يُعَزِّز التدخل العسكري التركي في شمالي سوريا الدعم المحلي للقوات المسلحة في تركيا، ولكنه يثير أيضًا مشاعر الشك والخوف والغضب في بلد منقسم سياسيًّا، يدرك أنه يعاني كثيرًا بسبب الصراع المستمر، منذ ثماني سنوات في سوريا الواقعة على حدوده الجنوبية الشرقية.

ذكرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية – في تحليل لمراسلها للشؤون الدولية بورزو دراغاي بعنوان «الأتراك يستجيبون للهجوم العسكري في سوريا بمزيج من الخوف والفخر: الحرب محاولة لتقسيم المعارضة»- أن العملية العسكرية التركية في شمالي سوريا أثارت العديد من الأصوات المعارضة، وهي نتيجة محتملة للانفتاح السياسي المتزايد نسبيًّا في تركيا.

وقد أطلقت تركيا يوم الأربعاء الماضي، عملية عسكرية لإنشاء ما تُسميها «منطقة آمنة» في الشمال الشرقي لسوريا، حيث قصفت أهدافًا في الأراضي التي تسيطر عليها الآن منظمة سياسية سورية- كردية، تصنفها أنقرة على أنها منظمة إرهابية وفرع لجماعة انفصالية، تعدها تهديدًا للسلامة الإقليمية للبلاد.

ردود فعل متباينة

في حين أن العديد من مؤيدي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه العدالة والتنمية، أشادوا بالتدخل العسكري وسيلةً لتخليص تركيا من تهديد الانفصاليين، ووسيلة لإعادة توطين مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في بلدهم، فإن أصواتًا قوية مشككة ظهرت على الساحة، وفقًا للصحيفة.

ففي يوم الثلاثاء الماضي، وزَّع حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في تركيا – الذي يهيمن على كتلة كبيرة في البرلمان ومعظم المدن الكبرى في البلاد- بيانًا يشكك في سياسة أردوغان حيال سوريا، ويحث على اتباع نهج جديد.

وورد في البيان، الذي انتقد سياسة أنقرة المتمثلة في تسليح الجيش السوري الحر المتمرد، والتدخل بشكل متكرر داخل سوريا: «لقد جعل الحزب الحاكم تركيا أحد الأطراف المسؤولة الرئيسية عن الحرب المدمرة في سوريا، من خلال السياسات الخاطئة المتبعة بإصرار منذ عام 2011، رغم كل التحذيرات منها».

كما جاء في البيان، الذي دعا إلى إجراء مفاوضات مع نظام الرئيس السوري، بشار الأسد: «لقد دمَّر الحزب الحاكم مجاله الخاص للمناورة، وأُرهِق بقراراته وتقديراته الخاطئة، وهواجسه التي تغذيها سياساته المغامِرة والطائفية. لقد اتخذت إدارات حزب العدالة والتنمية خياراتها لصالح الحرب بدلًا من السلام، مما أدى إلى نزاعات طويلة الأمد واستمرار تأجيل السلام».

زخم نحو التوغل البري

يبدو أن الزخم نحو التوغل البري في ازدياد. فقد أفادت وسائل الإعلام المحلية التركية يوم الأربعاء بوصول أرتال تقل قوات خاصة تركية، ودبابات وناقلات جنود مدرعة، ومدفعية، بالإضافة إلى عشرات الشاحنات تنقل حوالي ألفين من مقاتلي الجيش السوري الحر، بالقرب من الحدود السورية جنوب مدينة أورفة التركية، بينما كانت تنتظر مغادرة القوات الأمريكية جزءًا من صفقة جرى التفاوض بشأنها مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بحسب الصحيفة.

ويطالب أردوغان منذ فترة طويلة بإنشاء «منطقة آمنة» تخضع لتأثير تركيا في الشمال الشرقي لسوريا، مساحةً لتخفيف ضغط أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا، ووسيلةً لتدمير الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا، وهي منطقة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، تأخذ صفات الدولة الناشئة هناك، ويديرها فرع حزب العمال الكردستاني، وهو جماعة انفصالية تقاتلها أنقرة منذ عقود.

ومع ذلك، بدأت سياسات أردوغان حيال سوريا تؤذيه هو وحلفاءه سياسيًّا، إذ تؤجج المشكلات الاقتصادية نار العداوة التركية، المتوقدة جذوتها منذ أمدٍ بعيد، تجاه السوريين الناطقين باللغة العربية. وبمساعدة من الحلفاء المحليين، أنشأت تركيا بالفعل العديد من مناطق النفوذ الناجحة نسبيًّا، والمستقرة في الغالب، في شمال وشمال غربي سوريا، على حد قول الصحيفة.

وقد نشرت وسائل الإعلام الإذاعية في تركيا – معظمها موالية للحكومة- خبرًا مشحونًا بالقومية المتطرفة عن التدخل العسكري، إذ أعلنت قناة «أهابر» التلفزيونية الإخبارية عبارة: «أيدينا على الزناد على الحدود السورية».

وفي البرلمان، أيَّد حزب العدالة والتنمية، وحزب الشعب الجمهوري، وحزبان معارضان وطنيان آخران، يوم الثلاثاء، اقتراحًا عامًا للسماح للقوات المسلحة التركية بالمشاركة في عمليات عبر الحدود في سوريا، بينما عارضه حزب الشعب الديمقراطي الذي يقوده الأكراد. وعبَّرت شخصيات معارضة عن دعمها للقوات المشاركة فيما يُطلق عليه «ربيع السلام» أو «تيار السلام».

وكتب قائد حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، على موقع «تويتر»: «دعواتنا بأن يعود جنودنا الأبطال إلى بلدهم بخير وسلام، بعد إنجاز عملية تيار السلام بنجاح. عسى الله أن يحفظهم ويقودهم إلى المجد».

الحرب محاولة لتقسيم المعارضة

مع ذلك، بدلًا من توحيد الأتراك صفوفهم خلف قواتهم المسلحة، أثارت العملية العديد من الأصوات المعارضة، وهي نتيجة محتملة لزيادة الانفتاح السياسي منذ خسارة الحزب الحاكم في الانتخابات البلدية، في وقت سابق من هذا العام. وكان الوسم (الهاشتاغ) SavasaHayir# أو «لا للحرب» من بين الموضوعات الأكثر تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، وفقًا لصحيفة «إندبندنت» البريطانية.

وقال الصحفي التركي المنفي جان دوندار: «الحرب هي محاولة من أردوغان لتقسيم جبهة المعارضة باستخدام عَلَم القومية. فإذا سقطت المعارضة في هذا الفخ بقول إنها قضية وطنية، فإن المعارضة ستبدو متناقضة، وأنها تلقي البلاد في أزمة. لهذا السبب يجب أن نقول لا للحرب».

وقال حزب الشعب الديمقراطي، في إشارة إلى المجمع الرئاسي الضخم، الذي شيَّده أردوغان في أنقرة: «هذه الحرب ليست حربًا للشعب، لكنها حربًا للقصر».

وينطوي انتقاد الحرب على مجازفة. فقد اعتقلت السلطات التركية أكثر من 800 شخص كانوا ينتقدون تدخل العام الماضي في عفرين، وهي منطقة معزولة يسيطر عليها الأكراد في شمال غربي سوريا، بحسب الصحيفة.

وعلى عكس التدخلات السابقة، بما في ذلك التدخل في منطقة كان يسيطر عليها الأكراد سابقًا، أثارت العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا أيضًا انتقادات وقلقًا قويًّا من جانب الكونغرس الأمريكي، واللاعبين ذوي السلطة في واشنطن، والقادة الأوروبيين، وإيران المجاورة، وحكومة إقليم كردستان في شمالي العراق، ومعظم دول العالم العربي.

وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط: «هذه العملية المخطط لها تمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة السورية، وتهدد وحدة الأراضي السورية، وتفتح الباب لمزيد من التدهور في الأوضاع الأمنية والإنسانية».

حتى إن ترامب – الذي أعطى الضوء الأخضر للعملية التركية من خلال تعهده بسحب مئات الآلاف من القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا- حذر في تغريدة غريبة على موقع «تويتر» من أنه «سيدمر اقتصاد تركيا ويمحوه تمامًا» إذا انتهكت أيًا من خطوطه الحمراء غير المحددة في سوريا، مما أدى إلى عمليات بيع واسعة لعملة البلاد، على حد قول الصحيفة.

وقالت أصوات المعارضة إن تركيا خاطرت بالعزلة الدولية، من خلال التدخل العسكري في سوريا، بكلمة فقط من ترامب غير الجدير بالثقة، غطاءً دبلوماسيًّا لها.

وكتبت صحيفة «جمهوريت» المعارضة: «في حين دفعت عملية الجيش التركي (الأكراد السوريين) ليصبحوا أكثر قربًا من دمشق، فإن تغريدات ترامب الملتوية ما زالت مستمرة. إنهم يلعبون مع تركيا».

وقال آخرون – بسخرية- إنه ربما يُظهر ترامب الحِكمة من خلال السعي لمغادرة قواته سوريا، وتسليم القضايا الشائكة إلى تركيا مثل مئات السجناء من عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في مراكز الاحتجاز في شمال شرقي سوريا. وقال المحلل كريم هاس: «بينما يحاول الجميع في سوريا تنظيف أيديهم، تحاول أنقرة وضع يدها في أوساخ أكثر».

عواقب التدخل العسكري

يشعر الأتراك بالقلق أيضًا من أن التدخل العسكري قد يضعهم على طريق المواجهة المباشرة مع تنظيم «داعش» المستفحل، الذي قِيل إنه شن هجومًا متعدد الجوانب، أسفر عن مقتل وإصابة 25 من المقاتلين الذين يقودهم الأكراد في مدينة الرقّة – المعقل السابق لتنظيم داعش في شمالي سوريا- يوم الثلاثاء.

وذكرت وزارة الدفاع التركية أنها تقاتل «داعش» محليًّا وخارج حدودها على حدٍ سواء.

وأشارت صحيفة «إندبندنت» البريطانية إلى أن زعماء المعارضة السياسية السورية المتحالفة مع تركيا، بدوا مهيئين لتولي زمام الحكم في شمال شرقي سوريا. فقد أخبر نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري، عقاب يحيى، دبلوماسيًّا غربيًّا يوم الثلاثاء بأن منظمته قد بدأت بالفعل في وضع خطط للأمن والإدارة في المنطقة التي تمتد من نهر الفرات شرقًا، إلى الحدود العراقية.

ومع ذلك، وصف النقاد التدخل بأنه مناورة أخيرة خطيرة من جانب أردوغان لإنقاذ سياسة سوريا، التي يعدها العديد من الأتراك كارثة مستمرة كلّفت بلادهم عشرات المليارات من الدولارات. وقد أصدرت وكالة التصنيف المالي «إس و بي» مذكرة يوم الأربعاء تحذر فيها من أن التوغل «يثير مخاطر بالنسبة لعملة تركيا وميزان المدفوعات»، من خلال الإضرار بإيرادات السياحة.

وكتب الاقتصادي التركي مصطفى سونميز: «إن الحرب فرع متهاوٍ يتشبث به حزب العدالة والتنمية، الذي يقترب من الوهن. الحرب عبارة عن مستنقع وستعمِّق الأزمة. لقد أصبح الناس متشائمين، وقد انخفض الإنتاج والاستهلاك، والبطالة آخذة في الارتفاع. كما تشهد الأسعار ارتفاعًا، والضرائب لا تنتهي أبدًا».

«الإندبندنت»: «نبع السلام».. العملية العسكرية التركية التي ستثير غضب الجميع

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات