في الأسبوع الماضي، أفرج كل من البروفسور علي كارج أوغلو من جامعة كوج، والبروفسور أرسين كالايسيغلو من جامعة سابانجي؛ عن نتائج دراستهم التي حملت عنوان “المواطنة في تركيا والعالم: تقرير بحثي للعام 2014 صادر عن برنامج المسح الاجتماعي الدولي (ISSP)” وقد أجريت الدراسة بدعم من مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية في تركيا، وذلك كجزء من برنامج المسح الاجتماعي الدولي الذي جرى تنفيذه في 43 بلدًا.

 

تستند النتائج على إجابات من مقابلات أجريت وجهًا لوجه مع 1509 من الأشخاص شملهم الاستطلاع في 58 محافظة تركية، في الفترة ما بين 13 فبراير و6 أبريل.

 

ومنذ أن كان مفهوم المواطنة هو في صميم الديمقراطية، فإن هذه الدراسة – التي سعت للعثور على إجابات على أسئلة تتعلق بفهم الأشخاص المستطلعة آراؤهم حول المواطنة – تساهم بمعلومات هامة عن حالة الديمقراطية في تركيا. استندت أسئلة الاستقصاء على موضوعات تتعلق بالعلاقة بين الدولة والفرد حول مسائل مثل دفع الضرائب، وطاعة القانون، والتصويت في الانتخابات، والمشاركة في المنظمات المدنية، وتقبل الخلاف والثقة الشخصية.

 

كانت إحدى النتائج الأكثر إثارة للدهشة في هذه الدراسة هي أن نسبة عالية بشكل ملحوظ من المستطلعين (76٪) رأوا إجراء الاستطلاع باعتباره جزءًا مهمًا جدًا من كونهم مواطنين صالحين. ومن بين جميع الدول المشاركة في الاستطلاع، سجلت تركيا أعلى معدلات في هذا الصدد. وبالمثل، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة (73٪) واليابان (72٪)، ساهمت تركيا بأعلى معدل من المستطلعين (73٪) الذين يدعون أن سداد الضرائب هو عنصر أساسي آخر من المواطنة الصالحة.

 

علاوة على ذلك، عبَّر المشاركون عن احترامهم للقانون، والتسامح نحو من يخالفونهم الرأي، ومساعدة الآخرين من الفقراء كعناصر هامة أخرى من كونهم مواطنين صالحين، وذلك وفقًا لفهمهم لهذه الفكرة. وعمومًا، اتضح أن المشاركين في الاستطلاع من تركيا يفهمون “المواطنة الصالحة” بطريقة مثالية جدًا. وهذا يمكن أن يمثل علامة على ما يعرف باسم “رغبة التحيز الاجتماعية” في العلوم الاجتماعية، وذلك لأن ردودًا متناقضة على أسئلة أخرى أظهرت التعصب بدلًا من ذلك. على سبيل المثال، قال عدد كبير من المشاركين إنه من غير المقبول السماح باجتماعات علنية للجماعات التي  ينظر إليها على أنها مختلفة أو تشكل تهديدًا.

 

بالإضافة إلى ذلك، وفي حين أن المواطنين في الديمقراطيات لهم حقوق، فإن عليهم أيضًا مسؤوليات تتطلب مشاركتهم في الحياة السياسية والمدنية. وبناءً على ذلك، كما تظهر هذه الدراسة، فإن الوضع في تركيا يختلف كثيرًا عن الديمقراطيات الراسخة التي شاركت في الاستطلاع، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسويسرا والدول الإسكندنافية.

 

على سبيل المثال، تصنف النتائج تركيا على أنها من بين البلدان الأقل مشاركة في الحياة السياسية. فقد سعى 12% فقط منهم خلف عضوية حزب سياسي. وقال 10٪ فقط إنهم شاركوا في مظاهرة سياسية مرة واحدة على الأقل، وقال 72٪ ممن شملهم الاستطلاع إنهم لم يشاركوا في أي مظاهرات، وقال 14٪ فقط إنهم وقعوا على عريضة.

 

وعلاوة على ذلك، قال 89٪ ممن شملهم الاستطلاع إنهم ليسوا أعضاءً في أي نقابة، في حين ولغرض المقارنة، يقل العدد في الديمقراطيات المتقدمة مثل فنلندا والدنمارك والسويد عن 40٪. والمثير للدهشة أن  93٪ من أفراد العينة قالوا إنهم لم يكونوا جزءًا من أي تنظيم ديني، وهي نسبة تشكل 51٪ من مواطني تلك البلدان المشاركة في الاستطلاع. وبالمثل، أكد 88٪ من أفراد العينة التركية أيضًا أنهم ليسوا أعضاء في أي نادٍ رياضي أو جمعية ثقافية، و91٪ لم ينضموا أبدًا إلى أي منظمة طوعية. تشير كل هذه النتائج إلى المواطنة السلبية، أو انعدام المشاركة المدنية في المجتمع المدني. لا عجب أن الجميع يتجنب الأنشطة المنظمة بغض النظر عن طبيعتها. فكلمة “orgut”، التي تعني التنظيم، تحمل معنى سلبيًا تاريخيًّا باللغة التركية، مما يعني عمومًا، نشاطًا إجراميًّا غير قانوني.

 

وإلى جانب هذه الأرقام المنخفضة بشدة للمشاركة السياسية، هناك أيضًا تفاعل ضئيل جدًّا بين الأفراد. فبالنظر إلى أنه في يوم عمل نموذجي، قالت غالبية المستطلعين إنهم يتواصلون مع عدد قليل جدًا لا يتجاوز 4 أشخاص، وقالت المجموعة التي تليها من المستطلعين إنهم يتواصلون مع 5 إلى 9 أشخاص، حيث تغدو صعوبة عملية تشكيل الروابط المشتركة والشبكات الاجتماعية مع غيرهم من المواطنين أكثر وضوحًا.

 

ونتيجة لذلك، فإن غالبية الناس الذين يتفاعل معهم الأتراك على أساس يومي ليسوا سوى أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم. ومما لا يثير الدهشة، ولسنوات طويلة، وضعت عدة دراسات تركيا من بين الدول التي لديها أدنى معدل للثقة بين الأشخاص في العالم. في هذه الدراسة أيضًا، قال 1.5٪ فقط من المستطلعين إنه يمكن الوثوق في الناس بصفة عامة، وذكر 13٪ فقط أن الناس يمكن الوثوق بهم بشكل عام. وذكر ثلاثة من أصل أربعة أفراد، أو 75٪ من المستطلعين، أنه إذا كان الشخص غير مألوف لهم، فإن هذا لا يعمل لصالحهم، ويعتقد 7٪ فقط أن الناس يحاولون دائمًا أن يكونوا صادقين.

 

وبالتالي، إذا كان المواطنون في تركيا لا يثقون في بعضهم البعض، ونادرًا ما يختلطون مع الغرباء، فإنه يصبح أكثر قابلية للفهم كيف أن بالنسبة للغالبية العظمى من الناس في تركيا، التصويت ما يزال هو النشاط السياسي الرئيسي أو الوحيد.

 

عندما يتعلق الأمر بالسياسيين وأنشطتهم، فإن 51٪ من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن السياسيين يفضلون مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة. وعلى صعيد مشابه، ذكر 18٪ من أفراد العينة بأن كل موظف عمومي تقريبًا شارك في نوع من الفساد، وذكر 33٪ منهم أن الكثير من الناس كانوا متورطين في الفساد. وذكر حوالي 22٪ منهم أيضًا أن مجموعة صغيرة من الناس كانت فاسدة، بينما قال 3٪ إنه لا وجود للفاسدين في مجال الخدمة العامة. وأعطى مواطنو الدول الأخرى إجابات مماثلة على هذا السؤال، ولكن بالنظر إلى فضائح الفساد الحكومية الضخمة التي تم الإعلان عنها في ديسمبر من العام 2013، فمن الملفت للنظر أن ما يقرب من نصف المواطنين الأتراك إما لم يتأثروا بهذا أو لم يصدقوا مزاعم الفساد. وأحد الأسباب المحتملة لمثل هذه النتيجة هو قوة وسائل الإعلام. حيث ينبغي إعلام المواطنين حول القضايا العامة ويكونون قادرين على التعبير عن آرائهم، ولكن غالبية الناس في تركيا (78٪ من الذين شملهم الاستطلاع) يحصلون على أخبارهم من التلفزيون. وفي هذا الصدد، قال كارج أوغلو “التغطية الإعلامية المنحازة للغاية لا تبشر بالخير بالنسبة للمصير النهائي للديمقراطية في البلاد”.

 

في نهاية المطاف، عندما يتعلق الأمر بمسألة الفعالية الشاملة للديمقراطية في تركيا، يعتقد نحو 40٪ من المستطلعين أن الديمقراطية تؤدى بشكل جيد، في حين يعتقد 40٪ آخرون بعكس ذلك تمامًا، وهو ما يعكس الاستقطاب السياسي في تركيا. هذا الاستنتاج هو على النقيض من الدول المشاركة في الاستطلاع التي تتمتع بديمقراطيات راسخة. بينما تقول جامعة سابانجي إن هناك “تحسنًا كبيرًا (9٪) في هذا التصور مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن”، ولا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به للحفاظ على صعود نسبة التصور الإيجابي عن الديمقراطية.

 

بشكل عام، أكد هذا المسح أن التصويت نشاط سياسي كبير في تركيا، وخلاف ذلك يبدو أن الجميع لا يهتم إلا بشؤونه الخاصة، وذلك من أجل الحصول على مكاسب فردية والتفاعل مع الأفراد المألوفين فقط أو ما شابه ذلك. في مثل هذا المجتمع، لا يمكن الجزم بأن الديمقراطية ستظل في صحة جيدة. فالمزيد من جنون الشك والاستقطاب والتسييس المفرط للمجتمع لن يساعد على ذلك. وطالما هناك خوف شديد من الدولة كسلطة عقاب بدلا من سلطة خدمة، فإن رعاية القيم المدنية وتشجيع المشاركة السياسية في تركيا ستبقى مجرد أمنيات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد