نشر موقع مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا للكاتبة التركية غونول تول، مؤسسة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط الذي يتخذ من واشنطن مركزًا له، عن دور الدين كأداة حاسمة في سياسة تركيا الخارجية في ظل حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يتمتع حزبه العدالة والتنمية بجذورٍ إسلامية.

ففي بلدانٍ من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تقوم تركيا حسبما تشير الكاتبة ببناء المساجد، وتمويل التعليم الديني، واستعادة التراث العثماني، والترويج لنسختها الفريدة للزعامة الإسلامية على طول الطريق.

«ميدل إيست آي»: تركيا تحيي زراعة الحشيش بدعوة من أردوغان

وتقول الكاتبة إنَّه في إطارٍ من دمج الإسلام السني مع القومية التركية، تقوم مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني التي تقف وراء الأنشطة الدعوية للبلاد بتعزيز اللغة والثقافة التركيتين إلى جانب المناهج الدينية، وترفع العلم التركي في مواقع المشروعات الجديدة. ويجول في أذهان أولئك الذين ينفذون هذه السياسات أنَّ تركيا، باعتبارها وريثًا للإمبراطورية العثمانية، هي الحصن الأخير للإسلام، والزعيم الطبيعي لإحياء الحضارة الإسلامية.

توضح غونول أنَّ تركيا ليست القوة الإقليمية الوحيدة التي تُوظِّف الإسلام في محاولتها للهيمنة، فإيران والمملكة العربية السعودية تنشران نسختهما الخاصة من الإسلام من خلال تمويل المنظمات والمساجد. وأضافت أنَّ تركيا تحاول الترويج لنسختها الخاصة للإسلام على أنَّها بديلٌ سُني أكثر تسامحًا وأقل تطرفًا من الوهابية السعودية، وبالتالي فهي أكثر ملاءمة للزعامة الإقليمية. وأنَّه على النقيض من المدرسة الإسلامية الحنبلية المحافظة، التي تستند إليها الوهابية، فإنَّ المدرسة الحنفية التي تسود في تركيا تعتبر ليبراليةً نسبيًا، وتوفر مساحةً أكبر بكثير لتأويل الشريعة.

وترى الكاتبة أنَّ الصبغة القومية للدبلوماسية الدينية التركية يمكن أن تقف في طريق نجاحها، إذ أنَّها تُزعج بالفعل الدول الأوروبية التي ترى أنَّ تصرفات تركيا استقطابية، وتؤثر سلبًا على دمج المهاجرين الأتراك، وكذلك تضايق دول الشرق الأوسط، التي تنظر إلى تركيا من منظورٍ إمبريالي. وتشير إلى أنَّ حزب العدالة والتنمية أخذ الحملة الدعوية التركية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، بيد أنَّه في هذا السياق الدولي، يمكن للتشكك في نواياه أن يحد من فرص نجاحه.

دبلوماسية المساجد

بحسب الكاتبة، بناء المساجد الكبيرة في جميع أنحاء العالم هو إحدى الوسائل الأكثر وضوحًا التي تنشر تركيا من خلالها أحقيتها بالزعامة الدينية. وتُعَدِّد غونول بعض الأمثلة لتلك المساجد؛ ففي عام 2015، افتتح أردوغان مسجدًا ضخمًا في تيرانا، عاصمة ألبانيا. وفي ربيع عام 2016، حضر مراسم افتتاح مركز ديانت الأمريكي، وهو مسجد ومركز ثقافي في ولاية ميريلاند، ويفتخر بأنَّه أكبر حرم إسلامي في نصف الكرة الغربي. وفي سبتمبر (أيلول)، افتتح أحد أكبر المساجد في أوروبا في مدينة كولون الألمانية، التي تعد موطنًا لمجتمعٍ تركي كبير. وأضافت أنَّ الرئيس التركي لديه خطط لبناء مساجد في كوبا ورومانيا وفنزويلا.

الجامع المركزي صابانجي – أضنة – تركيا

تدعم الدولة التركية هذه المشروعات من خلال مؤسسة «ديانت»، التي تعمل تحت إشراف رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، والتي تأسست عام 1924 للترويج لنسخةٍ علمانية من الإسلام مع تفكك الإمبراطورية العثمانية وميلاد الدولة التركية الحديثة. وداخل تركيا، توظف المؤسسة الأئمة، وتقدم التعليم الديني للمسلمين، وتفسر الأعراف الإسلامية، وتكتب خُطب المساجد الأسبوعية، هذا بالإضافة إلى بناء المساجد والمحافظة عليها. وحتى الثمانينيات، لم يكن للمؤسسة دورٌ بارز خارج حدود تركيا.

لكن تضيف الكاتبة أنَّه بعد الانقلاب العسكري عام 1980 وما نتج عنه من شتات، بدأت المنظمات الإسلامية واليسارية تحقق نفوذًا في أوساط الجاليات التركية المهاجرة في غرب أوروبا. ولذلك لجأت الحكومة العسكرية، التي احتاجت وسيلةً لمضاهاة رسالة هذه المنظمات، إلى توسيع عمليات المؤسسة إلى داخل أوروبا. وهناك، استخدمتها للترويج لنسخةٍ علمانية من الإسلام بين المهاجرين الأتراك من أجل منع انزلاقهم في غياهب التطرف.

وتذكر غونول أنَّ حزب العدالة والتنمية وسَّع مهمة ديانت الدولية، وجعلها أداةً للأجندة السياسية والأيديولوجية للحزب. وابتداءً من عام 2010، أصبحت المؤسسة التي كانت شبه مستقلة في يومٍ من الأيام تخضع لسيطرة الحكومة. وأشارت إلى أنَّه في ذلك العام، عيَّن الحزب الحاكم رئيسًا جديدًا لمؤسسة «ديانت» كان أكثر تفانيًا لتلبية مطالب حزب العدالة والتنمية من سلفه.

وتضيف أنَّ الإصلاحات التشريعية ساهمت بشكلٍ كبير في توسيع مهمة المؤسسة، وعززت قدرتها البيروقراطية والإدارية، بما في ذلك انخراطها في السياسة الخارجية. وأنَّ المؤسسة أصبحت تنشط في كثيرٍ من دول العالم، وتقدم خدماتٍ دينية منها تنظيم رحلات الحج، وتدريب الدعاة ونشر الكتب، وترجمة القرآن إلى اللغات المحلية، إلى جانب تقديم منحٍ دراسية للطلاب من أفريقيا والبلقان وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية لدراسة الشريعة في تركيا.

كاتب تركي: لهذا السبب اختار أردوغان هذا الرجل ليترشّح لرئاسة بلدية إسطنبول

لكن توضح غونول أيضًا أنَّ مؤسسة «ديانت» ليست الأداة الوحيدة للقوة الناعمة الدينية لتركيا، فالوكالة التركية للتعاون والتنسيق، وهي مؤسسة حكومية أخرى، وسَّعت انتشارها الدولي بشكلٍ كبير في إطار حزب العدالة والتنمية. كانت الوكالة مسؤولةً عن استعادة مواقع التراث العثماني في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك استعادة العشرات من الآثار والمواقع التراثية من منطقة البلقان والمجر والعراق وإثيوبيا.

وفي السياق ذاته، عززت المنظمات الإنسانية غير الحكومية ذات الميول الإسلامية النفوذ التركي في أجزاءٍ من الشرق الأوسط وأفريقيا كانت تخضع ذات يومٍ للحكم العثماني. ومنذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل 16 عامًا، خفَّف من القيود البيروقراطية على هذه المنظمات غير الحكومية، مما سمح لها بتلقي المزيد من التبرعات وتوسيع أعمالها في الخارج. وتضيف الكاتبة أنَّ قادة المنظمات غير الحكومية من جانبهم يعتبرون أنفسهم فاعلين مهمين في السياسة الخارجية التركية. وكثيرًا ما يثيرون مسألة مسؤولية تركيا تجاه الأراضي العثمانية السابقة، ودورها كزعيمٍ للحضارة الإسلامية.

وتؤكد غونول أنَّ الدبلوماسية الدينية التركية لم تكن في أي مكانٍ أكثر فعاليةً من الصومال؛ ففي ذروة المجاعة المدمرة التي شهدتها البلاد في أغسطس (آب) 2011، والتي تجاهلتها وسائل الإعلام الغربية إلى حدٍ كبير، ترأس أردوغان وفدًا من كبار وزراء الحكومة وقادة المنظمات غير الحكومية ورجال الأعمال والصحفيين والمشاهير لزيارة مخيم مليء بالأطفال الجائعين في مقديشيو، وكانت رسالة أردوغان واضحة: تركيا لن تتخلى عن إخوانها وأخواتها المسلمين.

منذ ذلك الحين، بحسب ما ذكرته الكاتبة، أنفقت تركيا أكثر من مليار دولار على المساعدات إلى الصومال، فضلًا عن أنَّ مطار مقديشيو تديره شركة تركية، والخطوط الجوية التركية هي الناقل الدولي الوحيد الذي تذهب رحلاته إل هناك.

وأوردت الكاتبة العديد من الأمثلة الأخرى على النفوذ التركي في الصومال، منها إدارة مؤسسة «ديانت» وغيرها من المنظمات غير الحكومية الإسلامية للمدارس الدينية هناك، وتسمية أحد المستشفيات في الصومال على اسم أردوغان، وإدارة وكالة المعونة التركية لعملية جمع القمامة في البلاد. وتشدد الكاتبة على أنَّ الصوماليين يثقون بالمنظمات الإسلامية التركية أكثر من المنظمات الغربية، ونتج عن هذه الثقة نمو التجارة سريعًا بين الدولتين، وإقامة تركيا لأكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج على الأراضي الصومالية.

أردوغان في افتتاح السفارة التركية الجديدة في مقديشو – يونيو (حزيران) 2016

وأصبح التعليم الديني التركي شائعًا في أجزاء أخرى من القارة الأفريقية، مثل تشاد وإثيوبيا وغانا والنيجر ونيجيريا على حد قول الكاتبة. ونوهت غونول إلى المنظمات الدينية التي تدير مجموعة مدارس «إمام خطيب»، والتي تجمع بين التعاليم الدينية والعلمية، وأنَّ الرئيس أردوغان هو أحد خريجي هذه المدارس، والتي زادت شعبيتها بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، إذ التفتت العديد من البلدان الإسلامية نحو النموذج التركي للإسلام كبديلٍ للتيارات الراديكالية.

وتوضح الكاتبة أنَّ السلطات في أفغانستان وتشاد والنيجر وباكستان والصومال أبدت اهتمامها بتبني نموذج التعليم التركي الإسلامي الذي قدمته مدارس «إمام خطيب» لهذا السبب. وأوضحت أنَّ تركيا تستقبل طلبةً مسلمين من الخارج ليتلقوا التعليم الديني في هذه المدارس.

وقد درس أكثر من 1000 طالب من 76 دولة في هذه المدارس بين عامي 2014 و2015. فضلًا عن قيام مؤسسة «معارف» بدورٍ نشط في تعزيز التعليم الديني على الطراز التركي في الخارج، من خلال تقديم المنح الدراسية، وبناء المدارس، وتدريب المعلمين.

لكن بسبب العداوات التاريخية، كانت دول الشرق الأوسط أقل تقبلًا للأنشطة الدعوية التركية من الدول الأفريقية بحسب ما أوضحت غونول، فالعديد من الدول العربية التي كانت في يومٍ من الأيام تحكمها الإمبراطورية العثمانية ما تزال ترى تركيا قوةً إمبريالية. وتشير الكاتبة إلى أنَّ الكثير من الأتراك يرون أنَّ الدول العربية خونة لتحالفهم مع البريطانيين ضد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. ومنذ ظهور حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية في عام 2002، بدأت تلك العداوة تفسح المجال ببطء للتقارب الثقافي.

«فورين بوليسي»: لهذه الأسباب لن تتمكن تركيا من هزيمة «داعش»

وتضيف الكاتبة أنَّ حزب العدالة والتنمية اعتمد بشكلٍ أساسي على علاقاته مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تتقارب أيديولوجيًا معه، لتعزيز قوته الناعمة في الشرق الأوسط. وكان نجم الدين أربكان، مؤسس الحزب السابق لحزب العدالة والتنمية، على علاقةٍ قوية بقادة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، استمرت المنظمات الدينية غير الحكومية المنتسبة إلى حزب العدالة والتنمية في البناء على تلك الروابط، واستضافة المؤتمرات والمنتديات الدولية حول مستقبل العالم الإسلامي في إسطنبول، وجعل المدينة مركزًا مهمًا للإخوان المسلمين. وتقول الكاتبة أيضًا إنَّ شبكة الجزيرة القطرية، أكبر شبكة أخبار في الشرق الأوسط، ساعدت في تحسين صورة تركيا كدولة مسلمة نموذجية.

بيد أنَّه في أعقاب الثورات العربية، أصبح الشرق الأوسط على الأرجح المنطقة الأكثر تشككًا في القيادة التركية حسبما ترى غونول. فانخراط تركيا في سوريا والتوجه السلطوي تحت حكم أردوغان حطما صورتها في البلدان المجاورة.

علاوةً على ذلك، فإنَّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتمد عليها تركيا بشكلٍ كبير لتحقيق أهدافها، ينظر إليها العديد من المسلمين الآن على أنَّها نموذج فاشل، وتُصنَّف كمنظمة إرهابية في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتشدد الكاتبة على أنَّ خطاب تركيا ذا الصبغة القومية المتصاعدة والإشارات المتكررة إلى الماضي العثماني يقلق الدول مثل مصر والإمارات، التي ترى توجهًا إمبرياليًا وراء الدبلوماسية الدينية لتركيا.

وبحسب الكاتبة، أصبحت الدول الأوروبية أيضًا أكثر انزعاجًا من الأنشطة الدعوية التركية. فمن خلال مؤسسة «ديانت»، استطاع الرئيس أردوغان توسيع نفوذه بين الجاليات التركية في جميع أنحاء أوروبا. وجديرٌ بالذكر أنَّ المؤسسة تدفع رواتب الأئمة الذين يجري إرسالهم من تركيا، وتتحكم بشدة في الرسائل التي يقدمونها.

فضلًا عن أنَّ خطب الجمعة الأسبوعية هي نفسها التي تذاع في تركيا، وتصدر من مقر مؤسسة «ديانت» في أنقرة. وتقول غونوول إنَّ هذا الأمر كان مثيرًا بشدة لقلق المسؤولين الأوروبيين، الذين يزعمون أنَّ تدخل تركيا في الحياة الدينية للمهاجرين يعيق اندماجهم في المجتمعات الأوروبية.

تصدير القومية التركية

توضح غونول أنَّه على الصعيد العالمي، أسفرت الأنشطة الدعوية لتركيا في الخارج عن نتائج مختلطة. ففي الصومال الذي مزقته الحرب، أعرب كلٌ من النخبة السياسية والسكان المحليين عن تقديرهم لجهود تركيا، التي بنت الثقة ومهدت الطريق للتعاون المستقبلي بين البلدين.

معركة نيكوبوليس.. حينما كانت «الصاعقة» العثمانية على وشك اجتياح أوروبا

وفي البلقان، نجح التذرع بالتراث العثماني وتموضع تركيا بصفتها حامية للمسلمين بشكلٍ جيد مع المجتمعات المسلمة، وحقق نجاحًا أقل مع غير المسلمين. لكن تضيف الكاتبة أنَّ تركيا لم تلقَ نجاحًا كبيرًا في الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى، إذ أنَّ معظمهم علمانيون. أمَّا في الشرق الأوسط وأوروبا، فقوبلت مبادراتها بمزيدٍ من التشكك.

وأوضحت الكاتبة في ختام مقالها في موقع مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أنَّ الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة التي تحقق المكاسب في جميع أنحاء أوروبا تُعادي الأنشطة الدعوية لتركيا، بينما سيستمر مزيج الإسلام والقومية التركية في الشرق الأوسط في استحضار ذكرياتٍ غير سارة تعود للإمبراطورية العثمانية.

وخلُصت الكاتبة إلى أنَّ تركيا ستستمر في تنفيذ سياسةٍ خارجية يكون الدين جزءًا لا يتجزأ منها ما دام يحكمها حزبٌ ذو جذور إسلامية، بيد أنَّه مع اكتساب التوجهات القومية لأرضيةٍ أوسع على مستوى العالم، قد يصبح من الأصعب الترويج للنسخة التركية من المد الديني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد