شقّت تركيا طريقها مؤخرًا إلى مصافّ نخبة مصنّعي ومصدّري الطائرات المسيّرة العسكرية والاستكشافية على صعيد العالم، ويبيّن تقرير منشور في صحيفة «الجارديان» كيف اتجهت تركيا للاعتماد على الصناعة المحليّة في هذا المجال بعد التعرّف على التكنولوجيا البريطانية المتخصصة لتطوّر نماذجها الخاصة المتفوقة.

Embed from Getty Images

أساليب عسكرية متطورة

استطاعت تركيا الالتفاف على الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على تصدير طائرات الدرونز المقاتلة؛ وذلك عبر استخدامها لمكوّن يُستخدم للقذائف عادةً، طُور بدايةً في المملكة المتحدة، وبهذه الطريقة شقّت أنقرة طريقها لتغدو قوة صاعدة في هذا النوع من التكنولوجيا الفتاكة.

وتشير الصحيفة إلى أن العون الأهم جاء من مصنعٍ في برايتون بجنوب شرق بريطانيا، والذي ساعد تركيا للوصول إلى مرتبةِ ثاني أكبر مستخدم للطائرات المسلحة بلا طيار في العالم، وبالتالي واحدة من بلدان متعددة صارت تحاكي أساليب عسكرية استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة ضمن «حربها على الإرهاب».

وتقول الصحيفة إن تركيا استخدمت طائرات الدرونز المسيّرة من طراز «بيرقدار (Bayraktar TB2)» بكثافة في عملياتها العسكرية المستهدفة للقوات الكردية في سوريا العام المنصرم؛ ما أودى بحياة 449 شخصًا ضمن إحدى تلك العمليات، وهو ما يعادل خمس الوفيات المعلنة رسميًا وفقًا للتقرير. استُخدم هذا الطراز من الطائرات أيضًا لقتلِ ما وصفته وزارة الدفاع التركية بـ«خمسة إرهابيين من حزب العمال الكردستاني» وراء حدود العراق مع تركيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019، وهو ما عدّته الصحيفة محاكاة للضربات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في باكستان، واليمن، والصومال.

Embed from Getty Images

السرّ في اليد الذكيّة

تُصنّع شركةٌ تركية محلية طائرات بيرقدار المسلّحة الآن، وهي طائرات ما كان لها أن تتطور إلى هذا المستوى لولا حامل الصواريخ «هورنت» وفقًا للصحيفة. صممت شركة «EDO MBM Technology» هذا الحامل عام 2015، ووفرته من مقرّها في ضواحي برايتون.

تعود الصحيفة إلى مقالٍ صدر في شهر مايو (أيار) 2016 ضمن المجلة الأمريكية المتخصصة بالشؤون العسكرية «جين ديفنس ريفيو»، ويُظهر هذا المقال تزوّد مُصنّعي طائرات «بيرقدار تي بي تو» بحامل صواريخ هورنت في مرحلة التطوير الأولي الحاسمة، وقد طوّرت هذه الشركة التركية لاحقًا حواملها الخاصة. وبعد مرور أربع سنواتٍ على صدور ذلك المقال، تسيّر قوات الأمن التركية أسطولًا مكونًا من 86 من طائرات «بيرقدار تي بي تو» المسلّحة، وتنهض البلاد بقوة لتحتلّ مكانها بين أهم مستخدمي الطائرات دون طيار في جميع أنحاء العالم، وهو مجال خضع لسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة وإسرائيل بدرجةٍ أقل، وذلك حتى ثلاث أو أربع سنوات مضت.

وتقول الصحيفة: إن شركة «بيكار» التركية لم تستجب لطلباتٍ متعددة للتعليق على دور التكنولوجيا البريطانية في تطوير «بيرقدار تي بي تو»، وبعد نشر التقرير صرّح كبير المسؤولين التقنيين في الشركة المهندس سلجوق بيرقدار عبر «تويتر» بأن بيكار لم تشترِ هذه التكنولوجيا من شركة «EDO MBM Technology»، بل صممت وطورت نموذجها الخاص الأكثر تطورًا وفعاليةً بالتكلفة المناسبة.

تنقل الصحيفة عن مدير شركة «درون وورز يو كي» كريس كول قوله: «ما نراه أمامنا هو انضمام دول – مثل: تركيا – للاعبين الرئيسين في استخدام الطائرات دون طيار، وهي – مثل الولايات المتحدة – مستعدة للمشاركة في عمليات القتل الموجهة خارج حدودها». يعجّ المشهد اليوم بمصنّعي الطائرات دون طيار الجدد، بما في ذلك الصين وتركيا.. وكذلك الحال بالنسبة للمشترين الجدد، وعلى رأس القائمة الإمارات العربية المتحدة التي تسببت في انتشار الطائرات المسيرة المكثّف في الحرب الأهلية الليبية، حيث تدعم الإمارات قوات خليفة حفتر.

في هذه الأثناء دخلت الطائرات التركية من طراز «بيرقدار تي بي تو» على المشهد لتصل إلى خصومِ حفتر في ليبيا، أي إلى حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا والتي تتخذ من طرابلس مقرًّا لها. تأتي هذه الطائرات بمثابة ردة فعل على الدعم الإماراتي لحفتر، وقد تسبب صراع الطائرات المسيرة هذا في مقتلِ العشرات من الأشخاص في البلد.

تقول الصحيفة: إن «هدف الحكومة التركية انصبّ منذ فترةٍ طويلة على إرسال طائراتها المسيّرة لمواجهة الانفصاليين الأكراد من حزب العمال الكردستاني المشاركين في تمردٍ عنيف قائم منذ أمدٍ طويل في جنوب شرق البلاد، قرب حدود تركيا مع سوريا والعراق».

Embed from Getty Images

رحلة تطوير النموذج التركي

تعود الصحيفة إلى تسريبات «ويكيليكس»، وتحديدًا إلى برقية دبلوماسية أمريكية من عام 2009، كتبها سفير واشنطن آنذاك في تركيا جيمس جيفري وتفيد بالآتي: «تسعى تركيا للحصول – على نحوٍ عاجل – على قوة طائرات دون طيار (مركبات جوية غير مأهولة، درونز) لتمكينها من مواصلة العمليات المضادة لحزب العمال الكردستاني دون مساعدة أمريكية». وتقول الصحيفة إن رجب طيب أردوغان – الذي كان رئيسًا لوزراء تركيا في ذلك الوقت – قاد محاولات عديدة لشراء طائرات «بريداتور» الأمريكية المسيّرة من الولايات المتحدة، لكن الكونجرس رفضها؛ ما دفع أنقرة إلى سوك سبيلٍ مختلف.

بدأت تركيا بعدها برامجها الخاصة لتطوير الطائرات دون طيار، تحت قيادة سلجوق بيرقدار في معظم الأمر، والذي كان طالب دكتوراه طموح في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)»، وهو الآن متزوج من ابنة أردوغان الصغرى سميّة. تجلّى التقدم التكنولوجي الرئيس في ديسمبر (كانون الأول) 2015 حين نجح بيرقدار في إجراء اختبار إطلاق صاروخٍ من طائرة «بيرقدار تي بي تو» للمرة الأولى.

Embed from Getty Images

تطلب إطلاق الصاروخ المساعدة من نظام «هورنت» وفقًا للصحيفة، وهو نظام حملٍ وُرِّد إلى شركة «بيكار»، وصُمم خصيصًا لما تسميه الشركة الأم بـ«الذخائر المتناهية الصغر»، وتعني بذلك القنابل الصغيرة الخفيفة الوزن المصممة لتجنب إثقال الطائرات المسيّرة؛ ما يمكّن من دعمِ الضربات ذات الاستهداف الأدقّ والأكثر فتكًا. تعدّ هذه التكنولوجيا قطعة معدّات متطورة، حتى أن بعض الخبراء وصفها بـ«اليد الذكية» التي تضمن إطلاق الذخائر من الطائرات دون طيار على نحوٍ صحيح بعيدًا عن الطائرة، وباتجاه الإحداثيات المستهدفة المحددة بدقة.

قُدّمت أول براءة اختراع لهذه التكنولوجيا من قِبل شركة «EDO» في بريطانيا عام 2014، وفي الاتحاد الأوروبي وتركيا بعد عام، وذلك حسب ملفّ الأدلة الذي جمعه باحثٌ من مجموعة حملة «برايتون ضد تجارة الأسلحة» كيري جيبونز، وهو ملفّ تؤكد صحيفة الجارديان تحققها منه.

تمتلك شركة « L3 Harris» الأمريكية شركة « EDO MBM» المصنّعة لحامل هورنت، وتعتبر الشركة الأمريكية سادس أكبر مقاول دفاع في العالم، ولكن نظرًا لوجود الشركة المصنّعة في المملكة المتحدة يخضع هورنت للوائح الأسلحة البريطانية، وليس الأمريكية؛ ما يعني إمكانية تصدير حامل القنابل ذاك بصورةٍ قانونية وحيوية. وتشير الصحيفة هنا إلى امتناع كلّ من شركتي «L3 Harris» و«بيكار» عن التعقيب على تقنياتهما أو علاقاتهما.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
أحلام أردوغان الكبرى.. هل تستطيع تركيا مناطحة الكبار في تصدير أسلحتها؟

وبهذا الصدد، أعرب النائب المكلف بقضايا التجارة الدولية في حزب العمال البريطاني باري جاردينر عن قلقه بشأن مبيعات الأسلحة البريطانية إلى تركيا، مضيفًا أن الحزب سيجري «إصلاحات جذرية وفرعية لضوابط تصدير الأسلحة لضمان عدم استخدام الأسلحة البريطانية الصنع لقتل المدنيين الأبرياء».

أحدثت طائرات «بيرقدار تي بي تو» المسيّرة ثورةً في عمليات أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا وشمال العراق؛ ما حدّ بشدة من تحركات عناصر الحزب. تتسم هذه الطائرات بقدرتها على الطيران على مدارِ 24 ساعة على ارتفاع 7300 متر بحمولة 150 كجم، تسليحها جيد، وغدت مؤخرًا مصدر فخرٍ وطني تركي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد