كتب عمر كاراسبان، المنسق الإقليمي للمعرفة والتعليم بالبنك الدولي، مقالًا نشره معهد «بروكنجز»، حول تغير الوضع بالنسبة للاجئين السوريين في تركيا؛ فقد كان الأتراك في البداية يشعرون بالفخر بوصفهم دولة مضيفة للاجئين، بيد أن الركود الاقتصادي في عام 2018، وتراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، كان لهما تأثيرهما المعاكس.

ويرى كاراسبان أنه يتعين دمج اللاجئين السوريين في المجتمع التركي؛ لأن وجود طبقة مهمشة ومنبوذة يمكن أن تكون مصدرًا للإجرام والتطرف في الأجيال اللاحقة.

بالأرقام.. كم عدد اللاجئين السوريين في تركيا؟

يستهل الكاتب مقاله باستعراض أعداد اللاجئين السوريين وفقًا للمصادر الرسمية في تركيا؛ فبحسب ما تورده المديرية العامة للهجرة، تستضيف تركيا 3 ملايين و650 ألف لاجئ سوري يتمتعون بوضع حماية مؤقت – 44% منهم من الأطفال – بالإضافة إلى 100 ألف سوري يحملون إقامة قانونية، و93 ألفًا حصلوا على الجنسية. وهناك أيضًا سوريون غير مسجلين؛ قُبِضَ على 34 ألفًا منهم في عام 2018، ومن المرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك.

Embed from Getty Images

ويعيش 2.4% فقط من السوريين في المخيمات، والباقي معظمهم في مدن تركيا. تتصدر إسطنبول باستضافة العدد الأكبر، حيث يوجد بها 548 ألفًا من السوريين المسجلين، لكن مع عدد متساوٍ ممن سجلوا في الغالب بأماكن أخرى في تركيا. توجد أعداد كبيرة أيضًا في المدن القريبة من سوريا، مثل غازي عنتاب (443 ألفًا)، وشانلي أورفة (431 ألفًا)، ومحافظة هاتاي (430 ألفًا)، والباقي منتشرون في جميع أنحاء تركيا.

جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

%64 من الأسر السورية الحضرية تحت خط الفقر أو قربه

ويشير الكاتب إلى أن أكثر من 64% من الأسر السورية الحضرية يعيشون بالقرب من خط الفقر أو أدناه. ويعمل حوالي مليون سوري بشكل غير رسمي، 20% منهم من القاصرين. كما يعمل ثلث العمال الأتراك بشكل غير رسمي أيضًا، على الرغم من أنهم يحصلون عمومًا على أجور أعلى.

ووفقًا لمسح أجراه الهلال الأحمر التركي، وبرنامج الأغذية العالمي، فإن 84% من أسر اللاجئين لديها شخص واحد على الأقل يعمل، ولكن 3%  فقط لديهم تصاريح عمل.

وتصاريح العمل متاحة للاجئين السوريين، لكن يجب على أصحاب العمل التقدم بطلب الحصول عليها نيابة عنهم، ودفع الضرائب والضمان الاجتماعي، مع توفير الحد الأدنى للأجور على الأقل. هذا يعني أنه لم يكن هناك سوى حوالي 60 ألف تصريح عمل في عام 2019.

وكان الحد الأدنى للأجور في عام 2019 يبلغ 2.020 ليرة تركية بعد الضرائب، وبلغ متوسط أجور ​​السوريين الذين لديهم وظائف منتظمة (أي لديهم «عقد» وساعات عمل منتظمة) 1.312 ليرة تركية، أما نسبة الـ54% ممن يعملون بصورة غير نظامية فيحصلون على حوالي 1.058 ليرة تركية.

أيضًا، تدعم شبكة الأمان الاجتماعي للطوارئ التي يمولها الاتحاد الأوروبي 1.6 مليون لاجئ من اللاجئين الأكثر ضعفًا؛ إذ توفر 120 ليرة تركية لكل فرد من أفراد الأسرة في الشهر.

تركيا توفر التعليم والرعاية الصحية ولكن اللغة تظل عائقًا

ووفقًا لما يذكره عمر كاراسبان يحصل اللاجئون السوريون على الرعاية الصحية والتعليم مجانًا، ولكن الفقر والحاجة إلى العمل إلى جانب الصعوبات اللغوية تعني أن 40% يظلون خارج المدرسة.

Embed from Getty Images

وتشكل اللغة أيضًا عائقًا في الحصول على الرعاية الصحية. ويستفيد من برنامج التحويل النقدي المشروط الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي وآخرون 460 ألف طفل لاجئ، مع منح راتب أعلى للفتيات لتشجيعهن على الحضور.

وبالنسبة للعديد من اللاجئين، لا تعد الحياة سهلة، لكنها آمنة مقارنة بسوريا، ووفقًا لاستطلاعات الرأي، لا توجد رغبة بين اللاجئين في العودة إلى سوريا الأسد.

تأثير الاقتصاد والسياسة في الرأي العام التركي

في البداية كان الأتراك فخورين لكونهم مضيافين، ولكن الرأي العام التركي انقلب ضد اللاجئين، وفق ما يرى الكاتب.

فقد أظهر استطلاع للرأي في عام 2016 أن 72% ليس لديهم مشكلات مع اللاجئين، في الوقت الحالي، وعبر الطيف السياسي، يرغب حوالي 80% في عودة اللاجئين إلى موطنهم الأصلي. وكان للبطء الاقتصادي الحاد في عام 2018 تأثير في هذا التغيير.

هذا أيضًا نمط تاريخي للبلدان المضيفة، حيث تلاحظ كارين جاكوبسن، من كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس، أنه «مع تزايد عدد اللاجئين وطول المدة التي يقيمون فيها في بلد ما، يصبح المواطنون أقل استعدادًا لتزويدهم باحتياجاتهم».

كانت هناك تكلفة سياسية، فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم كل المدن التركية الثلاث الكبرى وغيرها في الانتخابات البلدية لعام 2019. وكانت قضية اللاجئين بارزة بشكل خاص في إسطنبول. وفي أعقاب الانتخابات في يوليو ( تموز) وأغسطس ( آب) 2019، كان هناك تحركات لدفع السوريين غير المسجلين في إسطنبول إلى خارج المدينة، مع احتجاز الكثيرين منهم، وترحيل البعض إلى مناطق المتمردين في شمال سوريا. كان لهذا تأثير مخيف على الرغم من احتجاجات الحكومة بأن سياستها ضد الإعادة القسرية لم تتغير.

هل الحل هو المناطق الآمنة؟

في هذا السياق، يجب رؤية الدفع الحالي من أجل إقامة منطقة آمنة. ليست هذه فكرة جديدة، فقد طرحتها تركيا عدة مرات، ووضعتها موضع التنفيذ في العمليات العسكرية في شمال سوريا.

استهدفت عملية درع الفرات في عام 2016 تنظيم داعش إلى حد كبير، وطهرت 100 كيلومتر من الحدود مع تأمين ألفي كيلومتر مربع بما في ذلك مدن مثل جرابلس، والباب.

وركزت العملية الثانية، غصن الزيتون، التي نُفذت في يناير (كانون الأول) 2018، على محافظة عفرين ذات الأغلبية الكردية من أجل دفع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تحكم المنطقة، بعيدًا عن حدود تركيا. ووسعت هذه سيطرة تركيا إلى 3.500 كيلومتر مربع. تقول تركيا إن 329 ألف سوري قد عادوا إلى كلا المنطقتين، في حين نفت تهم التطهير العرقي حول عفرين.

تكلفة إعادة الإعمار هائلة.. والاتحاد الأوروبي ينتظر الحل السياسي

ويرى الكاتب أن خطط المناطق الآمنة الحالية في المناطق التي أخلاها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وقوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا، لها نظام مختلف من ناحية الأراضي والناحية الديموجرافية، وتمتد إلى عمق 30 كم على مساحة تمتد مئات الكيلومترات.

في الأمم المتحدة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العودة المرحلية لمليون لاجئ في البداية.

ما زال اللاجئون السوريون في تركيا يتزايدون؛ إذ ولد حوالي نصف مليون طفل سوري في تركيا منذ الأزمة.

وتتكلف الخطة 27 مليار دولار، وتشمل بناء 140 قرية تضم كل منها 5 آلاف شخص و10 مدن يقطن كل منها 30 ألف نسمة. سيحتاج هؤلاء إلى المدارس، والمستشفيات والمراكز الصحية، والبنية التحتية، والخدمات الإدارية، وقوات الأمن المحلية، والمجالس المحلية المنتخبة. ثم يحتاج اللاجئون إلى إقناعهم بالعودة، وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة في التمويل.

السوريون في تركيا من هذه المناطق يبلغ عددهم 471 ألف، أما عدد من يرغبون في العودة فهو غير معروف. سيكون إقناع أولئك الذين جاءوا من أي مكان آخر في سوريا أكثر صعوبة.

وتذكر الحكومة التركية أن جميع عمليات العودة ستكون طوعية، في إشارة إلى العائدين إلى المناطق التي احتلتها تركيا في وقت سابق. مع ذلك، ما زال اللاجئون السوريون في تركيا يتزايدون؛ إذ ولد حوالي نصف مليون طفل سوري في تركيا منذ الأزمة.

وبينما قد تتمخض دعوة الرئيس أردوغان لعقد مؤتمر دولي للمانحين بقيادة الأمم المتحدة، يضم الأردن ولبنان، فإن الاتحاد الأوروبي قال إن أمواله لسوريا ستنتظر حلًّا سياسيًّا بشأن الحرب. يبدو أن مصادر التمويل الأخرى غير مؤكدة أيضًا.

دمج اللاجئين الذين يعيشون في تركيا أولوية ومكسب

ويختتم الكاتب مقاله بالقول إن المكاسب الحقيقية والأكثر إلحاحًا هي تحسين دمج اللاجئين الموجودين بالفعل في تركيا. يوجد هنا دور للمؤسسة السياسية التركية بأكملها، بما في ذلك أحزاب المعارضة التي كان خطابها يباري أحيانًا خطاب الشعوبيين والقوميين في الغرب.

بالنسبة لمجتمع المانحين، فإن رفاهية اللاجئين ليست مصلحة عامة عالمية فحسب، بل يجب أن يكون لديهم مصلحة في مساعدة البلدان المضيفة على التعامل مع هذا التدفق غير المسبوق للاجئين.

إن تقليل هشاشة هذه البلدان لا يمكن إلا أن يساعد في استقرار المنطقة، ومنع انتقال اللاجئين الجماعي إلى الغرب كما حدث في 2015 و2016. إن ظهور طبقة دنيا معزولة ومتنافرة عرضة للإجرام والتطرف في الأجيال اللاحقة، لن يهدد فحسب البلدان المضيفة، بل من المحتم أن ينشر عدم الاستقرار خارج المنطقة.

«ناشيونال إنترست»: هل فعلًا يُشكِّل اللاجئون السوريون خطرًا على الغرب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد