بين طموحاتها وكابوس روسيا ونظام الأسد والأكراد داخليا وخارجيا، هل هناك خيارات خلاقة أمام تركيا؟

“طمحت تركيا إلى ركوب الموجة الشعبية في المنطقة، وعملت على تعزيز دورها في المجال الإعلامي الإقليمي على مدار بضع السنوات الأخيرة.. الآن تقف معزولة تمامًا.. إلا أن تراجعها فيه مخاطرة جسيمة”.

بالنظر إلى ملابسات الواقع في سوريا، وتعدد الأطراف الدولية الداعمة للطوائف المتناحرة في سوريا، وتعزيز تركيا تعاونها مع المملكة العربية السعودية، بالإضافة لأزمة اللاجئين المتفاقمة على الحدود التركية السورية، وفشل محاولات التهدئة، هل ستستمر تركيا في خطتها الحالية أم يجبرها الواقع على تغيير خطتها وصرف النظر عن دعوتها بإقامة منطقة حظر جوي على الحدود السورية لاستيعاب اللاجئين؟ تلك وغيرها من الأسئلة يتعرض لها تقرير نشره معهد الشرق الأوسط.

تركيا وكابوس الأكراد

يقول جونول تول؛ مدير قسم الدراسات التركية بالمعهد، أن تركيا بصدد مواجهة أسوأ كوابيسها، إذ أن عدويها اللدودين – الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه والأكراد وحزبهم الاتحاد الديمقراطي – يحققان انتصارات على الأراضي السورية بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية والغطاء الجوي الروسي. وقد دعت تركيا طوال فترة طويلة لإنشاء منطقة حظر جوي في شمال سوريا لحماية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ووقف حزب الاتحاد الديمقراطي من التقدم أكثر غرب الفرات. وحسب قوله تصر تركيا على وصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بأنه منظمة إرهابية ويشكل خطرًا جسيمًا على الأمن القومي التركي، ويساورها القلق من استمرار التعاون بين الولايات المتحدة والحزب.. لكن من ناحيتها تجاهلت واشنطن طلب أنقرة بإنشاء منطقة حظر جوي، بل وكثفت تعاونها مع حزب الاتحاد الديمقراطي في محاربة داعش.

التدخل الروسي

يقول الكاتب في تقريره أن تدخل روسيا في الصراع زاد الوضع سوءًا. فمنذ إسقاط تركيا طائرة روسية اخترقت مجالها الجوي في نوفمبر/ تشرين الثاني، لم يعد المجال الجوي السوري مفتوحًا أمام الطائرات التركية، وصارت الدول الغربية أكثر ترددًا في الاستجابة لطلب تركيا بإقامة منظقة حظر جوي. ويشير الكاتب في مقاله لما أوردته رويترز من أن تركيا سهلت نقل مئات المقاتلين من ريف إدلب لمنطقة عزاز في شمال حلب قرب الحدود التركية تحديدًا مرافقة القوات التركية لمجموعات من المتمردين السوريين والمعارضة المسلحة في خروجهم من محافظة إدلب، وتنقلهم لمدة أربع ساعات عبر تركيا ومعاودة دخول سوريا لدعم معقل المتمردين المحاصر في البلدة الحدودية. ومن بين تحركات تركيا أيضًا قيامها بقصف مواقع حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا؛ كمحاولة بائسة منها لوقف التقدم الكردي في شمال غرب حلب. وعلى الرغم من أن أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي تعهد بعدم السماح بوقوع عزاز في يد الأكراد، وقصف الجيش التركي للأهداف الكردية في سوريا، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي تمكن من الاستيلاء على بلدة تل رفعت الإستراتيجية في جنوب عزاز.

تفجير أنقرة

وبالنظر للموقف التركي بعد تفجيرات أنقرة الأسبوع الماضي، حيث فجر انتحاري نفسه في أنقرة، وأسفر عن مقتل 29 وإصابة 60 على الأقل، يقول الكاتب أن تركيا ظنت أن الفرصة مثالية لبناء حجة محكمة تدعم بها دعوتها. فبعد ساعات من الهجوم، أعلن أوغلو عن هوية الانتحاري أنه مواطن سوري كان منتميًا لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. إلا أن مجموعة كردية أخرى مسلحة تدعى صقور حرية كردستان، والتي تورطت من قبل مع حزب العمال الكردي المحظور في تركيا، أعلنت مسؤوليتها عن الحادث. كما أظهرت التحقيقات وتحليل الحامض النووي للانتحاري أنه من أصول تركية وينتمي لحزب صقور الحرية الكردستاني، لكن ما زالت الحكومة التركية تصر على لوم حزب الاتحاد الديمقراطي. وفي 24 فبراير صرح داوود أوغلو قائلًا: “البعض يشير إلى حزب العمال الكردستاني فقط لتبرئة الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، لذا أرادوا من تنظيم فرعي لحزب العمال أن يعلن مسؤوليتهم عن الحادث”. وبالتالي يستمر حزب الاتحاد الديمقراطي في الحصول على الدعم الدولي. وذلك وفقا لما نشره موقع حرية ديلي نيوز التركي في مقال بعنوان “لا شك أن حزب الاتحاد الديمقراطي وراء التفجير”.

ومن جانب آخر، يقول الكاتب أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعتزم تغيير مسار علاقتها مع حزب الاتحاد الديمقراطي، فقد أصدرت واشنطن عدة تصريحات تدعو فيها تركيا إلى وقف قصفها لأهداف حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا، وكررت مؤكدةً على استمرار تعاونها مع الأكراد.

هل تغير خطتها؟

طمحت تركيا إلى ركوب الموجة الشعبية في المنطقة، وعملت على تعزيز دورها في المجال الإعلامي الإقليمي على مدار بضع السنوات الأخيرة.. الآن تقف معزولة تمامًا. يقول الكاتب أنه مع ذلك، إذا فكرت تركيا في التراجع الآن فهي تخاطر بالكثير. ففي محاولة أخيرة لتغيير الديناميكية على الأرض، يبدو أن تركيا بدأت في تنفيذ خطة أخرى.

التعاون التركي السعودي

ففي محاولة لحمل الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ بعض الإجراءات في سوريا، صعدت تركيا تعاونها مع المملكة العربية السعودية. ووفقا لما ذكرته الإندبيندينت البريطانية في مقال بتاريخ 13 فبراير: أعلنت تركيا مؤخرًا أن السعودية كانت ترسل قوات وطائرات مقاتلة إلى قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، وكانت الدولتان على استعداد لإطلاق عملية برية إذا ما توصل الغرب لإستراتيجية شاملة موجهة ضد داعش. ويبدو أيضًا أن تركيا والمملكة العربية السعودية اتخذتا خطوة لإعادة تنظيم الجماعات المتمردة لتشكيل جبهة موحدة ضد النظام السوري والقوات الكردية التي تطوق حلب. في الأسبوع الماضي، تم بالفعل تشكيل تحالف جديد للمتمردين يدعى جيش حلب، ويتألَّف من عدة فصائل من المتمردين والمعارضين المسلحين في سوريا بما في ذلك الإسلاميون وألوية الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا والمملكة العربية السعودية. وتأمل أنقرة أن التحالف الجديد الذي تعهد بالولاء لهاشم الشيخ – قائد أحرار الشام السابق – يمكنه أن يوقف تقدم حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات النظام السوري التي تطوق مدينة حلب.

يضيف الكاتب أن أنقرة تعتزم خلق منطقة عازلة على الأرض السورية، فتركيا ترفض فتح حدودها للسماح بدخول السوريين النازحين من حلب، الفارين من القتال الدائر هناك، فهي تقول أنها بالفعل وصلت للحد الأقصى الممكن لاستيعابها أعدادًا من اللاجئين. وتعهدت بأنها ستحرص على تلبية الاحتياجات الإنسانية للاجئين السوريين على الجانب الآخر من الحدود التركية مع سوريا، في المخيمات على الأراضي السورية. إلا أن الكاتب يشير إلى أنه من الناحية الفنية، يمكن لتركيا استيعاب أعداد أخرى من اللاجئين على أراضيها، لكن بدلًا من ذلك تتجه أنقرة لتأمين الدعم الإنساني إذا ما أقيمت معسكرات تحت إدارة عسكرية على الأراضي السورية. وفي ذلك تجديد لدعوة تركيا بإقامة منطقة حظر جوي لحماية المدنيين الذين يعيشون في تلك المخيمات. يذكر أن المخيمات التي أقامتها بالفعل على الأراضي السورية تستوعب حوالي 77000 لاجئ. وتتوقع الحكومة التركية أن في حال زاد عدد اللاجئين فيها ليصل إلى 400000 ، سيضطر حينها حلف شمال الأطلسي لإنشاء منطقة حظر جوي، وذلك وفقا لما ذكره عبد القادر سلفي كاتب بارز في صحيفة يني شفق التركية.

وجود منطقة حظر جوي في شمال سوريا قد لا يخفف العبء فقط على اللاجئين في تركيا، لكنه أيضا يمنع حزب الاتحاد الديمقراطي من السيطرة الكاملة على عزاز، وربطها ببقية المناطق الكردية. إلا أن حلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي لا يبدو أنهم سيوافقون على مجاراة تركيا في خطتها. كما أن الولايات المتحدة قاومت دعوات تركيا، ومن غير المرجح أن تغير توجهها في عام الانتخابات الرئاسية! علاوة على أن القادة الأوروبيين مترددون بشأن تلك الخطة، فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يساورها القلق أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يقدم على اختبار صبر الناتو، في حين أنها تحاول قدر الإمكان عدم استفزاز موسكو.

دعوات للحكومة بتغير مسارها، هل تستجيب؟

ويختتم الكاتب مقاله بمحاولة لاستشراف المستقبل ويقول ربما يثبت قريبا أن إعادة ترتيب وكلاء المتمردين في سوريا هي محاولة فاشلة أخرى، فمع القوات الجوية الروسية الداعمة للأكراد والنظام السوري، ومع غياب أي قدرات مضادة للطائرات على الأرض، فالتحالف الجديد لن يسعه فعل الكثير لترجيح كفة التوازن العسكري لصالحه.

يضيف أيضًا أن المعايير المتغيرة في سوريا قيدت مساحة تركيا في المناورة، ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد في مستقبل أقل سوءًا لأنقرة بالنظر للوضع الحالي. الكثير من الدوائر في الحزب الحاكم في تركيا “حزب العدالة والتنمية” تعلم أنها تنفد من أمامها أي حلول جيدة خلاقة في سوريا. العديد من الكتاب البارزين الموالين للحكومة خاطروا مؤخرًا وعبروا عن قلقهم، ودعوا الحكومة لتغيير مسارها في سوريا. لكن هل يستجيب الرئيس طيب أردوغان لتلك الدعوات أمر متروك للمستقبل، ولا يسعنا سوى الانتظار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد