قالت السلطات التركية إنها تحقق في أسباب الحرائق التي أودت بحياة أربعة أشخاص على الأقل، وهدَّدت الوجهات السياحية الشهيرة في البلاد.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كل من إليان بلتيير، مراسل الأخبار العاجلة للصحيفة والمقيم في العاصمة البريطانية لندن، والصحافية أسماء العمر، تناولا فيه الحرائق التي تجتاح مناطق تركية وتتسبب في خسائر في الأرواح والممتلكات، إضافة إلى تأثيرها في الوجهات السياحية التي تشتهر بها تلك المناطق.

يقول الكاتبان في مستهل التقرير: يكافح رجال الإطفاء في تركيا لاحتواء حرائق الغابات التي دخلت يومها الثالث يوم الجمعة، وهذه الحرائق سريعة الانتشار وقد أدَّت إلى إخلاء المنتجعات السياحية وعشرات المناطق الريفية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. وتسببت الحرائق، التي تقول السلطات التركية إنها ربما نجمت عن إشعال متعمَّد، أو ربما كانت نتيجة إهمال بشري، في مقتل أربعة أشخاص وإصابة ما يقرب من 200 شخص آخرين.

دولي

منذ سنة واحدة
هل سيصبح ارتفاع درجة الحرارة على الأرض بوابة روسيا للسيطرة على العالم؟

وبينما أُجبِر السياح على الفرار من فنادقهم، بعضهم فرَّ على متن قوراب مع اقتراب ألسنة اللهب منهم، شاهد السكان المحليون في المناطق الريفية الحرائق وهي تلتهم منازلهم وتقتل مواشيهم وتدمر متاجرهم. يقول محيي الدين بوجيك، عمدة مدينة أنطاليا، في مكالمة تليفونية أجراها من مدينة مانافجات المنكوبة التي تبعد 50 ميلًا شرق الساحل: «قلوبنا تحترق، ومستقبلنا يحترق».

إن هذه الحرائق جزء من وتيرة أوسع من حرائق الغابات التي تجتاح دول البحر الأبيض المتوسط هذا الصيف، حيث تكافح مناطق في لبنان وسوريا واليونان وإيطاليا وقبرص أيضًا للتغلب على حرائق سريعة الانتشار. 

كوارث بيئية متصاعدة في ظل تغير المناخ

ويلفت التقرير إلى أن هذه الحرائق هي الأحدث في سلسلة الأحداث المناخية القاسية التي تضرب الكوكب؛ إذ سبقتها الفيضانات المميتة التي اجتاحت أوروبا والصين، والحرائق المستعرة في الولايات المتحدة وكندا وسيبيريا، التي يعتقد العلماء أنها مرتبطة بتغير المناخ الناجم عن الاحتباس الحراري

وقال كاجاتاي تافشان أوغلو، أستاذ علم الأحياء المختص في علم بيئة الحرائق في جامعة حجة تبة في أنقرة إن الحرائق في حوض البحر الأبيض المتوسط تحدث سنويًّا، إلا أن المدى الذي وصلت إليه الحرائق هذا العام يجب أن يدق ناقوس الخطر. وأضاف: «لم يكن بالإمكان إخماد عديد من الحرائق، وبسبب الرياح الجافة، حدث الاحتراق على نحو أسرع. وهذه المؤشرات الأولى فقط لما يمكن أن يفعله التغير المناخي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط في المستقبل».

Embed from Getty Images

ووفقًا لورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» عام 2018، سيتضاعف متوسط المساحة التي تحترق كل عام في جنوب أوروبا وفقًا للنماذج التي تُظهر زيادة في درجة الحرارة العالمية بمقدار ثلاث درجات مئوية. وقد عانت قبرص هذا الصيف من أسوأ الحرائق التي شهدتها منذ عقود والتي تسببت في مقتل أربعة أشخاص. وأخلت السلطات اليونانية مناطق في شمال العاصمة أثينا هذا الأسبوع حيث هددت حرائق الغابات منازل بالقرب من العاصمة. وفي إيطاليا، واجهت جزيرة سردينيا «كارثة لم يسبق لها مثيل» هذا الشهر، كما صرَّحت بذلك السلطات في المنطقة.

وفي لبنان، حيث توقفت الدولة عن العمل ولم تتخذ السلطات أي إجراءات للمساعدة في الحد من الحرائق هذا الصيف، لقي مراهق مصرعه هذا الأسبوع نتيجة انتشار الحرائق في الجزء الشمالي من البلاد، وكذلك في سوريا. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت من منطقة عكار مشاهد بائسة للحرائق التي انتشرت في الغابات يوم الأربعاء الماضي، وكافح رجال الإطفاء والجيش اللبناني وضباط الدفاع المدني والمتطوعون لاحتوائها. وضاعفت الحرائق من معاناة الكثيرين في لبنان الذين يعانون من نقص يومي في الوقود والأدوية، والانقطاع الذي لا حد له في التيار الكهربائي، وعواقب أزمة مالية غير مسبوقة. وقال معهد البحوث الزراعية اللبناني هذا الأسبوع إن أكثر من 100 بلدية تواجه مخاطر كبيرة من جرَّاء حرائق الغابات.

تحقيق حكومي تركي وغضب شعبي

ويشير التقرير إلى أن الحرائق قد اندلعت في تركيا يوم الأربعاء في بلدة مانافجات الواقعة ناحية الجنوب من مقاطعة أنطاليا. وقالت مديرية الغابات التركية إنه بحلول يوم الجمعة كانت الحرائق قد اندلعت في أكثر من 70 موقعًا آخر في جميع أنحاء البلاد. وتمت السيطرة على بعض الحرائق، إلا أن ثلاثة أشخاص في مانافجات ورابع في مرمريس لقوا مصرعهم، ومرمريس منتجع شهير لقضاء العطلات. كما امتدت الحرائق إلى منطقة بودروم السياحية، حيث أُخلِي فندقين على الأقل من النزلاء.

ولا تزال السلطات التركية تحقق في سبب اندلاع الحرائق، لكن مدير الاتصالات الحكومية، فخر الدين ألتون، وصف هذه الحرائق بأنها «اعتداء». وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن ضباط إنفاذ القانون والمخابرات يحققون في مزاعم الإشعال المتعمد للحرائق. وقال أردوغان للصحافيين في إسطنبول يوم الجمعة: «هذا أمر لا يمكن تجاهله، لأنه يحدث في مناطق مختلفة في الوقت نفسه تقريبًا».

Embed from Getty Images

وكانت تركيا قد نشرت نحو 4 آلاف رجل إطفاء، ومئات المركبات، وثلاث طائرات لمكافحة الحرائق، بحسب وزير الزراعة، بكر باك ديميرلي. ولكن من وجهة نظر بعض السكان، كانت هذه الاستجابة بطيئة وغير كافية. وصرخ أحد سكان مانافجات في وجه وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، أثناء زيارته للبلدة يوم الخميس، قائلًا: «هل تمتلك تركيا ثلاث طائرات فقط»؟ وتحدث السيد جاويش أوغلو والمناظر الطبيعية المُدمَّرة تظهر من خلفه. وأظهرت لقطات تلفزيونية في وقت سابق من اليوم مناطق بأكملها تُركت خالية من السكان والدخان يتصاعد من منازلها المتفحمة وتُظلها سماء برتقالية اللون. 

من المُلام؟

وقال رئيس بلدية أنطاليا، السيد بوجيك، إننا اضطررنا لإخلاء واحد من أحياء مانافجات الأربعة. وقال إنه في مجتمع يعتمد على الزراعة وتربية الماشية اعتمادًا كبيرًا، ولم يُسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم لأن الحرائق لم تكن تحت السيطرة. ومع تصاعد التوترات، هاجم حشد من الناس شخصين اتهموهم بإشعال الحرائق، بحسب تقارير إعلامية تركية. وعندما تدخلت الشرطة العسكرية لحماية الشخصين، حاول بعض الغوغاء انتزاعَهما من أيدي الشرطة، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك.

ويختم الكاتبان تقريرهما بالقول: بينما كان الغضب يتصاعد في بعض المناطق، لم يكن هناك وقت للتفكير في مَن يقع عليه اللوم في أماكن أخرى. وقالت نوراي جانبولات من سكان منطقة كوزان جنوب محافظة أضنة في مقابلة تلفزيونية مع وكالة أنباء الأناضول الحكومية: «عندما امتدت النيران حتى كادت تحرقنا، لم نتمكن من إنقاذ أي شيء سوى أبقارنا». وأضافت: «وفي النهاية، لم نستطع إنقاذ أي شيء سوى أرواحنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد