قال نواه سميث في مقال له على موقع شبكة «بلومبرج»: «إن ثمة مؤشرات على أن اقتصاد الولايات المتحدة يتراجع بشكل مثير للقلق». وأوضح سميث أنه تأخر عن تناول العشاء مع أسرته قبل أيام بسبب الزحام المروري في جميع أنحاء مدينة سان فرانسيسكو؛ وذلك لأن قطعًا من الخرسانة بدأت تسقط من السطح العلوي لجسر ريتشموند-سان رافائيل.

لم يكن هذا حدثًا جديدًا؛ ففي عام 2016 تم إغلاق جسر Bay بعد أن بدأت قطع الخرسانة تتساقط من جدران النفق. ولا تقتصر هذه المشاكل على الجسور فحسب، فقد تم إغلاق مركز Transbay Transitay Transcay الذي تبلغ تكلفته 2.2 مليار دولار في أواخر عام 2018 عندما تم اكتشاف شقوق في العوارض.

مترجم: كيف تموت الديمقراطيات؟ أمريكا مثالًا!

لعل المرء قد يتوقع حدوث مثل هذه المشكلات الصغيرة في بلد نام، حيث يتم بناء الأشياء بأسعار رخيصة أو بطريقة سيئة – يشير سميث. لكن كاليفورنيا تنفق أموالًا طائلة على البناء. ألغى الحاكم جافين نيوسوم مؤخرًا معظم مشروع بناء خط السكك الحديدية عالية السرعة في الولاية، بعد أن تضخمت الأسعار من 45 مليار دولار إلى 75 مليار دولار. وهذه المشاكل ليست مقتصرة على كاليفورنيا.

ففي جميع أنحاء البلاد، تضخمت تكاليف البناء في كلا القطاعين العام والخاص مع تراجع الإنتاجية أو انخفاضها. يكلف بناء كل ميل من القطارات في الولايات المتحدة أكثر بكثير من تكلفة بنائه في فرنسا. ويبدو أن أحدًا لا يستطيع أن يضع أصبعه على السبب، وبدلًا عن ذلك، يبدو أن الفساد مستشر في الولايات المتحدة، وتسند العطاءات إلى شركات غير كفؤة، وترتفع تكاليف الاستحواذ على الأراضي، فضلًا عن زيادة عدد العاملين والحواجز التنظيمية، وسوء الصيانة والاعتماد المفرط على الاستشاريين ومشاكل أخرى. تضاف هذه الاختلالات الطفيفة ـ على ما يبدو ـ إلى بلد نسي كيف يبني. فلا غرابة في أن معظم البنية التحتية للبلاد في حالة سيئة.

فهل من الممكن أن يتراجع بلد صناعي غني إلى صفوف البلدان المتوسطة؟ يتساءل سميث. تصنف الأمم المتحدة البلدان على أنها متطورة ونامية، وبلدان متوسطة «تمر بمرحلة انتقالية». ولكن من المفترض بشكل عام أن الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية في طريقها إلى التطور وليس التراجع.

لا تزال الولايات المتحدة دولة غنية جدًا – أكثر ثراء من دول مثل ألمانيا، السويد، اليابان، كندا أو الدنمارك. لكن هذه الثروة تحجب عددًا من المجالات الهامة التي تبدو فيها الولايات المتحدة أقل فاعلية من نظيراتها. وتكاليف البناء هي واحدة من هذه، فضلًا عن الرعاية الصحية – يكلف النظام الصحي الهجين بين القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة أكثر بكثير من الأنظمة التي تسيطر عليها الحكومة في البلدان الأخرى:

أكثر البلدان إنفاقًا على الرعاية الصحية

وهذا الرقم يرتفع باطراد – ينوه سميث. ولكن على الرغم من كل هذا الإنفاق الباذخ، تظهر العديد من المؤشرات أن الرعاية الصحية في الولايات المتحدة تتدهور. تبرز بعض الاتجاهات الحديثة المثيرة للقلق مدى فشل النظام. فقبل خمس سنوات بدأ متوسط العمر المتوقع ـ الذي لا يزال يرتفع في معظم البلدان الأخرى ـ في الانخفاض بالولايات المتحدة:

متوسط العمر المتوقع عبر السنوات

وشهدت معظم البلدان أيضًا انخفاضات في وفيات الأمهات. لكن في الولايات المتحدة ارتفع المعدل في السنوات الأخيرة. وبفضل جزء من تكاليف البناء المرتفعة والقيود المفروضة جزئيًا على تطوير الإسكان، تواجه البلاد أزمة في أسعار المساكن:

كما ارتفع استهلاك الحشيش بشكل مأساوي – يضيف سميث – وزادت معدلات الانتحار بشكل كبير. وعانت مدن بأكملها من تلوث مياه الشرب بالرصاص. ويزداد الفساد انتشارًا. والقائمة تطول. إن الولايات المتحدة لديها عدد كبير من نزلاء السجون، ومعدل جرائم العنف أعلى بكثير من الدول المتقدمة الأخرى. كما أن لديها المزيد من الفقر والجوع.

لذا يرى البعض أن الولايات المتحدة هي في الواقع بلدان في دولة واحدة – دولة متقدمة للأغنياء وأخرى متخلفة للفقراء. لكن الاتجاهات الحديثة مثل الانخفاض في إنتاجية البناء وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية تشير إلى أن عدم المساواة ليس القصة كلها هنا. فقد أصبحت الولايات المتحدة ببساطة أقل كفاءة على مدى طيف واسع من المجالات.

إلى متى يمكن أن يستمر فقدان الكفاءة هذا دون الإضرار بالثروة الإجمالية للبلاد؟ يتساءل سميث. ويجيب: لا أحد يعرف، ولكن إذا ما انخفض في النهاية الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، فلن تكون أول دولة غنية تشهد ذلك في السنوات الأخيرة. لقد سارت إيطاليا بالفعل في هذا الدرب:

تبديد 20 عامًا من النمو في إيطاليا

شهدت إيطاليا انعدام كفاءة سياسي وانقسامًا لفترة طويلة – يقول سميث. فطوال عقد من الزمان تقريبًا، جعل رئيس الوزراء الإيطالي الفاسد والشائع والشعبي، سيلفيو برلسكوني، الوضع أسوأ. ولا تبدو المقارنة مع الولايات المتحدة بالتأكيد مشجعة.

لا ينبغي على الولايات المتحدة الانتظار ومعرفة ما إذا كانت الاتجاهات الحالية لا تزال قائمة. بدلًا عن ذلك يجب أن يكون هناك تركيز وطني على خفض التكاليف الزائدة في الصناعات الرئيسة، وتحسين صحة السكان، وزيادة الكثافة في المدن المترامية الأطراف في البلاد، وتحديث النقل العام، والحد من الفساد وإهدار المال في كل من القطاعين العام والخاص. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تظل دولة متقدمة، فعليها أن تحاول أن تبدو وتتصرف كدولة متقدمة.

«واشنطن بوست»: أمريكا في طريقها لتصبح من جمهوريات الموز

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات