بعد خسارة «حزب العدالة والتنمية» في تركيا انتخابات بلدية إسطنبول الكبرى والعاصمة أنقرة، بدا عرش أردوغان في خطر، إذ أعلن عدة قادة بارزين انشقاقهم عن الحزب في الآونة الأخيرة. ما هي أسباب الانشقاقات وما هي أبعادها؟ هذا ما يجيب عليه يونس أورهان، طالب الدكتوراه بقسم العلوم السياسية في جامعة ويسكونسن – ملواكي الأمريكية، وأورا جون رويتر، أستاذ العلوم السياسية المساعد بالجامعة نفسها، في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

خسر الحزب الحاكم في تركيا مؤخرًا انتخابات بلدية إسطنبول وأنقرة، أكبر مدن تركيا، لكن يعتقد الكاتبان أن ما قد يؤذي الرئيس رجب طيب أردوغان أكثر هو انشقاق العديد من قادة حزبه البارزين.

في أبريل (نيسان) أصدر رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو بيانًا مكتوبًا نشر على صفحته على موقع «فيسبوك» مستقيلًا من الحزب بشكل علني، ومشيرًا إلى أنه سيشكل حزبًا جديدًا. ثم في أوائل يوليو (تموز)، استقال علي باباجان، وزير الاقتصاد السابق في تركيا، وأعلن بالمثل إنشاءه حزبًا منافسًا.

لدى باباجان تأثير في مجتمع الأعمال، علاوة على أنه مدعوم من الرئيس السابق عبد الله جول، ويدعي حصوله بالفعل على دعم العديد من الشخصيات البارزة، فيما يزعم مراقبون أن المزيد من المنشقين ينتظرون دورهم.

Embed from Getty Images

علي باباجان

لماذا يشكل ذلك أزمةً كبيرة؟

على نحو مثير للجدل، لا يأتي التهديد الأكثر أهمية الذي يواجهه المستبدون، بحسب الكاتبين، من الشعب، بل من نخبة الحلفاء. عندما يتخلى هؤلاء الحلفاء عن النظام، يفقد هذا النظام المهارات والأتباع والموارد التي بحوزتهم. يعتقد الكاتبان أنه غالبًا ما يساعد المنشقون رفيعو المستوى في حشد الشعب ضد النظام، فإذا خاضوا الانتخابات يمكنهم تخسير النظام ناخبيه.

يرى الكاتبان أن الانشقاقات تشير أيضًا إلى أن النظام يضعف؛ مما قد يشجع من يشكلون تحديًا له. ويشيران إلى أنه على مدار العشرين عامًا الماضية، ساهمت انشقاقات النخب في انهيار الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، مثل ماليزيا، وكينيا، ونيجيريا، وأوكرانيا، وصربيا، وجورجيا.

يؤكد الكاتبان أن هذه الانشقاقات تدمر سيطرة أردوغان على السلطة. وكان باباجان، حين تولى وزارة الاقتصاد، قد قاد طفرة اقتصادية بين 2009 و2015، واكتسب شهرته مسؤولًا ذا تأثير. ويلفت الكاتبان إلى أن استطلاعًا للرأي جرى حديثًا أظهر أن حزب باباجان المزمع إنشاؤه يمكن أن يفوز بما يصل إلى 17% من الأصوات، معظمها من أنصار حزب العدالة والتنمية.

يصور رئيس الوزراء السابق داود أوغلو، وهو سياسي بارع بحد وصف الكاتبين، نفسه بديلًا إصلاحيًّا لأردوغان، وقد تلقى مؤخرًا دعمًا من الناخبين المحافظين دينيًا، الذين يشكلون قاعدة حزب العدالة والتنمية. إلى جانب خسائر الحزب في إسطنبول وأنقرة، يرى الكاتبان أن هذه الانقسامات تخلق تصورًا بضعف حزب العدالة والتنمية.

Embed from Getty Images

لماذا الآن؟

يشير الكاتبان إلى أنه في السنوات الأخيرة توصلت العلوم السياسية للكثير حول أسباب حدوث هذه الانشقاقات. ومن الواضح أن الاختلافات الشخصية والسياسية مهمة، وبينما تكون الاختلافات كثيرة في السياسة، فإن الانشقاقات ليست بالضرورة كذلك.

حددت الأبحاث الحديثة الشروط التي تجعل الانشقاقات أكثر احتمالًا، ويعدِّدها الكاتبان كما يلي:

أولًا تظهر الدراسات أن الركود الاقتصادي يزيد من احتمالية حدوث انشقاقات. يعطي الاقتصاد الضعيف للمنشق عن النظام سببًا لانتقاده ويزيد من احتمال حصول المنشقين على دعم خارج الحزب. في تركيا، أشار داود أوغلو وباباجان بوضوح إلى التدهور الاقتصادي خلال انتقاداتهما للحزب.

ثانيًا، عندما يبدأ النظام في فقد دعم الناخبين، تكون النخب أكثر عرضة للانشقاق. ويلفت الكاتبان في هذا السياق إلى أنه ليس من قبيل المصادفة أن تتبع هذه الانشقاقات خسارة الحزب في إسطنبول وأنقرة.

يعتقد الكاتبان أن ظهور «الشخصانية» في المشهد – وهو مصطلح يستخدمه علماء السياسة لوصف حكم غير مقيد برئيس واحد – يمكنه أن يتسبب في حدوث انشقاقات. إحدى الطرق التي يبقى بها المستبدون على الموالين لهم هي مشاركة غنائم المنصب، مثل تقديم أشياء مثل: الرشى، والوظائف المرموقة، والترقيات، وتفضل النخب الطموحة ذلك عندما توزع هذه الغنائم بطرق متوقعة تحكمها القواعد.

عندما يبدأ الدكتاتوريون في توزيع الغنائم بشكل تعسفي على المقربين وأفراد العائلة والغرباء من خارج الدوائر المقربة، من الممكن أن يغضب ذلك النخبة. ويجادل باحثون بأن الأنظمة المؤسسية القائمة على الأحزاب مثل الصين، أقل عرضة للمعاناة من انشقاقات النخب، وأظهرت أحدث الأبحاث أن الانشقاقات أكثر احتمالًا في الأنظمة المشخصنة.

يرى الكاتبان أن تركيا مثال حي على ذلك؛ إذ تعثر حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة بسبب تعزيز أردوغان سيطرته على الحزب. فقبل عام استخدم أردوغان السلطات الرئاسية المكتسبة حديثًا لتعيين صهره البالغ من العمر 40 عامًا وزيرًا للاقتصاد متخطيًا العديد من المرشحين الأقدم.

Embed from Getty Images

يقتبس الكاتبان ما قاله داود أوغلو في يونيو (حزيران)؛ إذ انتقد أوغلو الرئيس التركي لمثل هذه الإجراءات الشخصية قائلًا: «حزب العدالة والتنمية ليس حزب شخص واحد، أو عائلة واحدة، أو مجموعة واحدة، يجب الفصل بين هيكل الدولة والعلاقات الأسرية، ويجب ألا يكون هناك أقارب من الدرجة الأولى».

يؤكد الكاتبان أن علم السياسة يواجه صعوبة في التنبؤ الدقيق بمن سينشق، لكن يمكنه تمييز أنماط معينة. أحد الاستنتاجات المتسقة هي أن النخب التي لها علاقات مع الشركات الخاصة لديها وقت أيسر في فعل ذلك بنفسها. عندما يكون لدى النخب موارد مالية مستقلة عن الدولة، فمن الأرجح أن يكون انشقاقهم سهلًا.

ويعتقد الكاتبان أن هذا يساعد في شرح سبب استقالة باباجان، إذ يتمتع باباجان، الذي كان قطبًا سابقًا في مجال النسيج، بعلاقات قوية مع مجتمع الأعمال، ومن المتوقع أن يحصل على دعم مالي من رجال أعمال محافظين، ممن كانوا يدعمون تلقليديًا حزب العدالة والتنمية.

وبحسب الكاتبان فانشقاقات النخب تشكل خطورة خاصة على النظام، عندما يبدأون في التعاون مع بعضهم البعض. وفي السياق نفسه، يرجح الكاتبان أن انشقاق بارز واحد ربما تكون تكلفته أقل من انشقاق نخب الحزب الذين ينشقون ويحفزون مزيدًا من المنشقين.

هذه الدوامات يمكن أن تتسارع أكثر إذا كانت مصحوبة بانكماش اقتصادي وفضائح وهزائم انتخابية. ويؤكد الكاتبان أن حزب العدالة والتنمية لم يدخل بعد في دوامة كهذه، لكنهما يعتقدان أن ذلك ربما يحدث قريبًا، عندما ينزلق الاقتصاد التركي إلى ركود آخر هذا العام.

مترجم: بعيدًا عن الأموال.. هذه المكاسب السياسية لروسيا من صفقة صواريخ إس-400

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد