في ظل الاضطرابات التي تعم شوارع السودان على خلفية الاحتجاجات التي أجهزت على حكم عمر البشير للبلاد الذي استمر 30 عامًا، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة أمام الجميع. لكن بينار تريمبلي، الباحثة في العلوم السياسية وكاتبة الأعمدة لموقع «المونيتور»، ترى أن تركيا باتت مصالحها على المحك في الوقت الحالي، فضلًا عن أن التحالف السعودي-الإماراتي-المصري ليس مستحبًا بين صفوف المتظاهرين.

السودان ونهاية حقبة العلاقات الاستثنائية

وأوضحت بينار في تقريرها أن السودان، الذي يعيش حالةً من الاضطراب منذ إزاحة الرئيس عمر البشير عن كرسي السلطة، كان بلدًا تتمتع تركيا بعلاقات وثيقة وعالية المستوى معه على نحو مفاجئ. إذ زار رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، السودان في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، مما دفع البشير إلى الرد بزيارة رسمية من جانبه رغم حجم الجدل الذي أحدثته.

أفاد التقرير بأن الصادرات التركية إلى السودان نمت في ظل الوجود التركي المفاجئ داخل جزيرة سواكن، والاتفاقيات العسكرية غير المتوقعة. وحين أطيح البشير في أبريل (نيسان)، أعرب أردوغان عن غضبه قائلًا إن الانقلاب يستهدف المصالح التركية في الواقع. وفي يونيو (حزيران)، نظمت «جمعية الصداقة التركية السودانية» تظاهرةً في إسطنبول لمناهضة التدخل العسكري السوداني.

وقال باحث مختص في الشؤون العسكرية والاستخباراتية، رفض ذكر اسمه، ويعمل في جامعة حكومية: «بدا وكأن الانقلاب يستهدف تركيا، لأننا فشلنا في الاستثمار مع أطراف أخرى بخلاف البشير الذي كان في طريقه إلى الخروج الحتمي. وتوفر تركيا منحًا دراسية للطلاب السودانيين، وتتفاخر بحجم روابطهم الثقافية الرائعة، ولكن ما العائد من تلك الاستثمارات في حقبة ما بعد البشير؟ وهل سنعرف حجم الخسائر التركية في السودان على الإطلاق؟».

وساد الهدوء المواقف الرسمية التركية في ما يتعلق بتطورات الأوضاع داخل السودان منذ نوبة الغضب الأولى التي انتابت أردوغان وفقًا للتقرير، باستثناء القليل من البيانات الروتينية التي تصدر عن وزارة الخارجية.

ولا شك أن مصر والسعودية والإمارات تتمتع بعلاقات مع الطغمة العسكرية في السودان، تبدو وكأنها أوثق من علاقات العسكريين السودانيين مع المحور التركي-القطري. ولكن بينار تساءلت عما إذا كان ذلك يعني أن أردوغان لم تعد أمامه مساحة للمناورة في مستقبل السودان بعد الانقلاب.

Embed from Getty Images

اتفاقيات على المحك

يرى بعض الباحثين أن هناك أسبابًا تدعو للتفاؤل بمجرد استقرار الأوضاع السياسية السودانية، بحسب التقرير، لكن الغالبية تتفق على نجاح أردوغان في العلاقات الفردية عالية الخطورة والقائمة على المصافحات الشخصية.

وتستند تلك العلاقات، التي لا ترد الكثير من تفاصيلها في السجلات الرسمية، إلى الثقة المتبادلة والقليل من الشفافية. إذ يمكن أن تنهار تلك العلاقات وتصبح الاستثمارات والوعود باطلةً ولاغية، في غياب الهيكلية المؤسسية المناسبة، حين يخرج أحد الزعماء من الصورة.

وقال دبلوماسي يعمل داخل أفريقيا منذ ثلاث سنوات، في تصريح لموقع «المونيتور»: «كانت هناك واجهة لإعداد مؤسسي في المعاهدات والزيارات وما إلى ذلك. لكن العطاءات والعقود كانت تمنح من خلال نظام المحسوبية المحلي».

ولا شك أن العلاقات المالية معقدة للغاية. إذ كشف تقرير إخباري حول إنتاج الزي العسكري النيجيري عام 2017 مثلًا، عن استثمار من شركة منسوجات تركية تحمل اسم «سور تيكستايل ميلز». وقال التقرير إن الجيش القطري يملك نسبة 33% من أسهم الشركة، وكذلك الحكومة السودانية.

وأكد الدبلوماسي وجود الكثير من الشركات المماثلة التي تتمتع بعلاقات مع تركيا وكانت تعمل داخل السودان. وقال: «غادر غالبية المستثمرين من حاملي الجنسية القطرية أو التركية السودان، ولكن ما تزال هناك الكثير من الاستثمارات الأكبر مثل مطار الخرطوم».

وأورد التقرير أنه في أعقاب سلسلة من المحاولات الفاشلة من طرف مختلف البلدان، أعلنت شركة «سوما» التركية للإنشاءات في عام 2018 أنها ستشرع في تشييد مطار جديد داخل الخرطوم بتكلفة 1.15 مليار دولار خلال عام واحد. وشدد الدبلوماسي على أن «السكان المحليين تساورهم الشكوك حول كيفية إنهاء هذا المشروع، ليس لأن الشركة تركية الجنسية، ولكن لأن المشروع تأجل في أكثر من مناسبة سابقة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من الشركات التي تتمتع بعلاقات داخل تركيا تخضع للتدقيق من الحكومة الجديدة بسبب علاقاتها الوثيقة مع حكومة البشير. ورغم أن تركيا تسعى جاهدةً لإصدار بيانات رسمية تقول فيها إنها ترغب في إقامة علاقات ودية مع شعب السودان، لكن المجلس العسكري لن ينسى الروابط الوثيقة التي جمعت أردوغان بالبشير، أو حقيقة أن أردوغان وصفه بـ«أخي». إذ أن العلاقات الدافئة مع الزعماء الأجانب تعني أنه قد حان وقت دفع الثمن».

إذ استأجرت تركيا مثلًا 7,805 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية السودانية لمدة 99 عامًا، بحسب التقرير. وفي أعقاب الانقلاب، سأل إلهامي أوزجان أيجون، النائب البرلماني المعارض من «حزب الشعب الجمهوري»، الحكومة حول ما سيحدث لذلك التعاقد ومدى تأثيره على الإنتاج الزراعي التركي الذي يعاني بالفعل.

وطرح أيجون سؤالًا مصيريًا على الحكومة حول ما إذا كانت تستطيع إعادة التفاوض على ذلك التعاقد أو الحديث إلى المجلس العسكري. في حين أكد علي أكبر يلدريم، الصحفي المتمرس، أن السودان أبطل الاتفاقية بالفعل.

Embed from Getty Images

ورغم ذلك، لم ينته الوجود التركي في السودان بالكامل حتى الآن وفقًا لتقرير «المونيتور». إذ قالت «هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات» في 21 يونيو (حزيران) إنها افتتحت للتو خمسة مساجد إضافية في السودان. وهناك 16 مسجدًا تموله الهيئة حاليًا، إلى جانب إنشائها لخمسة مساجد إضافية.

لكن بينار ترى أن مصدر القلق الأكبر للبلدين يكمن في ما سيحدث للاتفاق الذي يشمل جزيرة سواكن. إذ كتب الفريق أول عبد الفتاح برهان، رئيس «المجلس العسكري الانتقالي»، تغريدةً قال فيها إن سواكن هي «جزء لا يتجزأ من السودان». ونفى وزير الخارجية التركية فورًا إلغاء الاتفاقية، وركز على الأهداف الثقافية والمدنية للوجود التركي في الجزيرة. وانتشرت الكثير من العلامات التحذيرية على مواقع التواصل الاجتماعي قبيل تعليقات برهان، من دول الخليج تحديدًا، حول أن الوجود التركي غير مرحب به.

وتحدث موقع «المونيتور» إلى فيديريكو دونيلي، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية في جامعة جنوة الإيطالية وزميل زائر في «مركز الدراسات التركية الحديثة» بجامعة إسطنبول شهير، الذي قال إن شروط العقود الاقتصادية الخاصة بسواكن سيعاد التفاوض عليها على الأرجح وربما تلغى من الأساس.

وأضاف: «نصت الاتفاقية على ترميم المباني العثمانية القديمة وتجديد الميناء. وكانت الصفقة مرتبطةً رسميًا بوكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، لكن الجميع كان يعلم بصفة غير رسمية أن الميناء كان من المحتمل أن يتحول إلى موقع عسكري تركي محتمل في البحر الأحمر». وأضاف إن ذلك الأمر أثار قلق السعودية نظرًا لقربها الجغرافي، والإمارات بسبب الاستخدام التركي المحتمل للميناء، ومصر لأن ذلك قد يحول الميناء إلى ملاذ لجماعة الإخوان المسلمين.

وتابع دونيلي قائلًا: «أعتقد أن الامتياز الذي حصلت عليه تركيا لتشغيل سواكن سيسحب، رغم حقيقة أن أعضاء المجلس العسكري الانتقالي أعلنوا حتى الآن أنهم يرغبون في إعادة مناقشة بنود الاتفاقية، لكن الحكومة الانتقالية لديها مشكلات أخرى يجب التعامل معها أولًا».

وأعرب كان ديفيسيوجلو، الباحث في «جمعية الباحثين حول أفريقيا»، عن قناعته بأن المشاريع التركية في السودان ستنجو رغم الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد، قبل أن تستكمل بالتزامن مع انفراج الأزمة. وأضاف ديفيسيوجلو أن السودان هي واحدة من أصل 55 دولةً أفريقية، وأن انتقال السلطة بها لا يجب أن يهدد الانفتاح التركي الشامل على أفريقيا.

وحين سئل عما إذا كان التحالف السعودي-الإماراتي-المصري قادرًا على تولي دور تركيا وقطر، أكد ديفيسيوجلو على نقطتين مصيريتين. الأولى هي أن علاقات السودان مع تلك الدول ليست جديدة. والثانية هي أن هناك نقدًا شعبيًا واضحًا ومناهضًا للدول التي تضمها الكتلة السعودية، مما قد يكون في مصلحة تركيا بحسب ما أورده التقرير.

Embed from Getty Images

وقال دونيلي: «قد يبدو أن قطر وتركيا تخسران من هذه الوضعية، ولكن على النقيض، أعتقد أنه بإمكانهما الاستفادة من تلك التطورات وإعادة إحياء طموحاتهما»، بحسب ما أفاد به الموقع. وأردف أن الاحتجاجات في السودان هي احتجاجات مناهضة للجيش، والسعودية والإمارات على حد سواء، نظرًا لدعمها للجيش.

وتابع حديثه قائلًا: «يعد الانتقال إلى الحكم المدني خطوةً للوراء بالنسبة للملكيتين الخليجيتين، مما يمهد الطريق أمام قطر وتركيا لاستغلال الفرصة». وأعرب عن قناعته بأن أفضل خيار لتركيا وقطر من أجل الحفاظ على مصالحهما الشخصية هو تبني سياسة الانتظار والترقب دون تدخل.

وأضاف: «سيكون من الضروري أن تقدم تلك الدول نفسها بوصفها دولًا محاورةً موثوقة في أعين المتظاهرين. ولا توجد داخل السودان حاليًا جماعات إسلاموية قويةً بما يكفي، أو مستقلةً عن النظام القديم، لتمتلك القدرة على الاستفادة من الاحتجاجات وتحريكها. لذا، سيتعين على قطر وتركيا أن تدخلا بعض التغييرات على خطاباتهما على الأرجح».

وقال دونيلي إنه رغم افتقار أنقرة لاستراتيجية شاملة داخل أفريقيا، «لكن تركيا تمكنت من تكوين صورة إيجابية في عيون الشعب الأفريقي، بفضل مجموعة واسعة من تدخلات المساعدات الإنسانية والتنموية. إلى جانب الخطاب الذي قدم تركيا بوصفها طريقًا بديلًا ثالثًا أمام الأطراف التقليدية من خارج المنطقة، فضلًا عن القوى الناشئة مثل بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)».

وأوضح أن تركيا ما تزال قادرةً على الاستفادة من الوضع السوداني، بحسب التقرير، لكن الأهم بالنسبة لتركيا هو أن يتوقف المسؤولون الأتراك للحظة من أجل إصلاح الأخطاء التي ارتكبوها وعلاج نقاط الضعف في استراتيجية البلاد تجاه أفريقيا.

بعد سقوط «صديق الجميع».. ما مصير الاستثمارات القطرية التركية في السودان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد