لقي عشرات الأشخاص حتفهم خلال غارات جوية على محافظة إدلب في سوريا هذا الأسبوع، في عمليةٍ وصفتها الأمم المتحدة بأنها «كابوسٌ يزداد سوءًا»، يأتي هذا بالتزامن مع خطر نقض الهدنة التي تفاوضت عليها روسيا مع تركيا حول آخر معاقل المعارضة. وفي هذا السياق أعدت آيلا جين ياكلي، الصحافية الحرة المُقيمة بإسطنبول، تقريرًا لموقع «المونيتور». وتوضح الكاتبة في مستهل التقرير أنه في حين تتداخل مصالح القوى الإقليمية في سوريا، وتتضارب مصالح الدول نفسها أحيانًا، لكن تركيا تبدو مستعدةً لتقديم بعض التنازلات في سبيل أمنها القومي وسلامة حدودها.

إذ نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تأجيلٍ هجوم للحكومة السورية المدعومة من روسيا على المحافظة الشمالية الغربية في سبتمبر (أيلول) عام 2018، لكن آيلا أوضحت أن تركيزه الآن يبدو مُنصبًا على الجانب الآخر من سوريا، حيث ينذر حشد للقوات التركية بتوغُّلٍ شرق نهر الفرات ضد الميلشيا الكردية التي تعتبرها أنقرة جماعةً إرهابية.

وفي سلسلةٍ من الغارات على إدلب، لقي 59 مدنيًا على الأقل حتفهم، وجُرِحَ أكثر من 100 شخصٍ يوم الاثنين، بحسب بيان للأمم المتحدة دعا إلى وقفٍ فوري للهجمات من أجل حماية الثلاثة ملايين مدني الذين يعيشون في المحافظة.

ونقل تقرير «المونيتور» عن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» قوله: «إن قوات رئيس النظام السوري بشار الأسد وحلفاءها الروس نفذوا عمليات القصف من الأرض والجو في إطار حملتهم لاستعادة السيطرة إدلب، في المعركة التي يُمكن أن تكون آخر معارك حرب البلاد المستمرة منذ ثماني سنوات، وأكثرها دموية».

Embed from Getty Images

احتجاج أنقرة

اتفقت تركيا وروسيا، اللتان تدعمان أطرافًا متنازعة في الصراع، لكنهما أقامتا علاقة شراكةٍ وطيدة في مناطق أخرى، على إقامة منطقة «خفض توتر» في إدلب، لكن ذلك الاتفاق يتعرض لاختبارات شديدة منذ شهر أبريل (نيسان)، بحسب تقرير «المونيتور»، حين بدأت سوريا وروسيا تصعيد الهجمات على المحافظة.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو يوم الاثنين: إن الهجمات على إدلب يجب أن تنتهي. وأضاف في مقابلة تلفزيونية أجراها أثناء وقوع الهجوم: «روسيا عليها واجبٌ خاص. إذ إن وقف هجمات النظام هو مسؤولية روسيا».

لكن احتجاجات أنقرة على موسكو لم تلق أذانًا صاغية. إذ يشير التقرير إلى أن التعاون مع روسيا سمح لتركيا بالسيطرة على 1500 ميل مربع (2400 كم مربع) من الأراضي السورية بطول حدودها منذ عام 2016، مما قيَّد الطموحات الكردية السورية الساعية للحكم الذاتي. فضلًا عن أن تركيا في طريقها للحصول على منظومة صواريخ إس-400 الروسية، مُتجاهلةً بذلك حلفاءها في الناتو والتهديد بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية.

ودعت أنقرة لعقد قمةٍ مع روسيا وإيران أوائل الشهر المُقبل، في محاولةٍ لتهدئة العنف. إذ إن أزمة لاجئين جديدة من شأنها أن ترسل عشرات الآلاف عبر الحدود باتجاه تركيا، التي تُجاهد لرعاية 3.5 مليون لاجيء تُوفِّر لهم ملاذًا بالفعل. وتُواجه الحكومة ضغوطًا علنية للحدِّ من تحركات اللاجئين داخل تركيا، وسط التباطؤ الاقتصادي الجاري، بحسب التقرير.

وذكرت تقاريرٌ أن تركيا تُرحِّل مئات السوريين الذين دخلوا البلاد بطريقٍ غير قانوني، أو يُعتقد أنهم شاركوا في أنشطةٍ إجرامية. واعتقلت الشرطة أيضًا في إسطنبول بعض اللاجئين ممن دخلوا تركيا بطريقة شرعية؛ لأن تصاريح إقامتهم تستوجب منهم العيش في مدينةٍ أخرى. وحدَّد مكتب عمدة إسطنبول تاريخ 20 أغسطس (آب) ليكون آخر تاريخ لمغادرة السوريين الذين لا يملكون تصريحًا للإقامة في المدينة هذا الأسبوع.

Embed from Getty Images

نقطة الضعف التركية

قال سونر جاغابتاي، الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، في حديث إلى موقع «المونيتور»: «تُمثِّل إدلب نقطة الضعف الرئيسية لتركيا داخل سوريا؛ نظرًا لاحتمالية وصول المزيد من اللاجئين إلى حدودها. ويُدرك بوتين أنه يُهدد بإرسال ملايين اللاجئين وخلق حالةٍ من الاضطراب الاجتماعي داخل تركيا. ولهذا السبب لم تكُن لدى تركيا رفاهية إلغاء صفقة منظومة إس-400. والمُحزن في الأمر أن روسيا قد تفعل ذلك رغم كل شيء».

وعوضًا عن ذلك، صبَّت تركيا جام غضبها على سياسة الولايات المتحدة داخل منطقة شمال شرق سوريا التي يسودها الهدوء، وتُسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» ذات القيادةٍ الكردية، بحسب تقرير «المونيتور».

وبدأت شراكة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) مع «قوات سوريا الديمقراطية» منذ عام 2014 للقتال ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، لكن تلك الشراكة أغضبت تركيا، التي تعهَّدت بشنِّ حملة توغُّل لإبعاد الميليشيا عن حدودها. ولا يزال مئات أفراد القوات الخاصة الأمريكية في المكان وفقًا التقرير.

ويوم الاثنين الماضي التقي المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري دبلوماسيين أتراك ووزير الدفاع التركي خلوصي آكار لبحث إقامة منطقةٍ عازلة بطول الحدود التركية-السورية. وحدَّد آكار المطالب التركية، التي تشمل طرد «قوات سوريا الديمقراطية» من المنطقة وجمع أسلحتها. ويخطط الجانبان لإقامة «منطقةٍ آمنة… بالتنسيق» بين الجانبين، وستستمر المناقشات بين المسؤولين العسكريين خلال الأيام المقبلة، بحسب تغريدة وزارة الدفاع التي نُشِرت يوم الثلاثاء.

ولا تزال الولايات المتحدة وتركيا منقسمتين حول حجم تلك المنطقة، وإدارة البلدات ذات الأغلبية الكردية، والسيطرة على مجالها الجوي، إلى جانب عددٍ من الموضوعات الشائكة الأخرى بحسب ما نقله التقرير عن كاتب الأعمدة بموقع «المونيتور» ميتين جورجان. وما تزال تركيا بحاجةٍ لإقناع الولايات المتحدة أن تسمح بوصولها إلى المجال الجوي لدعم ذلك الهجوم، حسبما كتب جورجان.

وفي مؤشرٍ يقول التقرير إنه يدُل على أن أعمال العنف تلوح في الأفق، أطلقت تركيا النار على أهدافٍ من «قوات سوريا الديمقراطية» في وقتٍ متأخر من مساء الإثنين، إثر جرح ستة أشخاص بعد أن انطلق صاروخٌ من أرضٍ يُسيطر عليها الأكراد في سوريا ليُصيب بلدة جيلان بينار (رأس العين) التركية.

Embed from Getty Images

معضلة العلاقات مع روسيا

جرت محادثات جيفري إبان تفكير الرئيس دونالد ترامب في فرض عقوباتٍ على عضوة الناتو تركيا بسبب شرائها لنظام الدفاع الصاروخي إس-400 الروسي؛ مما قد يضر بالأصول الأمنية للتحالف. وأكَّد ترامب لإردوغان أنه لن يواجه عقوبات، رغم تهديد الكونجرس بعقاب تركيا وفقًا لتقرير صحيفة «وول ستريت جورنال». وقالت الصحيفة: «إن الإعلان عن العقوبات قد يأتي في وقتٍ مبكر من الأسبوع الجاري».

وقال جاغابتاي: «من المرجح أن تحدث عملية التوغل بعد الكشف عن العقوبات؛ لأن ذلك سيُمكِّن إردوغان من تصوير الأمر على هيئة انتقام. وربما نشهد تسويةً مؤقتة يُؤخِّر ترامب بموجبها العقوبات مقابل تأجيل تركيا لعملية التوغل في شمال شرق سوريا (لأن) الجانبين يعلمان أن خطوة كلٍ منهما ستُثير الجانب الآخر».

وبحسب التقرير فقد يخشى صُنَّاع السياسة أيضًا من أن العقوبات الأمريكية المشددة، على اقتصاد تركيا المتراجع بالفعل، ستدفع أنقرة نحو مزيد من التقارب مع روسيا. وأوضح كبير مستشاري الرئيس التركي إبراهيم قالين، في مقالة افتتاحية يوم الاثنين، أن المسؤولية عن اضطراب علاقات تركيا مع الغرب تقع على عاتق تجاهل الولايات المتحدة وأوروبا لمخاوفها الأمنية.

وكتب قالين في مقالته التي نشرتها وكالة «بلومبرج» الأمريكية: «وصلت محاولات تركيا المستمرة للحصول على منظومة صواريخ باتريوت من الولايات المتحدة إلى طريقٍ مسدود. والأسوأ هو قرار إدارة أوباما بسحب أنظمة باتريوت الموجودة بالفعل داخل تركيا في عام 2015، رغم أن تركيا كانت لا تزال تحت تهديد الحرب السورية. ولم تسفر جهود تركيا لشراء أنظمة باتريوت على مدار العامين الماضيين عن أية نتائج. وتحوَّل بذلك نظام الدفاع الجوي الروسي إلى ضرورة، وليس خيارًا».

ومن جهتها حصلت روسيا على صفقة صواريخٍ بقيمة 2.5 مليار دولار يُحتمل أن تشهد المزيد من التكامل بين الشبكات الدفاعية للبلدين، وتحرَّرت من القيود التي كانت تُكبِّلها في شمال غرب سوريا، ومن المرجح أن تُشجع على المواجه المرتقبة في الشمال الشرقي، وربما ترى في تهديد العملية التركية أفضل فرصةٍ لمساعدة حليفها الأسد على استعادة ما تبقى من سوريا التي أنهكتها الحرب بحسب تقرير «المونيتور».

وقال جاغابتاي: «تعلم روسيا أن الولايات المتحدة ستميل إلى الوقوف مكتوفة الأيدي، بدلًا عن المخاطرة بسفك الدماء الأمريكية، في ختام (العملية التركية ضد «قوات سوريا الديمقراطية»). وفي مواجهة احتمالية الغزو التركي، سيختار (الأكراد) عودة الأسد… وتأمل روسيا أن تعود غالبية مناطق شرقي سوريا إلى حوزة الأسد بدون طلقة رصاصٍ واحدة».

«فورين بوليسي»: على عكس ما قد تعتقده.. بشار الأسد خسر كل شيء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد