان وقروض سخية لأخرى.. لماذا يكيل صندوق النقد بمكيالين؟

وفي ختام التقرير يذكر الكاتب أن البعض في تركيا يعتقد أنه يجب تجنب قرض صندوق النقد الدولي؛ لأنه وسيلة تتسم بالاستسهال، في محاولة للتخلص من المشاكل المالية المزمنة، لكن دون معالجة أسبابها الجذرية. 

وقال المؤرخ الاقتصادي الكبير، شوكت باموق، لتلفزيون هابر تورك إن تركيا كانت على رأس قائمة الدول التي لجأت إلى صندوق النقد الدولي للمساعدة منذ تأسيسه عام 1945. وأضاف: «أرى صندوق النقد الدولي كعكاز (حل جزئي ومؤقت)؛ إذا حصلنا على قرض فسوف نسدده في خمس سنوات، ثم سنطرق أبوابهم مرة أخرى بعد 10 سنوات. تحتاج تركيا إلى أن تتعلم الوقوف على قدميها وحل مشكلاتها الهيكلية (بنفسها)». 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد