لطالما وُصفت حركات الربيع العربي بأنها ظاهرة علمانية اكتسبت زخمها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي. ومع أن العديد من الأكاديميين نبّهوا إلى الدور الصامت بالغ الأهمية الذي لعبته المساجد في تلك التحرّكات، فإن هذه السردية التي تُثبت دور المساجد كانت تفتقر إلى الأدلة التجريبية، خاصة مع غياب البيانات.

كان هذا بالطبع إلى أن وقعت محاولة الانقلاب في تركيا، وصدعت الجوامع بالأذان في شوارع اسطنبول (وتركيا كلها فيما بعد) في تسلسل متقنٍ لشحذ الهمم وتنبيه المواطنين وحشدهم. في هذا المقطع، تتبارز أصوات الآذان مع الصوت الهادر لطائرة نفاثة تطير على ارتفاع منخفض في سماء ليل تركيا. تحلّل «فورين أفيرز» البيانات التي جمعتها عن أحداث محاولة الانقلاب، في محاولة لفهم كيف خُلق الحراك الشعبي التركي ضد الانقلاب، بين المسجد و«الهاشتاج».

قبل أن يظهر «إردوغان»

المحلّل لمشهد محاولة الانقلاب التركية قد يعتقد للوهلة الأولى أن وسائل التواصل الاجتماعي أنقذت عنق الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، بعد ظهوره عن طريق تطبيق FaceTime على قناة CNN Turk، وتغريداته التي كتبها على تويتر. لكن التحليلات الشاملة التي أجرتها «فورين أفيرز» التقطت حراكًا ضد محاولة الانقلاب، بدأ على شبكة الانترنت، ثمّ انتقل إلى شبكات المساجد، ومنها إلى أرض الواقع، قبل وقتٍ طويل من ظهور رئيس الوزراء بن علي يلدريم أو أردوغان.

بالتأكيد كان للظهور الإعلامي المباشر لكلاهما دورًا كبيرًا في تأجيج الحراك الشعبي ضد الانقلاب، لكن الأمر لم يكن في أصله استجابةً لمطالبات الرئيس التركي، وإنما بالأحرى ردّ فعل سياسي طبيعي للشعب التركي.

كيف تولّد الحراك

يذهب التقرير إلى أنّ الحدث الذي أشعل الموجة الأولى من المقاومة على شبكة الانترنت كان غلق جسر البسفور في الساعة العاشرة بتوقيت شرق أوروبا. لم يلبث الارتباك حول الأمر طويلًا، إذ بدأت حسابات عدّة على تويتر بتسميته صراحةً بالانقلاب، مستخدمة هاشتاج #DarbeyeHayır (لا للانقلاب). وتبعته هاشتاجات أخرى تصاحب كل حدثٍ تقوم به قوات الانقلاب، مثل غلق مطار أتاتورك، والاستيلاء على التليفزيون الرسمي.  في الوقت نفسه، كانت الشبكات الإقليمية لحزب العدالة والتنمية قد بدأت في الحشد استجابةً للتحركات غير المتوقّعة للقوات، عن طريق المكالمات الهاتفية والرسائل النصية. وكذلك فعلت العديد من الطرائق الدينية التركية في اسطنبول، المتركّز في حي فاتح وأوسكودار، وهو ما اجتذب عشراتٍ من المحتجين الذين سترتفع أعدادهم في خلال ساعات إلى آلاف نجحوا في شلّ والتغلّب على تحركات القوّات سيئة التنظيم.

من تويتر إلى المأذنة

بعدها انتقل الحشد ضد محاولة الانقلاب من أروقة التواصل الاجتماعي إلى المآذن. كانت المساجد، كما يصف المقال، «أجراس إنذار وكذلك منافذ تشخذ همم المحتجين على الأرض». تُظهر الخريطة التي وضعتها «فورين أفيرز» المدى الصوتي التقريبي لكل جامعٍ في شبكاتِ الجوامع التركية، وتُقارنها بشبكاتِ الحشد عن طريق شبكة الانترنت. تُظهر التحليلات أن المناطق التي بها شبكة محكمة من المساجد التي صدعت بالأذان، وشهدت نشاطًا ملحوظًا على مواقع التواصل الاجتماعي كانت أبرز المناطق التي تحرّكت ضد محاولة الانقلاب ونجحت في إحباطه.

استخدمت «فورين أفيرز» كذلك استطلاع رأي شارك فيه 1875 من أصل سبعة إلى ثمانية ملايين شخص شاركوا في «حرس الديمقراطية»، التجمّع الاحتجاجي الذي هدف إلى إبقاء الحشد الشعبي متواجدًا في الشوارع لاحباط أي محاولات تالية للانقلاب. وبعرض أماكن سكنهم وأماكن مشاركتهم على خريطة شبكات المساجد والنشاط الإلكتروني، خرجت نتيجة مشابهة تظهر دورها في تحريك المواطنين ضد الانقلاب.

انقلاب أنالوجي في عصرٍ رقمي

الأمر كما يصفه سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية بمعهد واشنطن، هو مثال على «انتصار العصر الرقمي على الانقلاب الأنالوجي». الطرق القديمة في التحرّك والسيطرة التي اتبعها الانقلاب لم تصمد أمام التكتيكات المبتكرة التي استخدمها مناهضوه. في الانقلابات السابقة كانت السيطرة على شبكات التليفزيون الرسمي عنصرًا رئيسيًا في نجاح الانقلاب. لكن هذا، يقول جاغابتاي، ليس القرن العشرين. هناك العديد من القنوات غير الرسمية والمعارضة بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي. هذا بالطبع بالإضافة إلى المساجد التي دقّت أجراس الإنذار.

وفقًا للمقال، لم تقع قوى الانقلاب وحدها في فخ الاعتماد على وسائل أنالوجية غير مناسبة للعصر الرقمي، فالرئيس ومستشاريه لم يستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي على النحو الأمثل. وقبل تواصل إردوغان مع CNN Turk (القناة المعارضة، لسخرية القدر) كانت هناك محولات فاشلة لبثٍ حي عن طريق تطبيق Periscope.

ما يميّز البيانات التي خرجت في الخامس عشر من يوليو (تموز) هو أنّها تظهر إلى حدٍ كبير كيف يتداخل الدين والسياسة والديمقراطية في تركيا الحديثة. تركيبة ماهرة من الشبكات الاجتماعية الرقمية التي وسّعت دوائر الاتصال والشبكات الدينية التي أعطتها الزخم والعمق والروح. ومع أنّ نوايا الحشد عن طريق المآذن لم يكن من الواضح كونها حمايةً للإسلام – كما أصر بعض أتباع الطرائق – أم للديمقراطية، فإن الامر ربّما يعطينا لمحة عن الكيفية التي يمكن بها للصلاة وتويتر أن يتعايشا معًا، من أجل فهم أفضل لمنطقة الشرق الأوسط، والحركات السياسية والاجتماعية فيه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد