أتذكر كيف انتعشت آمال الديمقراطية التركية قبل شهرين حينما نجح الحزب الكردي في الوصول إلى البرلمان رغم الانقسامات العرقية؟ كيف بدا ذلك محبطًا لخطط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي كان يرنو لإنشاء رئاسة على الطريقة الروسية؟ وكيف بدا حزبه الحاكم مستعدًا، للمرة الأولى منذ تسلمه السلطة في عام 2002، للمشاركة في حكومة ائتلافية.

لم يحدث شيء من ذلك.

جرت الانتخابات كما هو معروف في شهر يونيو، ولكن أردوغان تجاهل النتيجة: لم يسمح للفائزين أبدًا (حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه) بتشكيل حكومة ائتلافية جديدة. وبينما قد يطلب في نهاية المطاف من رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بإنشاء حكومة أقلية مع بعض القوميين، فإن الهدف ربما يكون فقط لإجراء انتخابات جديدة في الخريف.

وهذا هو أسوأ مما يبدو لأن أردوغان، من أجل عكس نتائج الانتخابات، سيكون بحاجة لكسر التحالف بين الليبراليين الأتراك والأكراد. ذلك التحالف الذي سمح للحزب الديمقراطي الشعبي الكردي بدخول البرلمان. وأفضل طريقة لذلك هي إحياء الأحقاد العرقية التي أغرقت تركيا في حرب لمدة 30 عامًا بداية من منتصف الثمانينات، وأسفرت عن مقتل 40 ألف شخص وفرص اقتصادية لا توصف.

للمتابعين من الخارج، قد لا يكون واضحًا أن هذا هو ما يحدث بالفعل. قرار أردوغان  بالسماح أخيرًا للولايات المتحدة بشن ضربات جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من القاعدة العسكرية التركية في إنجرليك حول انتباه الناس. ولكن في الوقت نفسه، جددت تركيا الضربات الجوية ضد المتمردين الأكراد الذين أنهوا بسرعة وقف إطلاق النار الذي أعلنوه في عام 2013.

الضربات التي تشنها الولايات المتحدة من القاعدة العسكرية التركية ستكون مفيدة، وإن كان من غير المرجح أن تكون حاسمة في إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة. من ناحية أخرى، فإن تجدد الحرب بين تركيا والمقاتلين الأكراد من المحتمل جدًّا أن يدمر الديمقراطية التركية.

يثبت أردوغان حتى الآن أنه ليس ديمقراطيًّا. وهو، مع ذلك، سياسي باهر. في عام 2009، بدأ ما يسمى الانفتاح الكردي لتأمين الأصوات الكردية لنفسه ولحزبه. الأكراد العرقيون في تركيا كانوا من الدوائر الطبيعية لحزب العدالة والتنمية المحافظ، وذلك بسبب أنهم من بين أكثر الناس المحافظين دينيًّا في البلاد.

ومع ذلك، كان الأكراد بحاجة إلى الاقتناع بعدم التصويت بكثافة لصالح أي من الأحزاب التركية الحاكمة. لذا هو كان بحاجة إلى نزع فتيل النزاع من دون أن يفضي ذلك إلى تنفير قاعدته التركية القومية الخاصة.

بدا المسار متعرجًا، ولكن أردوغان كان يحدوه الأمل هذا العام بأن الأكراد الذين لم يصوتوا لحزبه سيفوزون فقط بـ6% كمستقلين، و- على الأقل ضمنيًّا- سيدعمون الدستور الجديد في مقابل بعض التنازلات.

بدلًا من ذلك، استبعد زعيم حزب الشعب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاز بشكل قاطع دعم الدستور الرئاسي، وقرر انضواء المرشحين الأكراد تحت قائمة الحزب، ودعا الأصول التركية لمساندته من أجل هزيمة خطط أردوغان لانتخاب الاستبداد.

ونجح دميرتاز. عبر حزبه عتبة الانتخابات التركية بتحقيق نتيجة بلغت 10% من الأصوات مكنته من دخول البرلمان، وسرق من الرئيس الأغلبية البرلمانية القوية التي يحتاجها للموافقة على الدستور الجديد الذي من شأنه أن يعطي له هذا النوع من السيطرة المطلقة التي يتمتع بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في روسيا.

بدلًا من قبول هذه الهزيمة والسماح بتشكيل حكومة ائتلافية، تجاهل أردوغان التصويت. وبدا أقرب إلى إجراء انتخابات جديدة يحاول من خلالها دفع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي خارج حلبة السباق.

لحسن الحظ بالنسبة لأردوغان، كانت عملية السلام الكردية هشة دائمًا. حزب العمال الكردستاني، المتمرد العسكري الذي يستخدم تكتيكات إرهابية والذي يتبنى أيديولوجية على غرار الماركسية الغريبة، دائمًا ما كان مترددًا في إلقاء السلاح، وكان سريع العودة إلى العنف. الآن، بات دميرتاز في موقف لا يحسد عليه من الحاجة إما إلى دعم حرب الحكومة ضد الأكراد، أو أن يقف بجانب الإرهابيين. كلا الأمرين سيكلفه الدعم.

إذا نجح أردوغان في استخدام الصراع الكردي المتجدد لتأمين سلطاته الرئاسية، فإنه سيكون من الصعب للديمقراطية التركية أن تبقى.

إن السبيل الوحيد لإحباط خطط أردوغان الآن أن يتبنى حزب الشعوب الديمقراطي إدانة عنف الأكراد وفي المقابل يدعم الأتراك الليبراليين الحزب في الانتخابات المقبلة. غير أن ذلك سيتطلب مستوىً غير عادي من ضبط النفس والنضج السياسي من كلا الجانبين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد