كتب أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة «هارفارد»، نوح فيلدمان، مقالًا لصحيفة «بلومبيرج» تكلم فيه عن الاستفتاء التركي الأخير، وما يراه انتقالًا نحو نمط شبه سلطوي للحكم.

يقول فيلدمان في مقدمة مقاله انتهى التصويت على الاستفتاء الدستوري في تركيا، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النصر من جانب واحد، حتى في الوقت الذي لا تزال فيه النتيجة متنازعًا عليها. ولئن لم يتضح من فاز في هذا الاستفتاء، فالخاسر فيه واضح: الديمقراطية الدستورية. ظاهريًا، تحوِّل هذه الإصلاحات تركيا إلى نظام رئاسي بدلًا من النظام البرلماني. أما على الحقيقة، فهي تقوي من السلطة الشخصية لأردوغان، الذي تنقل، في العقد ونصف العقد الماضيين، من رئيس للوزراء إلى رئيس إلى زعيم شبه سلطوي.

أظهر أردوغان مرة ثانية أنه في طليعة سلالة جديدة من شبه السلطويين تشمل الرئيس المجري فيكتور أوربان، وربما انضم إليها الرئيس البولندي ياروسلاف كاتشينسكي. ليس هؤلاء القادة فاشيين بعمر جدك، ممن ربما يكونون قد وصلوا للسلطة بالانتخابات ثم خططوا لإلغائها والحصول على سلطة ديكتاتورية مطلقة.

وقال فيلدمان إنَّ الكتاب الإرشادي الجديد للسلطويين يدعو إلى الحفاظ على الانتخابات المنتظمة والأنماط الظاهرية من الديمقراطية متعددة الأحزاب، بينما يعزز في حقيقة الأمر من السلطة ويزور الانتخابات بما يكفي لمواصلة الفوز بالتصويت الشعبي. أضعف أردوغان، مثل مقلديه وزملائه، الصحافة الحرة وحرية التعبير دون أن يسكت كل الأصوات السياسية البديلة بشكل كامل.

في نهاية المطاف طرح أردوغان تغييراته المنهجية المقترحة للاستفتاء، وهو ما لا يفعله الديكتاتوريون عادة. صحيح أنَّ أردوغان قد بذل جهودًا لإسكات المعارضة. وربما يكون حزبه، حزب العدالة والتنمية، قد زوَّر بطريقة أو بأخرى في بعض اللجان الانتخابية، إلا أنَّ الحقيقة تبقى أنَّ الانتخابات نظيفة بما يكفي، ومراقبة بما يكفي، لئلا نمتلك أبدًا من الأدلة ما يمكننا من القول إنَّ أغلبية المصوتين لم يريدوا تلك النتيجة.

كل هذا، بحسب فيلدمان، يقودنا إلى لغز حقيقي: ما الداعي إلى هذا؟ لو كنت تخطط للقضاء على الديمقراطية الدستورية لصالح السلطوية، فلماذا تتبع معظم القوانين معظم الوقت؟

يقول فيلدمان إنَّ جزءًا من الإجابة يكمن في أنَّ أردوغان، مثله في ذلك مثل أوربان، وحزب العدالة والقانون البولندي، يقيس بكل عناية مقدار الدعم الحقيقي الذي يحظى به، ومقدار المعارضة الحقيقية له. حينما يكون ما يقترب من نصف السكان لا يحبونك، فإنَّ التحدي الذي يواجهك، بصفتك شبه سلطوي، أن تتجنب دفع المعارضة إلى الرفض الكامل لشرعيتك.

اقرأ أيضًا: 7 أسئلة تشرح لك استفتاء التعديلات الدستورية في تركيا

يسمي فيلدمان تلك الظاهرة بـ«درس حسني مبارك»: لو أراد عدد كاف من الناس إزاحة الرئيس، فسوف يخرج الشعب إلى الشوارع. ثم سوف يقوم الجيش بالباقي، فيقوم بانقلاب باسم الديمقراطية.

يتجنب أنصاف السلطويين، من خلال محافظتهم على أبسط أنماط الديمقراطية الدستورية، استعداء المعارضة إلى درجة محاولتها الانقلاب عليهم.

وبحسب فيلدمان، فقد أثبت أردوغان مرتين في السنوات الأخيرة أنه حقق هذا التوازن، ومن ثم استطاع تجنب مصير مبارك. إذ واجه أردوغان، في مظاهرات حديقة غازي عام 2013، مظاهرة ضخمة في إسطنبول. في النهاية فض المظاهرة بالقوة، لكنَّ الجيش لم يغتنم الفرصة لانتزاع السلطة.

ثم في 2016، حاول بعض عناصر الجيش تنفيذ انقلاب غريب، فاتر. فشلت المحاولة، بشكل كبير بسبب أنَّ الناس لم ينزلوا إلى الشوارع دعمًا للجيش. يبدو أنَّ الكثير من الناس شعروا أنَّ هذا الانقلاب كان معاديًا للديمقراطية. قد يكون أردوغان نصف سلطوي، لكنه منتخب، وكان هذا لا يزال، بالنسبة للناس، أقل سلطوية من نظام عسكري.

التفسير الجزئي الآخر لشبه السلطوية، بحسب فيلدمان، أنَّ حكام اليوم لا يؤمنون حقًا بالديكتاتورية المطلقة وسيلةً مرغوبة للبقاء في السلطة. لقد اختبر أردوغان الحظر من السياسة بسبب خطابه الإسلامي. وعاش أوربان خلال فترة سقوط الشيوعية، وكذا الحال مع كاتشينسكي. لا بد أنَّ هذا كاف ليعطي درسًا للجميع مفاده أنَّ الحكم دون معارضة جادة لا يجري على ما يرام.

طبعًا ربما يحلم شبه السلطويين الجدد بالسلطة المطلقة، لكنَّ حلمهم الحقيقي يبدو كما لو كان إعادة انتخابهم للأبد بأكثر من 50% من أصوات الجمهور الولهان.

وليس من قبيل المصادفة أنَّ أحزاب أولئك القادة كلها أحزاب شعبوية. وعادة ما تعرّف الأمجاد الشعبوية في الحديث أمام «الشعب» تعريفًا ضيقًا بما يكفي لاستبعاد المعارضة.

آخر الحيل الأنانية في استراتيجية أشباه السلطويين هي المحافظة على الخيارات متاحة أمامهم تحسبًا لفقدانهم شعبيتهم ذات يوم. ذلك أنَّ أغلب الديكتاتوريين الحقيقيين يُغتالون أو تنتهي حياتهم في السجن أو المنفى.

لكن لو كانت المعارضة ليبرالية ديمقراطية ودستورية، فيبدو حينها من المعقول أنها لو وصلت إلى السلطة في النهاية، فلن تعاقب أشباه السلطويين بالقسوة ذاتها التي كانت لتوقعها على الديكتاتوريين الحقيقيين. سوف يكون باستطاعة الشعبوي شبه السلطوي أن يقول، عند خروجه من السلطة، إنه اتبع الدستور، وأنَّ على خلفائه أن يفعلوا الأمر ذاته. معظم الحكومات الديمقراطية الليبرالية سوف تكون مهتمة بمسألة الحقوق – أو أضعف من أن توقع عقوبة.

من ذلك يتبين لنا أنَّ شبه السلطوية طريقة ممتازة للبقاء في السلطة ما دامت لك قاعدتك السلطوية وما دمت راغبًا في الحد من حرية التعبير والانتخابات الحرة.

واختتم فيلدمان مقاله قائلًا إنه ليس للعالم بعد مجموعة من الأدوات الصالحة للاستجابة لهذا الموقف، كما تظهر لنا الاستجابات العقيمة لحالتي المجر وبولندا. أما فيما يخص أردوغان، فموقفه هش مقارنة بجيرانه الإقليميين ونظرائه الأوروبيين. توقع أن ترى المزيد من القادة في العالم يحذون حذوه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد