قال جاجو راسل في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي»: إن الحكومة التركية تشن حملة قمع شديدة ضد كافة معارضيها منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في يوليو (تموز) من عام 2016، وطالت عشرات الآلاف من الأشخاص من صحافيين وأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان، وذلك بزعم صلاتهم بالإرهاب. وباتت سيادة القانون منتهكة إلى حد بعيد.

ويؤكد راسل أن الدول الغربية أدانت ما يجري في تركيا. بيد أن هذا لم يمنع حكومة الطيب أردوغان من ملاحقة المعارضين حتى خارج تركيا؛ إذ تتعاون أنقرة مع هيئات مثل الشرطة الدولية «الإنتربول» لملاحقة اللاجئين السياسيين في الخارج.

ففي عام 2017، راسلت الحكومة التركية الإنتربول لطلب المساعدة في ملاحقة حوالي 60 ألفًا، يشتبه في أن معظمهم من أتباع فتح الله كولن، وهو رجل الدين الذي تتهمه أنقرة بأنه مسؤول عن المحاولة الانقلابية الفاشلة، وبصلاته بالإرهاب. ومن المفترض أن تتعاون كافة الدول المنضمة إلى الإنتربول في ملاحقة هؤلاء الأشخاص. وعلى الرغم من أن الإنتربول يتفحص مثل هذه الطلبات بدقة للتأكد من أن دافعها ليس سياسيًّا –يشير راسل– إلا أنه لا يتفحص حاليًا القوائم التي تضم آلاف الملاحقين.

ولهذا يرى راسل أن مطالبة تركيا الإنتربول بملاحقة هذا العدد الهائل من الأشخاص بوصفهم مجرمين خطرين يعد إساءة استخدام للنظام. في عام 2016، بلغ إجمالي عدد المذكرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول 13 ألفًا فقط. المشكلة هي أن إساءة استخدام الهيئة الدولية لا يقف عند تركيا. إذ يقول راسل إن منظمته المسماة «محاكمات عادلة» رصدت إصدار مذكرات حمراء من طرف العديد من الدول بدوافع سياسية، منها مصر وروسيا وفنزويلا. وإذا أراد الإنتربول الحفاظ على مصداقيته، فلا بد من ضمان عدم استغلاله من طرف الحكومات لأغراض سياسية.

وعلى الرغم من إجراء الإنتربول بعض الإصلاحات الجذرية على قواعده –يستطرد راسل– إلا أن ذلك لم يمنع تركيا من مواصلة انتهاكاتها. ففي الصيف الماضي، اعتُقل صحافيان تركيان معارضان «أحدهما يحمل الجنسية الألمانية» في إسبانيا على أساس مذكرات حمراء صادرة عن الإنتربول. وقد أدى ذلك إلى سؤال المستشارة أنجيلا ميركل إبان حملتها الانتخابية، لترد بالقول: «يتعين على الدول تجنب إساءة استخدام المنظمات الدولية في أغراض سياسية».

بيد أن تركيا لا تعبأ بكل الانتقادات الدولية –يؤكد راسل– بل وراحت تدشن وسائل جديدة لملاحقة المعارضين في الخارج. إحدى هذه الوسائل هو موقع حكومي على الإنترنت تحت اسم «إرهابي مطلوب» للبحث عن الأشخاص المطلوبين. يضم الموقع أسماء أشخاص يتبعون تنظيم داعش، ولكن يضم أيضًا أسماء صحافيين، ونشطاء حقوق إنسان، ومعارضين هاربين. وتعرض الحكومة مكافآت ضخمة لمن يدلي بمعلومات تقود إلى هؤلاء الأفراد.

صورة تُظهر استسلام بعض الجنود المشاركين في المحاولة الانقلابية الفاشلة– تركيا

من بين المطلوبين الصحافي البلجيكي من أصل تركي بحر كيمونجور، الذي لطالما انتقد النظام التركي، وقد وُضع على لائحة الإرهاب في 2006 بعد مشاركته في تظاهرة في البرلمان الأوروبي. وطوال 12 عامًا، حاولت تركيا إسكاته عبر استصدار ثلاث مذكرات حمراء من الإنتربول، وقد اعتُقل في كل حالة لعدة أشهر. ولكن في كل مرة كانت الحكومات ترفض ترحيله إلى تركيا. وفي وقت لاحق شطب الإنتربول اسمه من قائمة الملاحقين.

لكن الحكومة التركية أدرجته الآن على موقع «إرهابي مطلوب»، وحددت مكافأة قدرها مليون ليرة تركية «حوالي 250 ألف دولار» لمن يدلي بمعلومات عنه. ويكشف راسل أن البلجيكيين وقعوا عريضة تطالب حكومتهم باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحمايته من التهديدات. وقد اتبعت تركيا النهج نفسه في جميع أنحاء أوروبا أيضًا. فهي تلاحق الآن إحسان سيبيليك، وهو موسيقي يعيش في ألمانيا، وعضو في فرقة شعبية معروفة بآرائها السياسية اليسارية. وسيلفيل سيفيملي، وهو طالب فرنسي حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات في تركيا بدعوى حضور حفل للفرقة المذكورة، والمشاركة في مظاهرة في يوم عيد العمال.

في فبراير (شباط)، اعتُقل صالح مسلم، وهو زعيم سابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري «PYD»، والذي يقيم حاليًا في فنلندا، أثناء حضوره مؤتمرًا في الجمهورية التشيكية إثر طلب تسليم من تركيا لأسباب تتعلق بالإرهاب. وعلى الرغم من أن المحاكم التشيكية قد أخلت سبيله في النهاية، فإنه سيظل يواجه خطر الاعتقال عند السفر ما لم يتم إلغاء المذكرة الحمراء الصادرة ضده.

وعلى الرغم من أنه من المستبعد أن تستجيب السلطات البلجيكية والألمانية والفرنسية لمطالب تركيا –يؤكد راسل– فإن دولًا أخرى ستفعل ذلك. في عام 2016، سلمت بلغاريا عبد الله بويوك، وهو طالب لجوء تركي، إلى تركيا عندما قررت وزارة الداخلية البلغارية أنه ليس لديه الحق القانوني للبقاء في البلاد، على الرغم من قرارين أصدرتهما محكمة بلغارية يرفضان تسليمه. تستخدم أنقرة أساليب عدة لإرهاب المعارضين. كما تحاول الحكومة التركية تمديد أجندتها السياسية إلى الاتحاد الأوروبي، وتهميش معارضي نظام أردوغان، بمن فيهم أولئك الذين فروا من تركيا هربًا من هذا الاضطهاد.

ويشدد راسل على أن أساليب الترهيب التي تتبعها الحكومة التركية هي جزء من اتجاه مثير للقلق يسعى لبذر الخلاف بين مجتمعات الشتات، وخلق جو من الخوف وعدم الثقة، ومنع معارضي نظام أردوغان حتى من العثور على الملاذ الآمن في دول الاتحاد الأوروبي. وهذا ينذر بالمخاطرة بحقوق مواطني الاتحاد الأوروبي، ويمثل إهانة للقيم المشتركة للاتحاد.

ويختتم راسل مقاله قائلًا: لا بد من ضمان أجواء العيش بحرية دون خوف للأتراك الذين يقيمون في الاتحاد الأوروبي، وحمايتهم من ملاحقة تركيا لهم عبر الحدود. ويجب على حكومات الاتحاد الأوروبي ومؤسساته أن يفعلوا المزيد لوقف محاولات تركيا تصدير القمع. وعلى بروكسل أن تدعم الدول الأعضاء حتى يتمكنوا من توفير الحماية الكافية للأفراد المستهدفين لضمان عدم تعرضهم لعمليات اعتقال ذات دوافع سياسية. ويتعين على مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن تتخذ موقفًا موحدًا في هذه القضية، ليس من الناحية القانونية فقط –تقوم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حاليًا بالتحقيق في تسليم بويوك– ولكن أيضًا من الناحية السياسية. وأخيرًا، يتعين على الحكومات الأوروبية إصدار بيانات علنية توضح أن الصحافيين والنشطاء السياسيين واللاجئين المعارضين للحكومة التركية سيكونون آمنين في دول الاتحاد الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد