منذ العام الماضي، حوّلت تركيا المدن الكردية، جنوب غرب البلاد، إلى ساحة حرب؛ بهدف اقتلاع المسلحين الكرديين منها. مؤخرًا بدأت تركيا قصف القوات الكردية شمالي سوريا. وبعد تفجيرات 17 فبراير (شباط) التي استهدفت آليات عسكرية في أنقرة، وخلّفت 26 قتيلًا والعديد من الجرحى، صرّح أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي بأن انتصارات الأكراد على جبهة النصرة والثوار )المعتدلين)- على حد وصف الحكومة – تمثّل تهديدًا وجوديًا لدولة تركيا.

لماذا تخشى تركيا الأكراد؟ وما السبب وراء ردود فعلها تجاههم؟ يحاول خليل كرافيلي، في مقاله بجريدة فورين أفيرز، العودة إلى تاريخ الأرض التركية، ليدرس الماضي سعيًا إلى فهم أفضل للموقف الحاضر، وتوقّع أدق لمجريات المستقبل.

أساسات ضعيفة

قامت الجمهورية التركية، عام 1923م،على أساسات ضعيفة. فلطالما كانت شبه جزيرة الأناضول – التي تغطّي 97% من مساحة تركيا – عصيّة على التوحّد تحت راية حكومة مركزية على مر التاريخ. قبل قيام جمهورية تركيا، لم تتمكّن سوى دولتين من السيطرة على أغلب بقاع شبه الجزيرة: الأولى دولة الحيثيين، في الألفية الثانية قبل الميلاد، والثانية هي دولة السلاجقة المسلمين الأتراك، من القرن الحادي عشر وحتى الثالث عشر. تطلّب الأمر ألفي عامٍ لكي يتحدّث الإقليم لغة مشتركة: اليونانية، ثمّ ألف عامٍ أخرى للتحدّث بالتركية، واعتناق الإسلام. يرجع نجاح السلاجقة في كسب سكّان شبه الجزيرة من الفلاحين المسيحيين في صفّهم، والانتصار على الدولة البيزنطية في معركة ملاذكرد، إلى امتناع السلاجقة عن فرضِ ديانتهم على الفلاحين بالقوة، مثلما فعل البيزنطيون.

التجانُس الذي لا يجيئ

  الرئيس مصطفى كمال أتاتورك يشاهد مناورة جوية مع قادة الجيش. 24 يونيو (حزيران)، 1936م.

حتّى بعد سيطرة الإمبراطورية العثمانية على شبه الجزيرة، استمرّت الولايات في مقاومة مركزية الإمبراطورية. بلغت التمرّدات حدًا كاد يتسبّب في انهيار الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن السابع عشر. صحيحٌ أن الاحتجاجات تمّ سحقها بنجاح، لكن العداوة بين الأقاليم الأناضولية واسطنبول لم تنتهِ.

ثمّ جاءت عملية تحويل الأناضول إلى دولة تركية وطنية، التي أراقت الإمبراطورية العثمانية فيها دماء الأرمنيين، الإغريق والآشوريين الذين رفضوا التحوّل عن المسيحية، وهجّرتهم قسريًا. لكن الانقسامات العرقية والدينية لم تنته، فقد بقيت أقليات مثل العلويين والأكراد، ولم يتحقّق التجانس المنشود.

وبعد قيامها عام 1923م، لجأت الدولة التركية الناشئة، خوفًأ من انهيارها، إلى مزيدٍ من القمع للأقلية الكردية. أعمَلَت سيوفها في الأكراد بمقاطعة أجري عام 1932م، وفي مقاطعة درسيم بعدها بعدّة أعوام. لكن التجانس الوطني لم يتحقّق بالطبع. حتّى انقلاب الجيش على قوى اليسار الصاعدة عام 1980م، ومحاولات الأسلمة التي اتبّعها الجيش، كل هذا لم يكن كافيًا لعرقلة صعود نجم الوطنية الكردية العلمانية، ليتفاقم الوضع مع بداية تمرّد حزب العمّال الأكراد (بي كي كي)، عام 1984م.

«العدالة والتنمية»: أرض مشتركة

 محتجّون أكراد في سوريا يرفعون صورة لعبد الله أوجلان، قائد حزب العمّال الأكراد، في ذكرى اعتقاله من قبل الحكومة التركية. 14 فبراير (شباط)، 2016م.

وصل حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي السنّي إلى السلطة عام 2002م، وبدا كأرض مشتركة يمكن للأكراد والأتراك المحافظين الوقوف عليها، على حدٍ سواء. بدأ الحزب عام 2012م إجراء محادثات مع عبد الله أوجلان، قائد حزب العمال الأكراد المُعتقل. وفي 2013م، دعا أوجلان حزبه إلى إنهاء العنف الذي وقع ضحيته ما يقرب من 40 ألفًا، أغلبهم من المسلحين الأكراد.

سعت الحكومة التركية، جنبًا إلى جنب مع أوجلان، إلى ترسيخ الأخوة الوطنية بين الأكراد والأتراك، حيث ‘‘سار الأكراد والأتراك سويًا لآلاف الأعوام تحت لواء الإسلام’’ كما قال أوجلان. أشار أيضًا إلى رسالة تركيا في توحيد الأتراك والأكراد والعرب والآشوريين، في العراق وسوريا، الذي انفصلوا عن الإمبراطورية العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وهي رؤية لا تختلف كثيرًا عن رؤية الحكومة التركية. فقد صرّح نائب سابق لرئيس الاستخبارات الوطنية التركية أن ‘‘حلّ مشكلة الأكراد قد يتمخّض عن تغيّرات في حدود المنطقة وخريطتها’’، في إشارة إلى إمكانية ضمّ الأقاليم الكردية في سوريا والعراق إلى دولة تركيا.

أعداء من جديد

 أطفال يسيرون على أنقاض المباني بمدينة جزرة، بعد قِتال عنيف بين القوات الحكومية والقوات الكردية. 2 مارس (آذار)، 2016م.

 

عقِب النجاح الذي أظهره حزب الشعوب الديمقراطي، الموالي للأكراد، في انتخابات يوليو 2015م البرلمانية، تصاعدت مخاوف النخبة الحاكمة التركية من عودة خطر حزب العمّال الأكراد مرة أخرى، خاصة بعد القوّة التي اكتسبها الأكراد في سوريا. أدّى هذا بالنظام إلى إنهاء عملية السلام والعودة إلى مواجهة الحزب مرة أخرى. وهو ما دفع بحزب العدالة والتنمية إلى الاقتراب من خصمه السابق: الجيش.

منذ البدء، عارض الجيش التركي عملية السلام مع حزب العمّال الأكراد. وصل الأمر إلى التهديد الصريح لحزب العدالة والتنمية من تخطي ‘‘خطوط الجيش الحمراء’’. وبعد إنهاء عملية السلام، اتبعت الحكومة سياسة تجاه الأكراد مماثلة لسياسة الجيش، بل نقلت مسئولية محاربة الأكراد الإرهابيين، كما تعتبرهم، من القوات المدنية إلى القوات المسلحة.

الآن من الصعب التفرقة بين تصريحات قادة الجيش وقادة الحكومة. يتحدّث رجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية، بنفس اللغة التي يتحدّث بها الجنرال خلوصي عكار، رئيس الأركان؛ اللغة التي تعتبر تركيا بلدًا خالِصًا للأتراك، وتتعهّد بجعله كذلك.

هل تتعلّم تركيا من ماضيها؟

 احتكاكات بين قوات الأمن ومحتجّين أكراد ضد حظر التجوال بمدينة ديار بكر. 2 مارس (آذار)، 2016.

 

يُنهي كرافيلي مقاله، بجريدة فورين أفّيرز، بتوصية القادة الأتراك بضرورة إنهاء العداوة مع الأكراد، والنظر إلى مطالبهم. إن الانتصار في معركة ملاذكرد أدخَل الأتراك إلى الأناضول، لكنّه لم يجعلها موطنًا حصريًا للأتراك كما يدّعي الوطنيون التركيون.

ينبغي على حزب العدالة والتنمية التواصل مع الشركاء من الأتراك الليبراليين، والأكراد، لكي يتغلّب على معارضة الجيش لعملية السلام. على تركيا أن تنظر إلى ماضيها، فذلك كافٍ لكي ندرك أن محاولة فرض «التجانس» بالقوة لن تُفضي إلى شيء، إلا مزيدًا من تقسيم البلاد، وكسر شوكتها في نهاية المطاف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد