نشرت مجلة فورين بوليسي مقالًا للكاتب مايكل جون ويليامز، مدير برنامج العلاقات الدولية، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة نيويورك، عن القواعد العسكرية الأمريكية المتمركزة في ألمانيا، ومدى أهميتها في تحقيق الهيمنة الأمريكية.

القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا والفرضيات الخاطئة

يستهل الكاتب مقاله بفكرة رئيسية، مؤداها أن القواعد الأمريكية في أوروبا ساعدت دائمًا في تحقيق الهيمنة الأمريكية على نحو يفوق ما تحققه من دفاع محلي للدول التي تستضيفها. ورغم ذلك، أعلن مسؤولو إدارة ترامب، في الأسبوع الماضي، تحديد سقف جديد لعدد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا ليبلغ 25 ألف جندي؛ ما يعني خفض 9500 جندي من أفراد القوات الموجودة حاليًا.

ويُفترض أن هذه الخطوة تشكل عقابًا لبرلين بسبب عدم إنفاقها بما يكفي على الدفاع، الأمر الذي أصبح بمثابة فزَّاعة يستخدمها ترامب باستمرار (ضد حلفائه). في الواقع، على الرغم من ذلك، فإن الأمر ينم عن سوء فهم لموقف القوات الأمريكية في أوروبا.

ويستند إلى ثلاثة افتراضات خاطئة ولكن شائعة: أولها؛ أن الجيش الأمريكي موجود في ألمانيا من أجل مصلحة مضيفيه فقط. وثانيها؛ أن الولايات المتحدة وألمانيا تشتركان في تصورهما لوجود تهديد مشترك. وثالثها؛ أن الجدل حول الإنفاق العسكري يتعلق في نهاية المطاف بإلزام الدولة بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. ومن ثم، ستحتاج الإدارة الأمريكية القادمة إلى تصحيح هذه الأخطاء إذا كانت تريد الحفاظ على قوة الولايات المتحدة في أوروبا.

سياسة

منذ 6 سنوات
خريطة توزيع القوات الأمريكية حول العالم

كيف نشأت القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا؟

يقدم الكاتب نبذة تاريخية قائلًا: تأسس إطار إنشاء قواعد خارجية في عام 1943 عندما قرر المخططون العسكريون في وزارة الحرب الحفاظ على الهيمنة الأمريكية المكتسبة حديثًا في المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي. وأدى صعود ما يسمى بالقصف الاستراتيجي بعيد المدى، وتطور الأسلحة الذرية، إلى دفع المخططين إلى افتراض أن أعداء المستقبل سوف يقصفون أراضي الولايات المتحدة لتدمير التعبئة الصناعية اللازمة لدعم جهود شن حرب أمريكية. وبناءً على ذلك، ستسمح القواعد الخارجية للولايات المتحدة بشن هجوم من أي دولة بعيدة عن شواطئ الولايات المتحدة، وتسمح بنشر القوات العسكرية خارج أراضيها (عملية عسكرية وسياسية تعرف بإسقاط القوة power projection) في وقت السلم.

القواعد العسكرية الأمريكية

وكما قال مساعد وزير الحرب آنذاك روبرت لوفيت في مذكرة إلى قادة أمريكيين كبار آخرين: «لا يمكنني المبالغة في تأكيد الأهمية التي أعلقها على هذه المشكلة الأساسية بأكملها». بل إن الرئيس الأمريكي هاري إس ترومان ذهب إلى حد مطالبة الرئيس السوفيتي جوزيف ستالين بمنح الولايات المتحدة حق إقامة قواعد في جزر الكوريل.

رُفض الطلب على الفور، ولكن كما كتب المؤرخ ميلفين ليفلر، لم يكن الهدف من هذه الخطوة أن تكون معادية للسوفيت. بدلًا من ذلك، «عكست ببساطة المفهوم الواسع للأهداف الأمنية الأمريكية التي تجسدت في تخطيط القواعد الخارجية، الذي استمر في نهاية الحرب».

ويستمر هذا المفهوم الواسع للأمن الأمريكي اليوم، في ظل وجود عشرات الآلاف من القوات الأمريكية المتمركزة في 80 دولة حول العالم. وتظل القواعد وحقوق العبور التي اكتسبها المخططون الأمريكيون في أربعينيات القرن العشرين، جزءًا لا يتجزأ من نشر الولايات المتحدة الأمريكية للقوة العسكرية خارج أراضيها، كما أن المرافق في ألمانيا ذات أهمية خاصة لهذا الغرض.

قاعدة رامشتاين الجوية والأمن القومي الأمريكي

تعد قاعدة رامشتاين الجوية المركز اللوجستي الرئيسي لجميع العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا. وتُعد القاعدة أيضًا محطة تقوية لجميع الاتصالات التي تجري مع الطائرات الأمريكية بدون طيار المنتشرة في الأفق من مشغليها في منطقة نيفادا. وتعد هذه قضية مُثيرة للتوتر بالنسبة للنخب الألمانية، ووضعت حكومة المستشارة أنجيلا ميركل في مأزق بسبب شرعية مثل هذا الاستخدام.

ويقع مقر كل من القيادة الأمريكية الأفريقية والقيادة الأوروبية في شتوتجارت، ألمانيا، وكذلك وربما الأهم من ذلك، يقع مركز لاندستول الطبي الإقليمي الذي يُعد ملتقى مهمًّا لآلاف الجنود الجرحى من الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان.

علاوة على ذلك، تبني الولايات المتحدة حاليًا مستشفى عسكريًّا جديدًا أكبر في بلدة فيلرباخ (Weilerbach) يضم 5 آلاف غرفة و42 قسمًا متخصصًا، وتسع غرف عمليات بتكلفة قدرها 990 مليون دولار. وهذا المستشفى، إذا كنت تتساءل، هو للقوات الأمريكية، وليس الجنود الألمان.

وعلى الرغم من المصلحة الوطنية الصريحة والضرورة الحاسمة لتمركز القوات الأمريكية في ألمانيا، لا يفتأ مسؤولو إدارة ترامب يتذرعون بأحاديثهم المبتذلة حول مدى «الإهانة» الكامنة في كون الأمريكيين يدفعون مقابل «الدفاع» عن ألمانيا، بينما يتجاهلون الفائدة الواضحة التي تحققها القواعد الأمريكية في ألمانيا للأمن القومي الأمريكي. علاوة على ذلك، فإن هذه الحجة لا يسهل ترويجها؛ لأن غالبية الألمان لا يوافقون على أن روسيا تشكل تهديدًا عسكريًّا.

الردع يمنع تحول ألمانيا الغربية إلى ركام

يشير الكاتب في مقاله إلى أنه خلال الحرب الباردة، كانت هناك اختلافات في الرأي بين قادة ألمانيا الغربية والولايات المتحدة حول أفضل طريقة للتعامل مع التهديد السوفيتي، ولكن كان هناك تصور مشترك بأن روسيا السوفيتية كانت بالفعل تشكل تهديدًا عسكريًّا خطيرًا. وكان حلف الناتو الأداة الأساسية لألمانيا الغربية لردع أي غزو سوفيتي محتمل، وكانت كلمة «الردع» هي الكلمة الأكثر فعالية؛ لأن وقوع حرب في أوروبا كان من شأنه أن يحول ألمانيا الغربية إلى ركام. ولذلك سعى الألمان الغربيون لتخفيف التصعيد ونظروا إلى السياسات التصعيدية بنظرة تردد أو خوف.

ويضيف الكاتب: منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، سعت ألمانيا الموحدة مجددًا إلى إشراك روسيا، الأمر الذي أثار استياء الكثيرين في واشنطن.

وطوال 20 عامًا، لم يعتقد صناع السياسة الألمان على اختلاف أطيافهم السياسية أن السياسة الأمنية الأوروبية يمكن تحديدها ضد روسيا. فلم ترق للنخب الألمانية أبدًا الفكرة الخيالية التي مفادها أن بوتين أراد التهام البلطيق أو غزو بولندا، على الرغم من أن عسكرة الكرملين للعلاقات مع أوكرانيا، والاستيلاء على شبه جزيرة القرم، حفَّز ألمانيا لاتخاذ رد أكثر تشددًا.

ألمانيا تلعب دور رأس الحربة

قادت ميركل مسيرة فرض نظام عقوبات غربية وتكوين سياسة منسقة داخل الاتحاد الأوروبي (ضد روسيا). ودفعت مجتمع الأعمال الألماني– الذي لطالما تعاطف مع موسكو بسبب قضايا تجارية – إلى أبعد من ذلك. ونشرت برلين قوات في ليتوانيا كدولة إطارية، مما يعني أن برلين توفر الجزء الأكبر من القوة، إلى جانب القوى المساعدة الرئيسية، ومن ثم يمكن للحلفاء الأصغر حجمًا تعزيز القدرات، وهي خطوة تظهر التزامًا قويًّا بالدفاع المشترك.

كما تركز البحرية الألمانية مرة أخرى على بحر البلطيق لدعم الجناح الشمالي للناتو. وقبل وقت طويل من تغريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غاضبًا من الحلفاء الأوروبيين الذين لا يتحملون نصيبهم من الأعباء المالية، التزمت برلين في قمة الناتو التي عُقدت في ويلز عام 2014 بزيادة الاستثمار في الدفاع.

وفي عام 2019، ارتفع الإنفاق الدفاعي لألمانيا بمقدار 5.6 مليار دولار، وهي أكبر زيادة منذ نهاية الحرب الباردة. وتواصل وزيرة الدفاع الحالية، أنيجريت كرامب كارينباور، الضغط من أجل المزيد من تطوير القدرات. والأهم من ذلك، يشير الاستطلاع الأخير إلى أن الألمان يشعرون أنه يجب على ألمانيا أن تفعل المزيد على المسرح العالمي. أما ما تعنيه لفظة «المزيد» بالضبط؛ فما يزال قيد النظر. والشيء الوحيد المؤكد هو: أنهم لا يريدون استعداء روسيا.

الدبلوماسية.. نهج ألماني

يستطرد الكاتب قائلًا: لطالما فضل النهج الألماني تجاه روسيا الدبلوماسية والمشاركة على نوبات الغضب والعسكرة، وهذا لن يتغير. ومن الأمور التي تمثل إشكالية بالنسبة لألمانيا، أن الناتو لم يعد رادعًا ضد الغزو الروسي. وبدلاً من ذلك، إذا قُدر لألمانيا وروسيا أن يخوضا صراعًا، فسيكون ذلك بسبب التزامات ألمانيا المتعلقة بالتحالف. فالنخب في برلين لا تريد التنصل من مثل هذه الالتزامات، لكن المخاوف من الانجرار إلى صراع تزداد كلما تخلَّى ترامب عن اتفاقيات الحد من التسلح والمعاهدات الدولية بمعدل ينذر بالخطر. ويبدو التحالف مع واشنطن على نحو متزايد وكأنه التزام أكثر منه ذُخرًا.

إن النقاش حول تصحيح حجم الجيش الأمريكي، وضرورة إعادة التفكير على نحو خلاق في الاستراتيجية، هو نقاش يستحق الخوض فيه، ولكن إعادة التوازن لا تعني انسحابًا شاملًا. فالقواعد الأمريكية في أوروبا تدعم الأمن القومي الأمريكي أولًا وقبل كل شيء. وبدونها، سيكون من الصعب تصور نشر القوة الأمريكية خارج حدودها، وستكون بعض العمليات مستحيلة، وسيكون الاستقرار في أوروبا موضع تساؤل.

إن التزامات القوات الأمريكية الحالية في ألمانيا، وفي جميع أنحاء أوروبا هي تقريبًا الحد الأدنى المطلوب لتماسك التحالف، وقابلية التشغيل البيني، وطمأنة الشركاء. ومن شأن إجراء تخفيض آخر في ألمانيا أن يكون مدمرًا ذاتيًّا؛ إذ يعد نقل القوات الأمريكية إلى بولندا – وهي حليف غير ليبرالي تمامًا – أمرًا بلا معنى ومكلفًا.

تقصير أوروبي في الإنفاق العسكري

يرى الكاتب أن صانعي السياسة في واشنطن محقون في القلق بشأن المستويات المنخفضة للاستثمار الدفاعي في أوروبا. فحتى لو كان من المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الحفاظ على قواعد في أوروبا، فإن الولايات المتحدة تريد شركاء مؤهلين. لكن واشنطن بحاجة إلى معالجة الاختلاف في تصور التهديد، وتأطير النقاش حول تضامن الحلف وقدراته، وليس الخطاب الفارغ المتعلق بالتعهد بتخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي.

وكما كتب جان تيشاو، أحد مستشاري وزيرة الدفاع أنيجريت كرامب كارينباور: «كوسيلة لقياس الزيادة في القدرات العسكرية، فإن مقياس 2% لا يكاد يقدم فائدة، إذ لا يقيس الإنفاق بالقيمة الحقيقية أو الإنتاج الفعلي».

إن تكرار دفع الحلفاء للالتزام بهذا الهدف الفارغ، يحدد الأهداف الخاطئة، ويسمح للحلفاء بادعاء إحراز تقدم لا جدوى منه. بدلًا من ذلك، فإن التركيز على القدرات سيتيح إمكانية تحسين خفة حركة القوات وقابلية نشرها. ويجب أن يكون التركيز على الاستراتيجية وتخطيط القوة لتدشين القدرات اللازمة لردع التدخل الروسي، الذي لن يكون بالتأكيد تقليديًّا.

إن التركيز المستمر على تحقيق مُحصلة نهائية مجردة من المحتم أن يفشل، خاصة في أعقاب جائحة فيروس كورونا المُستجد، والانكماش الاقتصادي الذي تلاه؛ ذلك أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي سيظل حتمًا دون نسبة 2% المستهدفة في المستقبل المنظور.

ويخلص التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية القادمة تحتاج إلى تغيير خطابها، والتركيز على القدرات التي تعزز استراتيجية فعلية تتعلق بألمانيا، وحلف شمال الأطلسي، وروسيا. وسيؤدي ذلك إلى فتح مجال للنقاش المثمر، وسيتيح للحلفاء تحديد دور حلف شمال الأطلنطي في العقد المقبل من القرن الحادي والعشرين، بدلًا من الاعتماد على مقاييس الحرب الباردة غير المناسبة للحقبة المعاصرة.

دولي

منذ شهر
هل ينجح ترامب في توريط الجيش الأمريكي في السياسة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد