بدلًا من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان فحسب، ينبغي لأمريكا سحب قواتها من منطقة الشرق الأوسط بأسرها ومن سائر أنحاء العالم.

كتب ديفيد فاين، أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية بواشنطن العاصمة، مقالًا نشره موقع «بيج ثينك» الأمريكي تناول فيه الأسباب التي أدَّت إلى وقوع أمريكا  في مصيدة الحروب التي لا نهاية لها.

نقاط رئيسة

  • هناك ثمة صلة تربط بين إنشاء القواعد العسكرية خارج الولايات المتحدة واندلاع الحروب.
  • إذا لم تنسحب الولايات المتحدة نهائيًّا من الشرق الأوسط، فستواصل القتال هناك.
  • تفشل الحروب في كثير من الأحيان، مثل (الحرب على الإرهاب)، في تحقيق الأهداف الجيوسياسية.

وفي مستهل مقاله، يروي الكاتب أنه قبل عقد من الزمان، وبينما كانت الولايات المتحدة في ذروة تورطها في الحرب في أفغانستان، شاهد بنفسه وصول بعض الجنود المصابين بجروح خطيرة، ومنهم من كان مبتور الأطراف، إلى «مركز لاندستول الطبي الإقليمي» في ألمانيا، المستشفى العسكري الأمريكي الرئيس في أوروبا، والذي يُعد مركزًا للصدمات والرضوخ يُضاهي مستشفيات النخبة في الولايات المتحدة. وقد استقبل المستشفى الآلاف من الضحايا من أفغانستان والعراق ومناطق حروب أخرى على مدار العشرين عامًا الماضية من الحرب الأمريكية المستمرة.

البيئة

منذ شهر
«جاكوبين»: كيف تساهم الصناعات العسكرية الأمريكية في تفاقم أزمة المناخ؟

لكن المثير للاستغراب والفضول هو أنه بالتزامن مع انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان وليس لديه سوى بضعة آلاف من القوات في العراق وسوريا، نجد البنتاجون حاليًا يُنفق مليار دولار لبناء مستشفى عسكري جديد في ألمانيا ليحل محل مركز لاندستول. وبعد زيارتي إلى المركز، سألتُ والتر بينكوس، المراسل العسكري السابق حائز جائزة بوليتزر في «واشنطن بوست»، عن رأيه فيما يجب أن تفعله الولايات المتحدة بإنفاق مليار دولار لبناء مركز طبي جديد بديلًا لهذه المنشأة الطبية ذات المستوى العالمي.

فأجابني بينكوس، من دون أن تفوته شاردة ولا واردة، «هذا يعني أننا سنواصل القتال».

مزيد من القواعد العسكرية يعني مزيدًا من الحروب

يُشير الكاتب إلى أن هناك عديدًا من العلامات والدلائل خارج المركز الطبي الجديد في ألمانيا تدل على أن القوات الأمريكية ستواصل القتال في المنطقة، على الرغم من انسحابها من أفغانستان. والأهم من ذلك، ستظل معظم دول الشرق الأوسط الكبير تستضيف عشرات من القواعد العسكرية الأمريكية. وأدَّت هذه القواعد أدوارًا رئيسة في شن الحروب الأمريكية على أفغانستان، والعراق، والصومال، وليبيا، وسوريا، واليمن وفي 19 دولة أخرى على الأقل منذ عام 2001.

Embed from Getty Images

إن استعراض عقدين من الحرب والتاريخ الأطول للحروب الأمريكية منذ الاستقلال وتتبع ذلك، يشير إلى أنه إذا لم يقلل المسؤولون الأمريكيون من حجم هذه البنية التحتية العسكرية، فسوف تواصل الولايات المتحدة خوض «حروب لا نهاية لها» بعيدًا عن أفغانستان؛ وهو ما يُؤدي إلى استقبال مزيد من الجنود المبتوري الأطراف وغيرهم من الجرحى والقتلى في المركز الطبي في ألمانيا.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، احتفظت الولايات المتحدة بآلاف القواعد العسكرية خارج أراضي الولايات المتحدة، وهي مجموعة القواعد الأجنبية الأكبر عددًا في تاريخ العالم. وفي الوقت الحاضر، يُسيطر الجيش الأمريكي على حوالي 750 قاعدة عسكرية في حوالي 80 دولة ومستعمرة خارج الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة. بينما تُسيطر سائر جيوش العالم مجتمعة على أقل من 250 قاعدة أجنبية؛ ومنها خمس قواعد للصين في منطقة التبت فقط.

وألمح الكاتب إلى أن القواعد الأمريكية بدأت تنتشر في منطقة الشرق الأوسط بعد وقت وجيز من غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في عام 1979. وأدَّت هذه القواعد بالإضافة إلى المنشآت الأمريكية في ألمانيا ومناطق أخرى في أوروبا، وفي مناطق بعيدة مثل تايلاند واليابان، إلى تفعيل حالة الحرب الدائمة منذ عام 2001، واستمرار سلسلة طويلة من الحروب والاجتياحات الأمريكية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وفي قطر والبحرين، أنشأت القوات الجوية والبحرية الأمريكية مقرًّا إقليميًّا كبيرًا لهما. وفي الكويت، توجد القوات الأمريكية بقوة منذ حرب الخليج عام 1991؛ إذ تقدَّر حاليًا مواقعها بإحدى عشرة قاعدة. ويوجد 13 قاعدة في تركيا، وستة في عُمان، وثلاثة في الإمارات العربية المتحدة، واثنان في كل من الأردن وجيبوتي، بالإضافة إلى الوجود الأمريكي في مصر.

كما يستبقي الجيش الأمريكي على منشآت معترف بها وأخرى سرية في كل من المملكة العربية السعودية وإسرائيل، والتي يبلغ عددها 11 منشأة في السعودية وثمانية في إسرائيل. أما في العراق، فلا تزال القوات الأمريكية تدير أعمالها من حوالي ست منشآت عسكرية. وتوجد أربع منشآت عسكرية أمريكية أخرى في سوريا. وفي أفغانستان، وبعد الانسحاب الرسمي، سيظل 650 جنديًّا بين موقع السفارة الأمريكية ومطار كابل الدولي؛ ومن المؤكد أن القوات الخاصة الأمريكية والمتعاقدين العسكريين وأفراد وكالة المخابرات المركزية ستواصل العمل في البلاد.

ويُضيف الكاتب أن الولايات المتحدة لديها قواعد عسكرية أخرى، ومنها ثمانية في اليونان، وخمسة في الصومال، وفي قبرص، وتونس، وجورجيا، وكوسوفو، وفي جزيرة دييجو جارسيا بالمحيط الهندي.

Embed from Getty Images

وتمتلك القوات البحرية الأمريكية حاملة طائرات واحدة على الأقل (قاعدة عائمة) على أساس دائم فعليًّا في الخليج العربي. وعلى الرغم من هذه البنية التحتية الهائلة، تدرس إدارة بايدن مؤخرًا إنشاء منشآت عسكرية جديدة في دول آسيا الوسطى لتوفير الإمدادات اللازمة للهجمات المستمرة على طالبان والمسلحين الآخرين في أفغانستان.

وينوَّه الكاتب إلى أن القادة العسكريين الأمريكيين وبعض المسؤولين الحكوميين ظلوا لمدة طويلة يصورون القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم على أنها دفاعية بطبيعتها، وبوصفها روادع وقوات لتحقيق الاستقرار والسلام. لكن يُمكن لأي شخص أن يُلقي نظرة على الدور الذي لعبته القواعد الأمريكية في الخارج في شن حروب هجومية دامت 20 عامًا لتفنيد مثل هذه الادِّعاءات.

كما يكشف تاريخ الحروب الأمريكية منذ عام 1776 عن أن طبيعة هذه القواعد العسكرية ليس دفاعيًّا على الأرجح عندما تحتل القواعد أراضي خارجية، بل إن القواعد العسكرية في الخارج عدوانية بطبيعتها بوجه عام، وصُمِّمت لبث التهديدات ونشر القوة العسكرية وشن الحروب الهجومية.

وتشير الأبحاث الممولة من الجيش الأمريكي إلى أنه منذ خمسينيات القرن الماضي، ارتبط الوجود العسكري الأمريكي خارجيًّا بالقوات الأمريكية التي تبدأ الانخراط في صراعات عسكرية. بمعنى آخر، يبدو أن هناك علاقة بين إنشاء قواعد عسكرية خارج الولايات المتحدة واندلاع الحروب.

أمريكا والقوة العسكرية: الأداة الرئيسة للسياسة الخارجية

يلفت الكاتب إلى أن تاريخ الولايات المتحدة يُظهر أن القواعد العسكرية خارج الحدود الأمريكية جعلت شن الحروب ونشر القوة العسكرية أمرًا سهلًا جدًّا ومغريًا للسياسيين والمسؤولين الحكوميين وغيرهم من النخب التي تتمتع بسلطة صناعة قرارات الحكومة. ووفرت القواعد العسكرية في الخارج عن عمد شكلًا من أشكال القوة العسكرية الهجومية التي يمكن نشرها بسهولة. وفي ظل سهولة توافر هذه القوة الهجومية، تميل النخب غالبًا إلى المطالبة باستخدامها لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية ومصالح أصدقائهم من رواد الأعمال والسياسيين وأصحاب المشروعات التجارية.

وفي السياق ذاته، أكدت كاثرين لوتز عالمة أنثروبولوجيا أمريكية ومعها آخرون، أن القواعد العسكرية والقوات الأمريكية في الخارج كانت منذ مدة طويلة هي الأداة الرئيسة في صندوق أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وكانت مثل المطارق التي لم تترك حيزًا كبيرًا للدبلوماسية وغيرها من أدوات السياسة الخارجية.

Embed from Getty Images

تقول لوتز إنه عندما تهيمن المطارق على صندوق الأدوات، يبدأ كل شيء في الظهور كأنه مسمار، وتصبح المطارق مغرية تمامًا، خاصة عندما يتطلع إليها صانعو السياسة من الرجال، سواء عن وعي أو بغير وعي، على أنها براهين واضحة لإثبات رجولتهم وقوتهم.

والجدير بالملاحظة أن السجلات التاريخية تُظهر أن الحروب الأمريكية دفعت القادة الأمريكيين أحيانًا إلى إنشاء قواعد جديدة في الخارج. وبدوره، أدَّى إنشاء مزيد من القواعد العسكرية في الخارج عادةً إلى اندلاع مزيد من الحروب، والتي أسفرت غالبًا عن إنشاء مزيد من القواعد العسكرية، في نمط متكرر مع مرور الزمن. وبعبارة أخرى، يؤدي إنشاء القواعد العسكرية غالبًا إلى اندلاع الحروب، والذي يمكن أن يؤدي إلى إنشاء مزيد من القواعد، والذي يمكن أن يسفر عن اندلاع مزيد من الحروب، وهكذا دواليك.

ويؤكد الكاتب أنه لا يقصد أن إنشاء القواعد العسكرية خارج الولايات المتحدة هيَّأ الأجواء لاندلاع مزيد من الحروب فحسب. لكنه يقصد أن إنشاء القواعد العسكرية في الخارج زاد من احتمالية الحرب العدوانية الهجومية. ومنذ استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، أدَّى إنشاء قواعد عسكرية خارج الحدود الإقليمية وصيانتها إلى زيادة احتمالية استخدام هذه القواعد لشن حروب عدوانية.

ولكي نكون أكثر وضوحًا، لا تُعد القواعد العسكرية في الخارج السبب الوحيد للحروب الأمريكية. لكنها سببًا مهمًّا في اندلاع الحروب على وجه التحديد، بالإضافة إلى القوات ذات الصلة بالإمبريالية والرأسمالية والعنصرية والنظام الأبوي والقومية والشوفينية الدينية.

بيد أن كلمة «إذا» في عبارة «إذا بنيناها (أي القواعد العسكرية الخارجية)، فستأتي الحروب» هو تذكير مهم بالخيارات التي ينطوي عليها كل من تاريخ علاقة الولايات المتحدة ومستقبلها بالحرب. ولم يكن هناك شيء إلزامي بشأن حروب الولايات المتحدة السابقة. وفي بعض الأحيان، تجنب قادة الولايات المتحدة المشاركة في الحروب، وذلك يعزى غالبًا إلى ضغوط الحركات الاجتماعية وغيرها من الاحتجاجات. أما الآن، فينبغي اتخاذ قرارات وخيارات تتعلق بشأن مستقبل البلاد.

هل تُحقق الحروب الأهداف الجيوسياسية؟

يجيب الكاتب قائلًا إن العقدين الماضيين من الحروب أسفرا عن مقتل 15 ألف جندي أمريكي وإصابة مئات الآلاف بالجراح. كما أدى هذان العقدان من القتال إلى وفاة ما يتراوح بين 3 إلى 4 ملايين شخص أو أكثر، من جميع الأطراف في أفغانستان، والعراق، وباكستان، واليمن، وسوريا، فقط. وأصيب عشرات الملايين، ونزح ما لا يقل عن 38 مليون شخص من بلادهم. وتجاوزت تكاليف (الحرب على الإرهاب) قيمة 7 تريليونات دولار.

Embed from Getty Images

ويمكنك أن تتصور ما الذي كان يُمكن أن تفعله هذه المبالغ الطائلة المقدرة بتريليونات الدولارات للحماية من الأوبئة والجائحات، وتوفير رعاية صحية شاملة، وإنهاء التشرد والجوع، وإعادة بناء المدارس العامة، وتسديد ديون الجامعات. وفي الوقت نفسه، فشلت (الحرب على الإرهاب) في تحقيق أهدافها الخاصة؛ إذ أدَّى التجاوب مع هجمات تنظيم القاعدة بشن الحرب إلى خلق مزيد من التنظيمات، مثل الدولة الإسلامية (داعش)، التي لديها الرغبة في استخدام ما أسماه التقرير: (الإرهاب) بوصفه أداة سياسية.

وعلى الرغم من التداعيات الكارثية للحروب التي استمرت خلال العقدين الماضيين، يبدو أن عديدًا من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين وغيرهم من النخب السياسية راضون عن استمرار الوضع الراهن. ويبدو أن كثيرًا منهم لا تردعهم إستراتيجية الانتقال من حرب كارثية إلى أخرى: من فيتنام إلى أفغانستان إلى العراق إلى ليبيا إلى سوريا إلى اليمن إلى…

ويوضح الكاتب أنه مع انخراط القوات الأمريكية حاليًا أو في الآونة الأخيرة في القتال في 13 دولة أو أكثر، يُخطط بعض المسؤولين العسكريين والمدنيين بالفعل للمشاركة في الحرب الكبرى القادمة.

سياسة

منذ 3 سنوات
جيشٌ لا يهدأ.. ماذا تعرف عن الحروب الدموية التي خاضتها أمريكا في تاريخها؟

ويتصاعد عدد السياسيين والمحللين والمراقبين في المؤسسات الفكرية الذين يتحدثون بوضوح عن حتمية شن حرب مستقبلية ضد الصين. وتنطوي مثل هذه المناقشات على خطر قد يصبح نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها ويجب أن تصيبنا جميعًا بالرعب: اندلاع حرب بين قوتين نوويتين مسلحتين، وأغنى دولتين على وجه الأرض، يمكن أن يجعل حجم الموت المروع والدمار الذي شهدناه خلال العقدين الماضيين أمرًا هينًا في أعيننا.

لماذا توجد القوات الأمريكية في كل مكان؟

ويختتم الكاتب مقاله بالتنويه إلى أنه بينما يُقام مستشفى عسكري جديد بقيمة مليار دولار في ألمانيا، لا بد لنا أن نسأل عن المكان الآخر الأجدر والأحق أن يُبنى فيه هذا المستشفى، وأن نسأل عن الوجه الآخر الأجدر والأحق أن ننفق فيه مليار دولار. ويجب أن نتساءل عن سبب وجود أي قواعد أمريكية في ألمانيا حاليًا، بعد مرور 30 عامًا من نهاية الحرب الباردة ومرور أكثر من 75 عامًا على نهاية الحرب العالمية الثانية. ويجب أن نسأل لماذا لا تنسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط بأسره بدلًا من الانسحاب من أفغانستان فحسب.

Embed from Getty Images

وبعيدًا عن طرح هذه الأسئلة، يمكن للمواطنين الأمريكيين وقادتهم مطالبة البلاد بالتخلي عن إنشاء قواعد عسكرية خارجية هجومية والتخلي عن إستراتيجية الحروب الممتدة. وقد يبدو الأمر صعبًا، على الرغم من أنه لا يجب أن يبدو كذلك، ولكن يمكننا المطالبة بتبنِّي سياسة خارجية لا تعتمد على القتال، ولكن تعتمد على الدبلوماسية والتعاون الدولي والحد من العنف والتمسك بالمبادئ الجوهرية لأفضل التقاليد في تاريخ الولايات المتحدة: الديمقراطية والإنصاف والعدالة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد