بدأت إليف شافاق، الكاتبة والروائية التركية الشهيرة، مقالها المنشور على موقع «الجارديان»، أنّ الأتراك لا يزالون مؤمنين بالديمقراطية، والحقوق المدنيّة، ولكنّهم مُحاطون بخطابات أردوغان السياسية، وعليهم أن لا ينسوا هذه القيم.

وتُخبر الكاتبة عن نشأتها في تركيا، أنها كانت تجتمع مع العائلة والأصدقاء، كل إجازة نهاية أسبوع لمشاهدة الأفلام الغربيّة، وتذكر الكاتبة أنّ جون واين يتحدث التركيّة بطلاقة، أما كلينت إيستوورد فكان يتكلم بشكل متقطع لهجة أهل إسطنبول.

وتقول الكاتبة: «صور قُرى رُعاة البقر في الأفلام، بمناظرها الطبيعية الكئيبة، مألوفة لدينا، فهي تشبه الكثير من الأماكن في الأناضول»، وأنّ مسلسل «دالّاس» الأمريكي، أحدثَ ضجة كبيرة في أوساط تركيا، استمرت لعدة سنوات، ولم يكن يوجد شخصٌ في الشوارع، ساعة عرضه على التلفاز. وتذكر أيضًا: «كُنّا أمّةً تعيش أحداث قصة عائلة إوينج، وكانت جدتي تشتم وتلعن الإبن جي آر. لم نكن نحن (الأتراك) نشاهد المسلسل باعتباره أمريكيًا أو غربيًا».

تسهب الكاتبة قائلة: «لم نشعر بمشاعر عدائية تجاه أوروبا، ولم يكن هُناك الخطاب المعادي للغرب، وهذا أكثر ما يجعلني أرتاب، كلما تذكرت الماضي». تركيا ليست كالجزائر أو المغرب، فهي لم تخضع ولم تُستعمر، ولا تحمل في ذاكرتها الجمعيّة الاستعمار وأثره. قديمًا، كان يشعر الأتراك أنهم جزءٌ من الغرب، أو أوروبا؛ على الرغم من أن معظم الأوروبيين لم يرغبوا بذلك.

وتستطرد الكاتبة: أنّ وطنها تركيا، يعيش خلال السنوات الماضية حالة انعزالٍ وانكفاءٍ تام، ولَّدَ شعور العداء تجاه أوروبا، وكلُّه بسبب الحكومة السلطوية، التي زادت في ظاهرة القومية المتطرفة، والأصولية الدينية؛ مما أدى إلى التحيز الجنسي، وعدم المساواة بين الجنسين، حيث سُجّلت نسبة ارتفاع 25% العالم الماضي؛ لحالات القتل ضد المرأة. الجيل القادم يُعرَّض إلى الخطاب الرجعي، المعبأ بالأفكار القوميّة والعرقيّة، وخطاب اليمين الشعبوي.

تذكر الكاتبة أنه لا عودة بعد اليوم إلى الوضع الطبيعي، حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ، التي أقرها الرئيس طيب أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

أعلنت قناة تي أر تي (المدعومة من الحكومة التركيّة) الأسبوع الماضي، إيقاف عرض أفلام رُعاة البقر. وفي بداية النزاع التركي الأمريكي، اضطر الرئيس ترامب فرض العقوبات المالية على حليفه في الناتو؛ وازدادت الليرة التركية ضعفًا فوق ضعفها الأصلي، بسبب السياسات الاقتصادية لحزب العدالية والتنمية، ودورها غير الديمقراطي. في المقابل، طالبَ أردوغان، الأمة التركية بمقاطعة المنتجات الأمريكية الإلكترونية قائلًا:«إذا كانوا يملكون الأيفون، فهنالك سامسونج، ونملك منتجنا التركي فيستل»، وطالبت الحكومة المواطنين بتحويل الدولار إلى الليرة التركية. وتقريبًا كل يوم، خلال شهر أغسطس (آب)، تُعلمنا القنوات المناصرة للحكومة، طرق بارعة للاحتجاج ضد أمريكا والغرب.

أحرق والدُ من مدينة أضنة، الجوازات الأمريكية لأولاده، كما أحرقت مجموعة قومية متطرفة رزمة من الدولارات أمام كاميرات التلفاز. صرح المتحدث باسم الحكومة قائلًا: «سنتجاوز الأزمة، ونجعل من كاهنهم إمامًا»، إشارة إلى القسّ أندريو برنسون، المسجون لمدة عامين، والذي نُقل بعد ذلك للإقامة الجبرية. أما في موغلا، جنوب غرب تركيا، قدَّمَ فرحات دولار (Ferhat Dolar)، طلبًا إلى المحكمة لتغيير اسم عائلته.

تقول الكاتبة أن ليس جميع الأتراك يتبنون القوميّة المتطرفة، وتمُثل النماذج المُبهرجة في الشوارع الأقليّة من الشعب. ولكن في دولة، تخضع المعارضة فيها للقمع والرقابة، بينما يركز الإعلام على مشاهد كإحراق الجوازات أو الدولار أو تغيير الاسم، وإذا رفض شخصٌ المشاركة في هذه المسرحية يطلق عليه لقب «خائن».

ما يحدث في تركيا تحولٌ ثقافيٌ كبير، يتجلى في التفاصيل اليومية الصغيرة. وتذكر الكاتبة: «نحن نُدفعُ دفعًا إلى القبلية الاصطناعية، ويعبأ في أذهاننا أننا مختلفين عن الغرب، عرقيًا، ودينيًا، وتاريخيًا، وأننا لن نكون جزءًا منهم».

وأضافت الكاتبة أنّ الثقافة ساحة المعركة، فالعلمانية بدأت تتلاشى في مقابل ارتفاع عدد من المدارس الدينية؛ مُسحت نظرية التطور من المناهج الدراسية، والآن يُعاد تشكيل التعليم على الأسس الدينية والقوميّة. ومبتغى أردوغان واضح، توليد جيلٍ تقيّ.

يُصنِّف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون تركيا على أنها معادية لأوروبا، وذكر: «لم تعد تركيا في عهد أردوغان، كتركيا في عهد مصطفى كمال أتاتورك». التوجهات المرسومة من تركيا ضد الغرب؛ سيتبعها عواقب سلبية للأتراك وللغرب، ويعتبر التحدي الحقيقي للساسة الأوروبيين، الدفاع عن الديمقراطية، في زيادة تلاشيها في كثيرٍ من الدول.

تتحدث الكاتبة بأنه لا بد من وجود طريقة جديدة، أكثر انفتاحًا وأوسع نقدًا على سلوك الحكومات الاستبدادي، وسجلهم المخزي ضد حقوق الإنسان، وضد الديمقراطية وحريّة التعبير. ولكن في الوقت نفسه، تقول الكاتبة أنه: «علينا الانحياز للمجتمع المدني، وللدول التي تعاني الناس فيها من الآلام. علينا أن نُدرك الفوارق بين النخبة وطبقة الشعب العامة، بعيدًا عن خطاباتٍ، كخطابات أردوغان الذي يقدم نفسه ممثلًا عن إرادة الشعب».

دور الانعزاليين الآن؛ عزل الأراضي وإبعادها عن القيم الغربية. لا يريد الإسلاميون والقوميون في تركيا، الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ففائدتهم الوحيدة تأتي من تصاعد التوترات.

تقول الكاتبة مستهجنة تلاعب الدراما الدولية، في ظل محاكمة وسجن الحكومة التركية الصحفيين، والنشطاء في المجتمع المدني. ما زال عثمان كفالا في السجن، المعروف بعمله الدؤوب تجاه قضايا السلام، مسجون بتهم لا أساس لها. كما أنّه ما زال صلاح الدين ديمرتاس سجينًا بشكل غير قانوني. وحُكم على الكاتب والروائي، أحمد ألتان السجن مدى الحياة من غير إصدار أي قرار عفو، تذكر الكاتبة أنه اليوم أصبحت تركيا الدول الأكبر إحصائيًا حبسًا للصحفيين، تفوق إحصائيات الصين.

في 25 أغسطس، تنظم الأمهات وقفات احتجاجية، ضد مئات الاختفاءات من المواطنيين بسبب حجز الشركة، وتُقام الاحتجاجات على أساس السلم واللاعنف كل إجازة أسبوعية، واعتقل أكثر من 20 شخصًا، قال الرئيس المشارك لحزب الأغلبية الكردي، بيرفين بولدان:«صنعوا دولة تخاف من دمعات الأم الصامتة».

تجمع الأمهات في شارع الاستقلال يوم 1 سبتمبر (أيلول) مطالبين بمعرفة مصير أقربائهم – مصدر الصورة

تختم الكاتبة مقالها بأن التغير الواقع في تركيا اليوم، يعتبر عودة للخلف في جميع المجالات، حيث تُقاد من قبل حكومة فكرها شوفيني معادية للأجانب، فتبحر بعيدًا عن الغرب وأوروبا. ما زال المجتمع المدني في طور المقاومة، فهنالك الكثير من الأتراك، والنساء، والطُلاب لا يسمع لهم صوت، ولكنّهم يدعمون ويدافعون عن الديمقراطية التعددية. وتذكر الكاتبة: «ما زالوا هُناك، وما زلنا هُناك. لذلك على الغرب أن يصبوا تركيزهم علينا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد