نشر الكاتب طلحة عبد الرزاق، الباحث في معهد الاستراتيجية والأمن بجامعة إكستر البريطانية، وحائز جائزة الجزيرة للباحثين الشباب، مقال رأي على الموقع الإلكتروني لقناة «تي آر تي وورلد» التركية، تحت عنوان «معاداة الأتراك وراء تغيير السعودية التاريخ العثماني»، والذي يرى فيه أن لمراجعة المملكة لمادة التاريخ في المنهج الدراسي السعودي، دوافع سياسية، وتهدف إلى انتقاد تركيا المعاصرة.

ويقول عبد الرازق إن الخطاب ذي النزعة القومية المفرطة، الذي يُبث في المجتمع السعودي، أصبح من السمات المميزة لعهد عاهل المملكة العربية السعودية، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ونجله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولا تسعى هذه النزعة القومية المفرطة إلى تعزيز الشعور بالفخر القومي فقط، ولكن أيضًا الولاء للملكية المطلقة؛ من خلال اختلاق سرد تاريخي يصوِّرهم منقذين وأوصياء على «الشعب السعودي»، وليس بصفته خدمة خالصة لمصالح عائلة آل سعود الحاكمة.

وفي جزء من محاولة إنشاء هوية وطنية جديدة، شن المسؤولون عن التعليم في السعودية هجومًا قاسيًا على عدوٍ قديمٍ، بتغيير المنهج الدراسي لمادة التاريخ لتوصيف الإمبراطورية العثمانية بأنها «دولة غازية وإجرامية»، وتسمية سيادتها على شبه الجزيرة العربية بـ«الاحتلال العثماني».

https://www.sasapost.com/the-true-story-of-turkish-hero-ertugrul/

زواج القومية ومعاداة الأتراك

يرى الكاتب أن تحرُّك وزارة التعليم السعودية للتعتيم على التاريخ – وهي الخطوة التي لاقت ثناءً من أفراد العائلة المالكة- وغسل أدمغة الأطفال بالمملكة لا يهدف فقط إلى «تسجيل نقطة» ضد الدولة العثمانية، التي أخمدت ثورات آل سعود المتتالية، حتى تحالفوا مع الإمبراطورية البريطانية، ولكن أيضًا لإذكاء المشاعر المعادية للأتراك بين المواطنين السعوديين بمقتضى ازدراء الرياض الواضح للحكومة التركية، بقيادة رجب طيب أردوغان.

وقال: «يشعر محمد بن سلمان بالحرج – ناهيك عن يديه الملطّختين بالدماء- منذ أن دبَّر هو و/ أو الرجال الموالون له القتل الوحشي للصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل عام تقريبًا. فقد استُدرِج خاشقجي إلى القنصلية السعودية في إسطنبول، إذ تشير الدلائل إلى أنه وقع في كمين نصبته فرقة اغتيال، وخُنِق حتى الموت ثم قُطِّع وأُحرِقت رفاته أو أُذِيب في الحمض».

وأضاف الكاتب: «ومنذ ذلك الحين، تحتل تركيا الصدارة في الحملة العالمية لتقديم مرتكبي هذه الجريمة المروِّعة إلى العدالة، وهو ما لا يشعر محمد بن سلمان بالرضا عنه على الإطلاق. وفي حين تعتقد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) أن محمد بن سلمان وزمرته وراء اغتيال خاشقجي، فإن الولايات المتحدة أكبر من أن يُعبَث معها، ولا بد للمملكة العربية السعودية أن تحافظ على رضا واشنطن؛ لأنها تعتمد على القوة الأمريكية للبقاء على قيد الحياة».

وتابع: «لذلك صبَّت الرياض جام غضبها على القوة الإقليمية تركيا، بشن هجوم عنيف مصحوب بافتراءات معادية للعثمانية وسيلة لإخفاء مشاعرها المعادية للأتراك التي تفاقمت بسبب قضية خاشقجي، ودعم تركيا لقطر التي تتعرض لحصار فرضته المملكة العربية السعودية وحلفاؤها عليها منذ عام 2017، ودعم أنقرة للحركات المؤيدة للديمقراطية في جميع أنحاء الشرق الأوسط».

«ونظرًا إلى أن الإمبراطورية العثمانية كان يُشار إليها في المملكة العربية السعودية باسمها الصحيح لعقود من الزمان، وعدت جزءًا من النسيج التاريخي للمنطقة، وكان لها تأثير هائل حتى في القواعد والعادات الاجتماعية والثقافية؛ فلا يمكن وصف تلك التغييرات الأخيرة في المنهج الدراسي لمادة التاريخ بالسعودية إلا على أنها ذات دوافع سياسية»، وفقًا للكاتب.

وكثير من الناس في جميع أنحاء العالم العربي يرون أردوغان وحركته السياسية أحفادًا للعثمانيين، وعلى الرغم من أنهم ليسوا «عثمانيين جدد»، فإن هذا التصور موجود؛ لذلك تحاول المملكة العربية السعودية توجيه طعنة لتركيا المعاصرة عن طريق الإساءة للعثمانيين.

ضغينة تاريخية تجاه الدولة العثمانية

ما يزال آل سعود بالطبع يشعرون بالمرارة من أن سلفهم عبد الله بن سعود، تعرَّض للأسر في المعركة، بعد أن هزمت قوات التحالف العثمانية دويلته المتمردة في عام 1818، حتى إن وزارة التعليم السعودية أصدرت بيانًا يزعم «اغتياله»، لكنه – في الواقع- نُقل إلى عاصمة الإمبراطورية إسطنبول، حيث أُعدِم بسبب تمرده وأعمال أخرى، مثل الإغارة والاستيلاء على البلدات والمدن القريبة من إمارته السابقة.

Embed from Getty Images

وأردف الكاتب طلحة عبد الرزاق قائلًا: «من الطريف أن وزارة التعليم لا تصف الحلفاء الإمبراطوريين البريطانيين الذين ساعدوا السعوديين في تأسيس الدولة السعودية الحديثة كغزاة ومجرمين، على الرغم من سلسلة الجرائم التي ارتكبوها في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، وهو مجتمع واسع يرى آل سعود أنهم قادة له».

وليس بالأمر الخفي أنه لولا دعم بريطانيا في الحرب العُظمى (الحرب العالمية الأولى)، لما انتصر السعوديون أبدًا في مواجهة العثمانيين، ومع ذلك، فقد انتصروا، وبسبب ولائهم المطلق للمخططات البريطانية، لم يكن من الضروري احتلالهم بطريقة تشبه – على سبيل المثال- العراق الكائن شمال الدولة السعودية المؤسَّسة حديثًا، إذ كان على البريطانيين أن يواجهوا ثورةً تلو الأخرى.

وأوضح الكاتب أن إحدى المفارقات هي أن الاستراتيجية السعودية لا تختلف كثيرًا عن الاستراتيجية العثمانية التي حاول السلطان عبد الحميد الثاني تطبيقها، والتي سعت إلى تعزيز الشعور العثماني بالهوية الذي طغى على الانقسامات القبلية والدينية والإثنية الفردية».

وتابع أنه في النهاية، فشلت خطة السلطان، إذ انتهى عصر الولاء الإقطاعي لعائلة معينة، وساد مكانه الولاء للهوية الوطنية، ومن المحتمل أن تواجه محاولة السعودية لإذكاء النزعة القومية فشلًا مشابهًا، إذ يعرّف الكثير من السعوديين أنفسهم بأنهم ينتمون لمناطق وقبائل فردية، وليس من خلال علاقة غامضة مع ملك من أسرة حاكمة واحدة».

وعلى الرغم من أن المواطنين السعوديين قد ينجذبون إلى فكرة الولاء لإحساس المواطنة والانتماء إلى أرض، وشعب، ودين، وعادات مشتركة معينة، فإنه من غير المرجح أن يكون هناك قبول كبير من السكان لتكريس أنفسهم لعائلة واحدة، ومن المحتمل أن يكون هذا هو الحال بمجرد أن يجف النفط وتتكشف المصاعب الاقتصادية في البلاد، بحسب الكاتب.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: «وحين يأتي ذلك اليوم، فلن أُفَاجَأ برؤية هذه «السعودة» المؤسَّسة حديثًا تتهاوى في وقت أسرع من الوقت الذي استغرقه السعوديون لتشويه سمعة الإمبراطورية العثمانية».

https://www.sasapost.com/calouste-gulbenkian/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد