بدت «صرخة» وكأنها حملة جريئة أطلقها عدد من النشطاء العلويين، منتقدين للحكومة السورية. لكن الشركة التي تدير الحملة متعاقدة مع مسؤولين بريطانيين.

نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا أعده كلٌّ من الكاتب الصحافي البريطاني إيان كوباين، والصحافي السوري هارون الأسود والكاتب الفلسطيني مصطفى أبو سنينة عن حملة «صرخة» الاحتجاجية، التي يُزعم أن أفرادها ينتمون إلى الطائفة العلوية المؤيدة لعائلة الأسد في سوريا.

وتكشف وثائق رسمية، اطلع عليها موقع ميدل إيست آي، عن أن الحكومة البريطانية تقف وراء حركة «صرخة» الاحتجاجية التي ظهرت عبر شبكة الإنترنت، ويُعتقد أنها حملة شعبية ينظمها أفراد من الطائفة العلوية. 

تمرد على بشار الأسد

يُزعَم أن الحملة التي تُعرف باسم «صرخة» بدأت في مدينة طرطوس الساحلية عام 2014؛ ردًّا على زيادة معدل الضحايا بين العلويين الذين يخدمون في صفوف الجيش السوري.

ينوه التقرير عن أن الحركة أنشأت صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ووزعت منشورات، وأعدت تقارير عبر الإنترنت حول ملصقات خاصة علقت على جدران داخل المدينة، إضافةً إلى مقاطع مصورة قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهِر شبابًا يرسمون شعارات الحملة على الجدران بـ«الإسبراي».

المصدر: ميدل إيست آي

وكانت هناك تقارير عبر الإنترنت تتحدث عن انتشار الحملة في شتى أنحاء مدينة اللاذقية وجزيرة أرواد، فضلًا عن مناطق ساحلية هي معقل الطائفة العلوية التي ينحدر منها رئيس النظام السوري بشار الأسد. وخلال فترة قصيرة، كانت الحملة تكتسب دعمًا في معظم أنحاء البلاد، حيث وصل عدد المعجبين بالصفحة الرئيسية عبر موقع «فيسبوك» إلى ما يقرب من 100 ألف إعجاب، قبل أن يصبح للصفحة موقع إلكتروني.

صُنِعت في نيو جيرسي

تظهِر الوثائق التي اطلع عليها ميدل إيست آي، أن حملة صرخة ابتكرتها مؤسسة بيكتر الأمريكية لاستطلاعات الرأي، التي تتخذ من بلدة برينستون بولاية نيو جيرسي مقرًّا لها، وتعمل بموجب عقد مع الحكومة البريطانية.

في البداية، كان يدير العقد وحدة داخل وزارة الدفاع البريطانية، يُطلق عليها وحدة الآثار الاستراتيجية العسكرية. وانتقلت مسؤولية إدارة العقد بعد ذلك إلى صندوق الصراع، والاستقرار، والأمن التابع للحكومة البريطانية، والذي يهدف للتعامل مع النزاعات التي تهدد المصالح البريطانية.

وظل دور الحكومة البريطانية سريًّا، بينما كانت وسائل الإعلام في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط تغطي حملة صرخة، وتصفها بأنها حملة أطلقها نشطاء المجتمع المدني الذين كانوا قلقين من ارتفاع حصيلة الضحايا بين العلويين، الذين يخدمون في صفوف القوات الحكومية السورية.

سلطت الحملة الضوء على القتلى والجرحى من العلويين في الحرب الأهلية السورية، وقالت إن عددًا كبيرًا من الشبان العلويين فروا من الجيش، بينما اعتُقل آخرون في السجون الحكومية. وكانت رسالتها الأساسية هي ضرورة إدانة أفراد من الطائفة العلوية للطائفية، والتلاحم مع المسلمين السُنة والطوائف الدينية والعرقية الأخرى في البلاد، والاعتراف بأن بشار الأسد حاكم مستبد رغم أنه علوي.

لاحقًا، تغير اسم الحملة إلى «الوجع واحد»، وبإلقاء نظرة على حساب «الوجع واحد» على «فيسبوك» يظهر أنها أطلِقت في 15 من يوليو (تموز) عام 2014 باسم صرخة، وتغير اسمها بعد أسبوع ليصبح «ارفع صوتك»، ثم تغيرت إلى «الوجع واحد» في 25 أكتوبر (تشرين أول) عام 2017.

لا تأثير أو حضور

ذكر أحد النشطاء المشاركين في الحملة أن «هناك ممولًا يدفع لك المال، ويخطط لإنهاء المشكلات الطائفية في بلدك، ويساعد في رفع صوت المظلومين، وهذا ليس سيئًا». معبرًا عن ثقته في عمله والرسالة التي يؤديها مهما كان مصدر التمويل.

لكنه استدرك قائلًا إنه لا يعتقد أن الحملة كانت ناجحة تمامًا، وقال إنه عندما انتهت الحملة، غادر الشخص الذي كان وسيلة التواصل مع العلويين إلى أوروبا. صُدِمَ بعض الصحافيين الذين يعملون في وسائل إعلام النظام السوري في مدينتي طرطوس واللاذقية الساحليتين، عندما علموا كيف ابْتُكَرت الحملة ومُوِّلَت، ووصفها أحدهم بأنها «مشبوهة وغير حقيقية».

يشكك الصحافيون العاملون في المناطق التي تسيطر عليها حكومة النظام والنشطاء العلويون المعارضون، في أن تكون الحملة اكتسبت أي شعبية؛ إذ قال صحافي في مدينة طرطوس «إنه لا يوجد للحملة أثر أو وجود فعلي».

وقال معارض علوي ينحدر من بلدة جبلة الساحلية إن سوريا كانت في حاجة ماسة لحملات تنهي الولاءات الطائفية، لكنه أكد أنه لم يسمع أي شيء على الإطلاق عن حملة صرخة، كما شكك في فعالية الحملات التي تنطلق عبر الإنترنت، وتهدف إلى إثارة مشاعر المعارضة داخل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

وأضاف المعارض أن أي صفحة تنشر عبارات غير محايدة، تجعل الناس يخشون من التفاعل معها لأسباب أمنية، كما أن هناك الكثيرين ممن يتفقون مع الحملة، بيد أنه لا يمكنهم التعبير عن رأيهم أو حتى التعاطف معها.

وتظهِر الوثائق أن حملة صرخة كانت واحدة من بين خمسة برامج دعاية تديرها بريطانيا داخل سوريا في الوقت ذاته. ووصفت دوائر في الحكومة البريطانية هذه البرامج بأنها مبادرات «تواصل استراتيجية»، بدلًا من كونها برامج دعاية، كما يظهر أن صرخة كانت تُعرف بين مسؤولي الاتصالات الاستراتيجية البريطانية بمصطلح منصة الإنترنت العلوية «AWBP».

وفي وقت سابق من هذا العام، كشف موقع ميدل إيست آي عن أن الحكومة البريطانية أنشأت في إطار هذه البرامج الدعائية، وتحت غلاف من السرية، شبكة من المواطنين الصحافيين في شتى أنحاء سوريا خلال الأعوام الأولى من الحرب الأهلية في محاولة لتشكيل مفاهيم الصراع.

وفي كثير من الأحيان، لم يكن الأفراد الذين جندوا للعمل، على دراية بأنه يتم توجيههم من لندن، كما أن عددًا منهم قُتِل خلال الصراع. ووضع المخططات الأولية لثلاثة من خمسة برامج على الأقل، أحد المتخصصين في الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) يعمل في مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية البريطانية في لندن.

تداعيات طائفية

وصف تقييم لفعالية البرامج الخمس الرئيسية، أُعِدَّ لصالح صندوق الصراع والاستقرار والأمن في يوليو (تموز) 2016، الهدف من حملة صرخة بأنه: إنشاء منصة تواصل اجتماعي آمنة للعلويين لمناقشة الأفكار وتبادلها، حول احتياجاتهم وحياتهم، ودورهم المستقبلي في سوريا ما بعد الثورة.

تظهِر الوثائق أن ميزانية الحملة من صندوق الصراع والاستقرار والأمن التابع للحكومة البريطانية، بلغت 600 ألف جنيه إسترليني (746 ألف دولار)، وألمح التقييم إلى أن التداعيات الطائفية الحتمية للحرب الأهلية كانت حقل ألغام سياسيًّا.

بيد أن التقييم خلص إلى أن مؤسسة بيكتر لاستطلاعات الرأي نجحت في اجتياز ذلك بتحميل النظام بدلًا من الطائفة العلوية مسؤولية الكثير من مآسي الصراع ومعضلاته.

سياسة

منذ سنة واحدة
العلويون في سوريا يتحدثون لـ«ساسة بوست».. كيف يرون بشار الأسد الآن؟ 

يقول معدو التقييم «في حين أن التوترات تدور في المقام الأول حول من يؤيدون أو يعارضون النظام، بدلًا من مكان سكنهم أو عوامل أخرى، فقد حاول محتوى مؤسسة بيكتر لاستطلاعات الرأي وأنشطة التوعية الخاصة بها، التخفيف من هذا التوتر عبر التركيز على العوامل المشتركة، وتضييق دائرة اللوم إلى صميم النظام».

على عكس المبادرات الدعائية الأخرى للحكومة البريطانية، والتي كانت تعتمد في الغالب على السوريين المقيمين داخل البلاد لتنفيذها، يبدو أن حملة صرخة كانت تُدار إلى حد كبير من مكاتب مؤسسة بيكتر في برنستون، واعتُبر أنها لا تشكل خطرًا كبيرًا على المشاركين.

وكان التقييم لاذعًا حيال مبادرات الدعاية البريطانية في المجمل، بيد أنه خلص إلى أن تلك المبادرات غير مترابطة، وضعيفة التخطيط، وتسببت في خسائر بالأرواح. وخلص التقييم أيضًا إلى أن برامج الدعاية شكلت خطرًا كبيرًا بمخالفة القانون البريطاني.

ولم تسلط الوثائق، التي اطلع عليها موقع ميدل إيست آي، مزيدًا من الضوء على ما يتعلق بهذا الخطر، بيد أن قانون الإرهاب لعام 2000 يُعرِّف الإرهاب بأنه استخدام أو التهديد بأي إجراء يتضمن عنفًا خطيرًا، أو يشكل خطرًا على الصحة، أو يمثل إضرارًا بالممتلكات، إذا كان ذلك الإجراء يهدف إلى التأثير على أي حكومة في أي مكان في العالم.

وعملت بيكتر لاستطلاعات الرأي في الشرق الأوسط لعدة أعوام، حيث تجري استطلاعات رأي عبر الهاتف، وأجرت عددًا من تلك الاستطلاعات في مصر خلال ثورة عام 2011. وطلب موقع ميدل إيست آي مرارًا من الشركة التعليق على ذلك الأمر، لكنه لم يتلق أي رد.

ورفضت وزارة الخارجية البريطانية التعليق ولم ترد على مجموعة من الأسئلة حول أنشطتها الدعائية في سوريا، بما في ذلك الأسئلة حول مخاطرة أن تكون هذه العمليات قد شكَّلت انتهاكًا للقانون البريطاني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد