اعتادت بيريل إسكي زيارة القرى الواقعة على ساحل بودروم التركي منذ سنوات. وفي الأسبوع الماضي، اجتاحت حرائق الغابات المنطقة الساحلية.

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا أعدَّته الصحافية بيريل إسكي تستعرض فيه كيف دمَّرت حرائق الغابات في تركيا واحدًا من أجمل الأماكن التي رأتها الكاتبة على الإطلاق.

تستهل بيريل تقريرها بالإشارة إلى أنها كانت تقضي كل صيف في منطقة بودروم الساحلية منذ نُعومة أظفارها، وقد كانت قرية مازي المكان المفضل لكي تمارس هواية السباحة المفضلة لديها.

مشاهد خلابة

تتابع بيريل تجربتها، فتقول: كانت القرية الساحلية تبعد 30 كيلومترًا عن منزلنا الصيفي، ولكن حتى الطريق المؤدية إليها كان ذلك جزءًا من التجربة المثيرة؛ إذ إنه ينعطف بين غابات الصنوبر الكثيفة ونفق أخضر زمردي يؤدي إلى الجبال الشديدة الانحدار التي تعانق أشعة الشمس. وكانت هناك أودية خضراء تُظلِّلها الغابات. وبمجرد الوصول إلى الشاطئ الذي تكسوه الصخور البيضاء، ترى البحر الفيروزي اللؤلؤي كأنه يرتمي في أحضان الأودية.

Embed from Getty Images

وفي مناطق أخرى من بودروم، يمكنك الاستمتاع بكل أنواع الرفاهية، مثل الفنادق من فئة الخمس نجوم والمطاعم الباهظة الثمن والعروض الموسيقية الحية واليخوت الفاخرة. لكن قرية مازي تُوفِّر تجربة ريفية لزوارها، مع عدد قليل من النزل والمطاعم المتواضعة، ويستقبل القرويون المتواضعون السياح بكل ترحاب.

الحرائق تُغير المشهد

ولكن، وبحسب ما تستدرك الكاتبة، عندما اندلعت حرائق الغابات في أكثر من 200 مكان في 47 بلدة، وأودت بحياة ثمانية أشخاص على الأقل، نالت قرية مازي أيضًا نصيبها من الضرر الذي لحق بالمنطقة؛ فقد احترقت آلاف الهكتارات من الغابات بالكامل، وفضلًا عن ذلك تحولت الأودية الخصبة والجبال إلى اللون الرمادي، فيما أسعف الحظُّ القرويين لإنقاذ منازلهم. وتلفت الكاتبة إلى أنها عادت إلى مازي لتقف على ما خلَّفته النيران المستعرة.

Embed from Getty Images

حتى على بعد 100 كيلومتر من المنطقة، كان الطقس ملبدًا بالغيوم والغبار. وكان نفق الغابة باتجاه قرية مازي لا يزال يتلألأ باللون الأخضر؛ إذ تحميه الرياح العكسية من أن تمتد إليه الحرائق. وغابت الشمس لبعض الوقت، ثم عادت للظهور على شكل كرة برتقالية داكنة اللون.

أَثَر بَعْدَ عَيْنٍ

وتمضي الكاتبة فتقول: وبينما كنتُ أواصل مسيرتي، بدأت أرى البقع الرمادية للأشجار المحترقة بين النَبتْ والشجيرات التي تكثفت باتجاه القرية. وفي مرحلةٍ ما، كان المشهد كله متفحمًا، باستثناء بعض الأشجار التي نجت من الحرائق.

وكانت هناك بعض الأشجار على الطريق، قطعها رجال الإطفاء لإعاقة النيران المستعرة. وكان الضباب يزداد كثافةً كلما اقتربتُ من القرية. وعلى الرغم من أن الحريق انتهى، كنتُ لا أزال أشم رائحة الدخان التي تُزكم أنفي. وكانت الرياح تجرف الغبار في طريقها، مما جعلني غير قادرة على فتح عينيَّ.

وتابعت الكاتبة: كانت هناك عربات الإطفاء التي وفَّرها رئيس بلدية بودروم وبلديات أخرى، تنتشر على الطريق لمنع نشوب الحرائق في المستقبل. وكانت سحب الغبار تستقر على قمم الجبال. وكانت الأشجار المحترقة، التي لم يبقَ منها سوى جذوعها وفروعها المتفحمة، لا تزال شاخصةً تشهد على الكارثة. وكانت مازي ذات يوم قرية جميلة وهادئة، لكنها الآن أَصْبَحَت «أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ».

غضب سكان القرية

ونوَّهت الكاتبة إلى أن القرويين تجمعوا في مقهى محلي في محاولة منهم للتعافي من أثر الكارثة، فقد تأثرت الغابات وزراعة الزيتون والسياحة بشدة من جراء الحرائق، وهي مصادر الدخل الرئيسة لهم، الأمر الذي ترك عديدًا من القرويين عالقين في وضع صعب.

Embed from Getty Images

كان السكان يشعرون بالهجر والوحدة والعجز، ذلك أنهم يشعرون بخيبة أمل إزاء غياب التنسيق وعدم كفاءة الحكومة. لم تُستخدَم أي طائرات أو مروحيات لإطفاء الحرائق، وترى الكاتبة أن الجهود المبذولة على الأرض لم تكن كافيةً. وفي حين تحرك معظم السكان لإخلاء المنطقة أثناء حرائق الغابات، بقي البعض وقاتلوا لإنقاذ منازلهم وبيوتهم.

وتوضح الكاتبة أن كل محادثة أجرتها مع السكان المحليين تحولت إلى حوار سياسي أو غلَّفتها نظريات المؤامرة. فالسكان غير راضين عن تصريحات السلطات، ولا يزالون يبحثون عن أجوبة لما حدث. والآن وبعد أن احترق معظم المكان، ينتاب السكانَ شعورٌ بالقلق بشأن مسألة أن تُشيِّد الحكومة فنادق ومطاعم فاخرة على الأرض المحروقة.

غطى الرماد صخور الشاطئ البيضاء، وتغير اللون الأخضر المحيط بها إلى ظلال قاتمة من اللونين البني والرمادي. ولم يعد لون البحر أزرق صافيًا كما كان. وكذلك لم يعد لواحد من أجمل الأماكن التي رأتها الكاتبة وجود. وباتت تمثل أطلالًا لِذكرى من الماضي.

واختتمت بيريل تقريرها قائلة: نظرتُ والحُزن يعتصرني إلى الأفق الضبابي، الذي بالكاد يكشف الجزر اليونانية المجاورة. واقترب مني أحد القرويين وهمس قائلًا: «لقد اعتدنا أن نقول إن الكارثة تضرب وترحل، وما يتبقى منها هو المعاناة. والآن، نقول: إن الكارثة ضربت ورحلت، ولكن لم يتبقَ منها سوى الموت».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد