خلص تقييم نشره موقع «ستراتفور» إلى أن الاقتصاد التركي أصبح هشًّا منذ عام 2018؛ إذ يعاني من ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار قيمة العملة، وارتفاع مستويات الديون.

ومع تهديد بعض قادة الكونجرس الأمريكي بإلحاق الأذى باقتصاد تركيا، ردًا على غزوها لشمال شرق سوريا، رأى الموقع معاودة نشر ملخص لبعض التقييمات التي نُشرت في الفترة الماضية، والتي تكشف عن محنة الاقتصاد التركي، وما قد يحدث إذا ضغطت واشنطن على أنقرة.

وأورد الموقع أن يوم الحساب بالنسبة للاقتصاد التركي قد يأتي قريبًا. فبالرغم من أن البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي مختلفان حول تركيا أكثر من أي وقت مضى، فإن عدائية التهديدات الاقتصادية التي أطلقها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وزعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ في الأيام الأخيرة كانت متشابهة، إذ تعهدا تباعًا «بتدمير اقتصاد تركيا ومحوه»، وفرض «عقوبات من الجحيم» على البلاد بسبب غزوها شمال شرق سوريا.

وأشار تقييم الموقع إلى أن الاقتصاد التركي بعدما لامس القاع في صيف 2018، استقر إلى حد ما، وربما هذا ما أقنع أنقرة بأنها مستعدة للتعامل مع أي شيء يأتي بعد ذلك.

مع ذلك، فإن الغزو التركي سيعرض اقتصاد البلاد للخطر، وسط التهديد بالعقوبات الأمريكية، وربما يدفع حتى الاتحاد الأوروبي لتوجيه ضربة اقتصادية ضد أنقرة، وإجمالًا فإن المجازفة التركية الجديدة في سوريا ضد الأكراد تعني أن البلاد ربما ستواجه فترة طويلة من الألم الاقتصادي.

«فاينانشال تايمز»: 5 أسئلة تشرح لك التطورات الأخيرة في سوريا

الوضع الحالي

أوضح الموقع أن الاقتصاد التركي ما يزال هشًّا؛ ففي منتصف أغسطس (آب) 2018 انخفضت قيمة الليرة التركية إلى 6.95 ليرة مقابل الدولار الأمريكي، لكنها استقرت منذ ذلك الحين.

وبعدما شنت أنقرة هجومها على شمال شرق سوريا، بعد ظهر يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لم تنخفض العملة إلا بشكل طفيف إلى حوالي 5.87 ليرة مقابل الدولار، كما تحسنت بعض الجوانب الاقتصادية الأخرى التي كانت ضعيفة بشكل خاص في صيف 2018، بما في ذلك التضخم.

Embed from Getty Images

ولكن الموقع ذكر أنه حتى لو كانت الليرة أقوى مما كانت عليه قبل 14 شهرًا، فإن اقتصاد تركيا ما يزال هشًّا بدرجة كافية، بحيث يمكن أن تتسبب صدمة خارجية، مثل العقوبات الأمريكية، في إلحاق أضرار جسيمة به، ما يؤدي إلى انخفاض عملة البلاد مرة أخرى.

وأضاف أن الفجوة بين الكونجرس والبيت الأبيض بشأن تركيا تتعمق، إذ يبدو أن بعض أعضاء الكونجرس مصممون أكثر من أي وقت مضى على معاقبة تركيا على تصرفاتها في سوريا، معربين عن غضبهم العميق من الكيفية التي تجاهل بها البيت الأبيض مخاوفهم، وهذا يعني أن هناك احتمالية عالية لفرض الكونجرس عقوبات تأديبية.

وقد صاغ السيناتور ليندسي جراهام، والسيناتور كريس فان هولين، مشروع قانون يجمع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يتضمن عقوبات تتراوح ما بين القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة والمساعدة العسكرية لتركيا، إلى عقوبات محددة تستهدف الأفراد، بما في ذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والقطاعات الاقتصادية، بما في ذلك قطاع الطاقة التركي.

وذكر الموقع أنه إذا مُرر مشروع القانون هذا «وهو أمر غير متيسر، ناهيك عن حصوله على أغلبية الثلثين للتغلب على الفيتو الرئاسي»، فسيتعين على الرئيس دونالد ترامب أن يؤكد للكونجرس كل 90 يومًا أن تركيا «لا تعمل منفردة في سوريا».

وهو ما يشكل فجوة حادة بين ترامب، الذي من المقرر أن يستضيف أردوغان في البيت الأبيض في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، وقادة الكونجرس الذين يريدون معاقبة الرئيس التركي.

تركيا تستعد للعقوبات الأمريكية والأوروبية

وتابع الموقع أن تركيا تُبدي استعدادها – كما فعلت سابقًا- للمخاطرة بتكبد العقوبات، في سعيها لتحقيق أهداف الأمن القومي. وردًّا على تسليم نظام دفاع صاروخي روسي من طراز «S-400» إلى تركيا، سعى الكونجرس الأمريكي إلى استخدام قانون «مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)» لمعاقبة أنقرة.

ومع ذلك، رفض ترامب، حتى الآن، تنفيذ أي من هذه العقوبات، وليس هناك آلية قانونية تنص على موعد وجوب ذلك. وقال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين، الشهر الماضي، إن الولايات المتحدة ما تزال تفكر في فرض هذه العقوبات، لكن من الواضح أن السلطة التنفيذية ليست في عجلة لمعاقبة تركيا ماليًّا.

ومن المحتمل أن يكون هذا هو ما عزز ثقة أنقرة في قدرتها على المضي قدمًا في عملية عسكرية في سوريا دون مواجهة عقوبات اقتصادية.

من جانبه، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتخذ إجراءً مستقلًّا عن الولايات المتحدة يمكن أن يلحق الضرر ماليًّا بتركيا. فاستجابة للتوغل التركي في سوريا، دعت فرنسا والمملكة المتحدة إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي.

وعلى الرغم من أن أي عقوبات أو إجراءات من جانب الأمم المتحدة من غير المحتمل أن تكون قوية بدرجة كافية لإثناء تركيا عن السعي لتحقيق أهدافها في سوريا، فإن تركيا قد تواجه تدابير عقابية من الاتحاد الأوروبي تشمل وقف اتفاقيات التعاون بين بروكسل وأنقرة، وكذلك وضع حد لأموال عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في الواقع، وافق الاتحاد الأوروبي بالفعل على حزمة عقوبات ضد تركيا في يوليو الماضي، بسبب استمرار عمليات التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية.

ونشر الموقع بعد ذلك ملخصًا لخمس أزمات مر بها الاقتصاد التركي، خلال العام الماضي، ليصل إلى مرحلة الهشاشة الحالية، بناء على تقارير الموقع السابقة التي تصف الوضع الاقتصادي في البلاد.

1. ترامب يستهدف تركيا بتعريفات جمركية

ذكر موقع «ستراتفور» أن ترامب استهدف أولًا الاقتصاد التركي بسلسلة من التعريفات الجمركية، ردًّا على المشاحنات التجارية، وكذلك نوايا أنقرة في سوريا وتقاربها المتزايد مع روسيا.

Embed from Getty Images

كتب الرئيس الأمريكي في صباح يوم 10 أغسطس 2018، في تغريدة على موقع تويتر، قائلًا إنه سمح بمضاعفة التعريفات الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا، إذ ارتفعت التعريفات إلى 20% على الألومنيوم و50% على الصلب.

وذكر الموقع في تقرير نشر في ذلك اليوم أن هذه التعريفات ستؤدي لاصطدام الحملة الانتخابية لأردوغان، المعتمدة على فكرة القومية، وسياسة «أمريكا أولًا» التي ينتهجها ترامب. فإعلان ترامب عن التعريفات الجمركية لن يؤدي إلا إلى تأجيج رواية أردوغان عن الحرب الاقتصادية، إذ يرى أن مصدر المحن الاقتصادية التركية يقع خارج حدودها.

2. نظام صواريخ يقف بين الحلفاء السابقين

وأضاف أنه قبل التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا بسبب هجومها على شمال شرق سوريا، كانت واشنطن قد هددت باستهداف الصناعة الدفاعية في تركيا، لاختيارها نظام الدفاع الصاروخي الروسي «S-400».

وذكر الموقع في تقييم نشره يوم 27 يونيو (حزيران) 2019 أن الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ إلى خيارات انتقامية من شأنها أن تضر الاقتصاد التركي، سواء باستخدام أحكام قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، أو استبعاد تركيا من برنامج المقاتلة «F-35» عالية التقنية.

وأضاف أنه بينما تدرك تركيا جيدًا العواقب الاقتصادية المترتبة على اختيارها، فإن الاعتبارات السياسية المحلية تدفع أنقرة إلى تجاوز الاقتصاد واختيار النظام الروسي. لكن الحالة الهشة لاقتصاد تركيا تثير مسألة ما إذا كانت سياسة حافة الهاوية هذه تستحق العناء بالنسبة لأنقرة.

فقد هبط اقتصاد البلاد إلى مرحلة الركود خلال الربع الأخير من 2018، في حين تباطأ النمو أيضًا في النصف الثاني من العام الماضي. ورغم أن تركيا كسبت خلال هذا الوقت المزيد من العائدات من الصادرات، فإن السبب كان فقط أن الليرة ضعيفة للغاية بحيث أصبحت سلع البلاد أرخص بكثير.

وخلال العام المقبل، سيتعين على القطاع الخاص التركي سداد ما يقرب من 140 مليار دولار من الديون، فيما تباطأ الاستهلاك المحلي.

وأشار الموقع إلى أن السنوات الخمسة المقبلة – حتى الانتخابات المقررة في عام 2023- تشكل أيضًا جزءًا من حسابات أنقرة فيما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية، إذ يعتقد أردوغان أن لديه الوقت لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات تتسبب في فرار المستثمرين الأجانب، أو مزيد من الانخفاض في قيمة الليرة.

3. ارتفاع التضخم وهبوط الليرة

وحتى بدون التهديد بالعقوبات الأمريكية، ذكر الموقع أن الاقتصاد التركي مر بصعوبات تنبع خاصة من المبالغ الهائلة لديون الشركات، فضلًا عن التضخم الشديد الذي يعاني منه الاقتصاد وسوء أداء العملة.

وفي تقييم منشور بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019، ذكر الموقع أن الولايات المتحدة في وضع يمكنها من الإضرار بالاقتصاد التركي جزئيًّا بسبب الهشاشة الاقتصادية للأخيرة، فالشركات التركية مثقلة بمديونية عالية، يبلغ مجموعها حوالي 200 مليار دولار يتعين عليها سدادها في عام 2019. ومعظم هذا الدين مقوم بالدولار واليورو، ما يعني أن الشركات ستكافح لتسديدها إذا ظلت الليرة ضعيفة. كما أن البلاد تعاني أيضًا من ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض الاستهلاك، وقلة ثقة المستثمرين الناجمة جزئيًّا عن التصور بأن البلاد تفتقر إلى سيادة القانون.

4. خطة اقتصادية دون الكثير من الدعم

وفي محاولة تمت العام الماضي لإعادة الاقتصاد إلى مساره، اختار أردوغان صهره – وزير المالية بيرات البيرق- لوضع خطة. ومع ذلك، لم تلقَ خطة البيرق موافقة قوية من المستثمرين الدوليين.

وذكر الموقع في تقييم نشر في 28 نوفمبر 2018 أنه بغض النظر عن مدى شدة الرياح الاقتصادية المعاكسة، فإن الحكومة التركية سترفض التزحزح بشأن بعض القضايا، والتي ستنتقص من قدرتها على إدارة الاقتصاد الهش بحذق.

وأضاف أنه بالرغم من أن أردوغان يتمتع الآن بسيطرة هائلة على جميع جوانب الحكم – بما في ذلك قضايا مثل الاقتصاد الذي لا يمثل بالضرورة مجال خبرته- فإن استراتيجية الإدارة الاقتصادية للبلاد فشلت في أن توحي بالكثير من الثقة للمستثمرين الخارجيين.

5. أنقرة تلعب بورقة القومية لمواجهة المشاكل الاقتصادية

سعى أردوغان مرارًا وتكرارًا إلى تدعيم إدارته في مواجهة الهموم الاقتصادية، من خلال مناشدة الشعور القومي لدى أغلبية المواطنين، بالإضافة إلى الخوف – الذي دام قرنًا من الزمان- من أن الأعداء في الداخل والخارج يخططون لإسقاط الجمهورية.

وفي تقييم نشره الموقع يوم 11 يونيو 2019، ذكر أن حزب العدالة والتنمية سيختار التركيز على خطته المُجربة، المعتمدة على السياسات القومية، في الأشهر المقبلة، لتجنب التحديات الانتخابية عام 2023، مضيفًا أنه مع ذلك فإن هذه الاستراتيجية قصيرة الأجل ستكون في النهاية قصيرة النظر، وستخلق ظروفًا أسوأ للاقتصاد، والمزيد من المشكلات التي سيتعين على الحكومة إصلاحها.

«الإندبندنت»: مزيج من الخوف والفخر.. اختلاف تركي حول التدخل العسكري في سوريا 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد