رفض المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية تقديم التعازي للرئيس الإيراني الأسبق السيد محمد خاتمي على وفاة شقيقته. تزامن الحدث مع تأكيد السلطة القضائية الإيرانية على تجنب ذكر خبر الوفاة في الصحافة والجرائد المحلية، وهو قرار غير قانوني يستحيل صدوره بدون التنسيق مع المرشد الأعلى.

إنها المرة الثانية التي يرفض فيها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية هكذا جهارًا التصالح مع السيد خاتمي، فمنذ عدة أشهر بعث الأخير ببرقية شفاء إلى “القائد المعظم” أثناء إجرائه لعملية جراحية للبروستاتا يتمنى “دوام العافية لجسده المبارك” ويدعو له “بالعمر المديد”. لا ننسى أيضًا المشاركة الفعّالة للسيد خاتمي وعدد لا بأس به من الإصلاحيين في انتخابات الرئاسة لعام 2013.

بيد أن المرشد الأعلى أثبت للجميع أن المستبدين لا يتصالحون. فمن وجهة نظر الطغاة، ومن يمتلكون القوةَ والسلاحَ والنفوذ: لا دافع للتصالح. بالطبع لا وجود للديكتاتور والحاكم المستبد الذي يتخلى عن سلطته وهيبته، ويتحولُ فجأةً إلى مطالبٍ بالديمقراطية، ويسعى جاهدًا لتحقيق المصالحة، إلّا إذا بدَت “قوّة جبّارة” أمام ناظريه.

أمّا الشواهدُ التي تثبت ذلك فهي كثيرةٌ جليّة. فمثلًا حَكَم معمر القذافي ليبيا لأكثر من أربعة عقود، ولم يتخلَ عن سلطته حتى أشعل حربًا أهلية في بلاده وقتل الآلاف من شعبه.

كذلك حسني مبارك لم يتخل عن حكمه الذي استمر لثلاثين عامًا، حتى ملأت الصيحات المعارضة له أرجاء بلاده.

زين العابدين بن علي أيضًا لم يتخل عن حكمه الذي استمر 23 عامًا حتى عمّت المظاهرات المناهضة له أرجاء بلاده.

صدام حسين ظلَّ يحكم بلاده ديكتاتورًا مستبدًا لربع قرن، ولم يتنازل عن حكمه حتى ورّط شعبَه في حربٍ دامية مزّقت أوصاله.

حتى الجنرال أوغستو بينوشيه لم يتنازل عن منصب الرئاسة الذي حصل عليه بانقلابٍ عسكري، ولم يتقبل فكرة الرضوخ لكلمة “لا” التي كانت نصيبه من التصويت، حتى تزايدت موجة استياء معارضيه وسخطهم.

أمّا المثال الأقدم والأكثر أهمية فهو ديكتاتور إسبانيا، الجنرال فرانكو الذي تمسك بحكمه حتى آخر رمقٍ من حياته. بعد وفاته في عام 1975 بدأ الجمهوريون حقبة جديدة في البلاد بعد 36 عامًا من الطغيان.

إنها أمثلة نراها كثيرًا في بلدان عدة وأنظمة سياسية متفاوتة تدَّعي الديمقراطية. إذًا نستطيع استنباط قاعدة: يستحيل على المستبد أيًّا كان التنازل عن سلطته حتى يحدث أمرٌ من ثلاثة: إمَّا وفاته، وإمَّا مطالب شعبية واسعة النطاق بإسقاطه، وإمَّا تحولات جذرية داخلية أو خارجية.

مع كل ما سبق يبدو أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية ونظامه غير راغبين في تعلم الدروس التاريخية، أو أنهم لسببٍ ما – كتحقيق مشاريع سياسية وأيدلوجية أو منافع مترتبة على استمرارهم المطلق في السلطة- عازمون على اتّباع النهج غير الديمقراطي والمخالف لرغبات شعبهم. ذلك النهج المستند على الاستبعاد المتزايد للمعارضين والإصلاحيين، وتشكيل دائرة مغلقة ومحدودة تشمل أفراد النظام وتابعيهم.

إذًا كحاكمٍ مستبد، وبنظرةِ كِبر، يتعمد المرشد الأعلى تجنب ذكر السيد خاتمي أحد أكثر الشخصيات السياسية شعبية ومحبة بين الناس في برقية تعازيه، كما يتعمد إظهار وجود “خِصام” بينهما بصورة جلية أمام شعبه. ذلك أن السيد خاتمي سعى دومًا بتسامحه لأن يكون هو حلقة الوصل بين شعبه الطامح للتغيير والحرية وبين حكومته القامعة المتعسفة، وبخاصّة بعد احتجاجات انتخابات 2009.

من الجدير بالذكر أن المرشد الأعلى لم ينس في ذات الوقت تقديم التعازي لوزير الأمن الأسبق علي فلاحيان على وفاة نجله.

مع هذا يبدو أن المرشد الأعلى لا يمانع عقد نوع من “المصالحة” إذا كانت مصلحتُه تستدعي ذلك. ففي انتخابات عام 2013 وبعد تقديره للأحداث السياسية والاجتماعية بعد احتجاجات انتخابات 2009، وتقييمه الواقعي للانتخابات البرلمانية في عام 2011، لم يكتف بالتحدث عن “حقوق الشعب” فحسب بل وشجّع معارضيه على المشاركة في صناديق الانتخابات من أجل مصلحة البلاد والمصالح القومية.

كان فوز حسن روحاني – المعتدل نوعًا ما- برئاسة الجمهورية هو نتيجة تلك الانتخابات، ما أوهم الغالبية العظمى من الشعب المعارض بوجود نوع من الصلح غير الرسمي وغير المكتوب بينهم وبين مركز السلطة والنفوذ المرشد آية الله علي خامنئي. اليوم، وبعد أكثر من عام ونصف على حكم حسن روحاني، لم يفرج رأس النظام عن قادة الحركة الخضراء ومعتقليها فحسب، بل حَظَرَ كذلك أخبار السيد خاتمي – الوجه الأبرز للإصلاحيين- على وسائل الإعلام، ولم يوجه له خطابًا إيجابيًّا حتى الآن.

إذًا آية الله خامنئي يتعمد “الخصام” جهارًا، لأنه وسائر الطغاة المتغطرسين والمستبدين لا يتصالحون حتى تضطرهم إلى ذلك قوَّة جبَّارة ومؤثرة.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد