في الظاهر، يُعتبر الاتفاق التركي الأمريكي بالسماح للقوات المضادة للدولة الإسلامية بالانطلاق من القاعدة التركية إنسيرليك تقدمًا جديرًا بالترحيب. فقبل ذلك كان الطيارون الأمريكيون مُجبرين على الإقلاع للهجوم على الدولة الإسلامية من البحرين، وهو الأمر الذي كان يتسبب في تقليل عدد الغارات المتاحة التي يُمكن تنفيذها ضد الدولة الإسلامية في يوم واحد. لكن العمل من خلال إنسيرليك سوف يسمح لواشنطن بتكثيف الحملة الجوية ضد المتطرفين. لكن هناك خدعة وراء هذا الأمر، وتأتي هذه الخدعة من قِبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أهداف أردوغان من الصفقة

أردوغان لديه ثلاثة أهداف رئيسية من هذه الصفقة، وهزيمة الدولة الإسلامية ليست أحدها. الهدف الأول لأردوغان هو سحق حزب العمال الكردستاني PKK، وهي الجماعة الكردية المتمردة التي أعلنت واشنطن – ضمن دول أخرى- أنها جماعة إرهابية. ولتحقيق هذه الغاية، أمر أردوغان بضربات جوية جديدة ضد الجماعة الكردية في العراق، وهو الأمر الذي سُيضعف بالتأكيد المليشيات الكردية السورية وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني “قوات حماية الشعب” YPG.

علم حزب العمال الكردستاني

علم حزب العمال الكردستاني

أما هدف أردوغان الثاني فهو إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد، وبرغم أنه كان يتودد له في البداية، لكن وبسبب ما رآه الرئيس التركي من أن الأسد قد كذب عليه كثيرًا في بداية الحرب الأهلية السورية بشأن القيام بإصلاحات سياسية في سوريا، وبعد شعوره بالإهانة تحول أردوغان ضد الرئيس السوري وقرر أن يدمره منذ ذلك الحين.

لكن هدف أردوغان الثالث والأهم هو تقويض حزب الشعب الديموقراطي الكردي HDP، والذي نجح في حصد 10% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التركية التي أُقيمت مؤخرًا. وهو الأمر الذي منع حزب أردوغان – العدالة والتنمية- من الاستحواذ على الأغلبية في البرلمان. وقد نتج عن ذلك إحباط طموح أردوغان المستلهم من فرنسا- ديجول بتحوله لرئيس بصلاحيات كاملة. ويترقب أردوغان الآن فشل المفاوضات بين الأحزاب لتكوين تحالف ذي أغلبية يستطيع من خلالها تشكيل الوزارة، وإذا وقع ذلك الفشل فسينتج على أثره إعادة الانتخابات من جديد، وحينها سيكون حزب الشعب الديموقراطي قد فقد مصداقيته بسبب صلته بحزب العمال الكردستاني، مما سيترتب عليه فشله في تخطي العتبة الانتخابية اللازمة لدخول البرلمان والمُقدرة بنحو 10% من المقاعد. مما سيُمكن حزب العدالة والتنمية من استعادة قوته وسيطرته، وحينها فقط يستطيع أردوغان مواصلة سعيه للوصول لحلمه برئاسة ذات صلاحيات كاملة.

تعارض الأهداف التركية مع الأهداف الأمريكية

لكن، هل يناسب كل ما سبق أهداف واشنطن؟ لا، بالطبع لا يناسبها ذلك. فمن الواضح أن الأولوية العليا لإدارة أوباما الآن هي هزيمة الدولة الإسلامية. وفي هذا الصدد، فهدفها متطابق مع جماعة “قوات حماية الشعب” YPG والتي استفادت من الدعم الجوي الأمريكي في عملياتها الناجحة ضد الدولة الإسلامية، في شمال شرق وشمال غرب سوريا، بما فيها مدينة كوباني ذات الموقع الإستراتيجي المهم. ولم يعد المتحدث الرسمي باسم الإدارة الأمريكية يذكر أي شيء عن تغيير النظام في سوريا، بعدما كان أحد الأهداف الأمريكية الرئيسية، بالإضافة لأن التفاهمات غير الرسمية بين الإدارة الأمريكية والإدارة السورية بتجنب استهداف قوات النظام لا تزال قائمة. وعلى الأغلب سيتم تقوية هذه التفاهمات بسبب الاتفاق الحديث على “خطة العمل المشتركة” بين ما يُسمى مجموعة خمسة+1 مع إيران أقرب الحلفاء للأسد، وأشد داعميه.

ومما تم ذكره، أن من النتائج الإضافية للاتفاق التركي- الأمريكي هو بداية إقامة منطقة آمنة للاجئين في تركيا، والتي سيتم إقامتها على طول الحدود التركية السورية. وقد تعارضت رؤى كل من أنقرة وواشنطن بخصوص هذا الشأن. فقد ضغطت تركيا كثيرًا من أجل إقامة هذه المنطقة لتُمكنها من استيعاب اللاجئين السوريين المتدفقين عليها، في حين كانت واشنطن معارضة لإقامة مثل هذه المنطقة، وقد نفت الإدارة الأمريكية مرارًا أن تكون تلك الخطة موضع تطبيق، حيث كانت تريد بدلًا من ذلك إخلاء المنطقة من الدولة الإسلامية مما يُتيح للقوى السورية المعتدلة أن تعمل بحرية أكثر.

في نفس الوقت، فجهود الإدارة الأمريكية في تدريب المعارضة “المعتدلة” لم ترق لأي شيء ذي قيمة بعد. فحتى الآن، تخرج 60 مقاتلًا فقط من نظام التدريب الأمريكي ذي الـ500 مليون دولار، وهذ العدد أقل من نصف أي كتيبة أمريكية. وإذا توقفت الولايات المتحدة عن دعم جماعة YPG كما يأمل أردوغان، فستقل فرص مقاومة الدولة الإسلامية على باقي سوريا. وستترك الجماعة المتطرفة تُقاتل الأسد، وهو ما يريده أردوغان أن يحدث.

الخطة الأمريكية تجاه سوريا

بشار الأسد

بشار الأسد

والآن، بعد أربع سنوات كاملة من بدء الحرب الأهلية السورية، لم تأت الإدارة الأمريكية بخطة إستراتيجية واضحة تجاه الوضع في سوريا. وباتفاقها الأخير مع أردوغان يبدو أنها تُمكنه من تجديد حربه ضد PKK وإنهاء عملية السلام بينه وبين الأكراد، مما سيخلق جوًّا من الاستقرار داخل تركيا، خاصة إذا فشل حزب الشعب الكردي HPD في تحقيق أي مقعد في البرلمان، هذا في حالة إعادة الانتخابات كما هو متوقع. بينما لا تزال جهود الإدارة الأمريكية في دعم المعارضة “المعتدلة” في حالة يُرثى لها، بالإضافة للتخلي عن جهودها المسبقة في سبيل إزاحة الأسد. فهل يجب عليها فعلًا – وزيادة على كل ما سبق- أن تترك دعم جماعة YPG؟ فهذا الأمر بلا شك سيوفر الفرصة للدولة الإسلامية للبقاء طويلًا في سوريا. من كل ما سبق من الحقائق المؤسفة فيمكن وصف خطة الإدارة الأمريكية تجاه الأزمة السورية بكلمتين فقط: “عشوائية وتخبط”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد