في ظل توترات دامت شهورًا بين تركيا، والولايات المتحدة حول شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، استمرت حرب التصريحات والتهديدات. يرى مدير الدراسات الأمنية في مركز سيتا في أنقرة مرات يشيلتاش في تقرير بموقع «لوب لوج» الأمريكي أن تلك الحرب انتهت بخسارة واشنطن، في ما أطلق عليه «لعبة الجبناء» مع تسلم أنقرة لأول دفعة من المنظومة الدفاعية من روسيا.

ويبدأ يشيلتاش تقريره بالقول إنه بوصول الدفعة الأولى من المنظومة الدفاعية إلى تركيا «نستطيع القول إنَّ الولايات المتحدة خسرت لعبة (الجبناء) التي كانت تلعبها مع أنقرة».

ويوضح أنه في ضوء ذلك التطور أصبحت تركيا الآن أول دولةٍ في حلف الناتو تشتري منصة أسلحة استراتيجية من روسيا، رغم الاعتراضات الأمريكية الشديدة، مشيرًا إلى أن العديد من المؤسسات الأمريكية، مثل وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والكونجرس، أمضت أكثر من عامين في محاولة إثناء تركيا عن شراء المنظومة. وفي حين يتعامل حلف الناتو مع روسيا بوصفها تهديدًا استراتيجيًّا، عقدت تركيا صفقةً مع روسيا لتلبية مصالح أمنها القومي.

ويرى الكاتب في تقريره أن روسيا ضربت بذلك عصفورين بحجر واحد: دخلت سوق الأسلحة الدفاعية لحلف الناتو، وأحدثت صدعًا في علاقات التحالف العابر للمحيط الأطلسي.

منظومة إس-400

وصول منظومة إس-400 وتداعياته

يشير التقرير إلى أن أنقرة وطدت علاقاتها مع موسكو بإصرارها على صفقة منظومة إس-400 الروسية، التي من المعروف أنَّها غير متوافقة مع المتطلبات الأمنية والدفاعية للناتو. وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرارًا أنَّ تركيا وروسيا ستزيدان التعاون الدفاعي، عن طريق العمل على الإنتاج المُشترك لبدائل صواريخ إس-400. وشدد أيضًا في أكثر من مناسبةٍ على أنَّ تركيا ستحصل في النهاية على الجيل التالي من منظومة الدفاع الجوي الصاروخي S-500 روسية الصنع.

ووصف أردوغان صفقة شراء أنقرة لمنظومة إس-400 بأنها واحدة من أهم الصفقات الدفاعية التي وقَّعت عليها تركيا في تاريخها. ويقول التقرير إن الرئيس التركي من الواضح أنه ينظر إلى الأمر باعتباره أكثر أهميةً من مجرد حيازة أسلحة بسيطة.

ويشير التقرير إلى أنه بخلاف المخاوف الجيوسياسية، يتوجب على تركيا الحفاظ على علاقة عمل جيدة مع روسيا، بسبب أهداف أنقرة في سوريا. إذ إنَّ هناك قضيتين بالغتي الأهمية بالنسبة لتركيا في سوريا، أولهما هي القتال الذي تخوضه ضد ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، المرتبطة بـ«حزب العمال الكردستاني» التركي المحظور داخل شمالي سوريا. وثانيها هو الوجود العسكري التركي في محافظة إدلب السورية. ولا تعتمد تركيا على روسيا داخل سوريا، لكنها بحاجةٍ إلى إدارة علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة من أجل تسهيل عملياتها هناك.

وفي ما يتعلَّق بالولايات المتحدة، يوضح التقرير فإنَّ حصول تركيا على منظومة إس-400 أثار مخاطر العقوبات بموجب «قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة بالعقوبات» الذي صدر عام 2017. إذ ستُضطر أنقرة للاستمرار في التعامل مع روسيا من أجل صيانة أنظمة إس-400 التي استلمتها وتطويرها وتشغيلها؛ مما سيؤدي على الأرجح إلى رد فعل عكسي من عقوبات «قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة بالعقوبات» ضد تركيا.

وتواجه أنقرة بالفعل خطر الاستبعاد من برنامج طائرات إف-35 المُقاتلة، وهو الأمر الذي سيشمل إلغاء الصفقة التركية لشراء مقاتلات إف-35، واستبعاد شركات الدفاع التركية من عمليات إنتاج المُقاتلات، وهو أمر من شأنه أن يكلف تلك الشركات مليارات الدولارات من عائداتها، بحسب تقرير «لوب لوج».

غير أن التقرير يرى أن خيارات أصبحت ترامب مُقيَّدةً بالإطار القانوني لـ«قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة بالعقوبات»، لافتًا إلى أنه حتى في حال انتوى ترامب إلغاء العقوبات لدواعي الأمن القومي؛ يستطيع الكونجرس بدعمٍ من الحزبين أن يتجاوز قراره ويفرض العقوبات على كل حال. وهذا من شأنه أن يدفع تركيا إلى اتخاذ تحرك مضاد للولايات المتحدة.

وليس من المستبعد، وفقًا للتقرير، أن يُجبر ترامب قريبًا على تغيير موقفه ودعم العقوبات، نظرًا إلى المعارضة المؤسسية تجاه تركيا داخل واشنطن في الوقت الحالي. ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق أمام الردود التركية المحتملة، والتي ستزيد الصدع في العلاقات التركية- الأمريكية.

وشدد قادة تركيا على أن الرؤية التركية الجيوسياسية، بخصوص علاقاتها مع بقية أعضاء الناتو، ما تزال على حالها. لكن يبدو وكأن العلاقات التركية- الأمريكية تتدهور؛ بسبب صفقة شراء أسلحة الدفاع الاستراتيجي الأخيرة التي عقدتها أنقرة، والعديد من خلافات السياسية الأجنبية والأمنية بين أنقرة، وواشنطن حول القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط، بحسب التقرير.

إس-400

تقديرات الولايات المتحدة الخاطئة

يلفت التقرير إلى أن العلاقات بين تركيا، والولايات المتحدة لم تتداع بسبب منظومة أسلحةٍ واحدة، بل ينطوي الأمر على عدد من التقديرات الأمريكية الخاطئة لأهداف تركيا الأمنية.

وأول تلك التقديرات الخاطئة وأهمها، وفقًا لما جاء بالتقرير، هو سوء تفسير واشنطن لتحول فكر السياسة الخارجية التركية. فمنذ اندلاع الربيع العربي عام 2011 وتحول الحرب السورية إلى حرب إقليمية، تبنَّت تركيا تدريجيًا سياسة أمنية ذات دوافع عسكرية على حدودها، مع سوريا تحديدًا.

ففي بداية الصراع السوري، كانت تركيا تتشارك الأهداف الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ما يتعلَّق بمستقبل سوريا. إذ كان البلدان يهدفان إلى تقويض نظام بشار الأسد لإعادة تشكيل سوريا في المشهد الإقليمي الجيوسياسي. وفشل البلدان في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية لأنهما فسرتا الانتفاضة السورية تفسيرًا خاطئًا. وبمجرد تدخل إيران وروسيا تحديدًا، تباعدت الأهداف الأمريكية والتركية، وفقًا للتقرير.

إذ حاولت تركيا تجنب الآثار غير المباشرة للحرب، في حين حولت الولايات المتحدة سياستها في أعقاب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأدت الجهود الأمريكية لمواجهة داعش إلى خلق العديد من التحديات التكتيكية والتشغيلية والاستراتيجية على المدى البعيد بالنسبة للسياسات الإقليمية والمُتعلقة بالأمن القومي التركي، وخاصة بسبب تحالف الولايات المتحدة مع ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية، التي لها علاقة قوية بـ«حزب العمال الكردستاني» التركي المحظور.

واضطرت تركيا، بحسب التقرير، إلى مواجهة التمرد الحضري لـ«حزب العمال الكردستاني» داخل أراضيها، في حين كانت الولايات المتحدة تدعم الفرع السوري للحزب؛ مما قوض مصالح الأمن القومي التركي في المنطقة بنهاية المطاف.

وفي أعقاب محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في يوليو (تموز) عام 2016، يقول التقرير إن منظور أنقرة للسياسة الخارجية الأمريكية تغير. إذ كانت الولايات المتحدة تدعم «وحدات حماية الشعب»، التي لها علاقةٌ بـ«حزب العمال الكردستاني»، ولم تدعم أنقرة بإدانة المُخطِّطين للانقلاب، أو التعاون بتسليم فتح الله كولن، وهو الرجل الذي تعتقد السلطات التركية أنَّه هو من خطَّط للانقلاب.

لكن على الجانب الآخر، كانت روسيا حاضرةً لتزويد تركيا بأنظمة إس-400 رغم إسقاط طائرة سو-24 الهجومية الروسية على يد طائرةٍ مُقاتلة تركية فوق الحدود التركية- السورية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، وفقًا للتقرير.

وجاء التقدير الخاطئ الثاني، مثلما ورد في تقرير «لوب لوج» حين شبهت الولايات المتحدة موقف تركيا في ما يتعلق بمحاولة شراء منظومة الدفاع الصاروخي إف دي 2000 الصينية عام 2015، بقرارها شراء أنظمة إس-400 عام 2017. واعتقدت واشنطن أنَّ تركيا ستُلغي صفقة إس-400، على غرار ما فعلته في حالة الأنظمة الصينية، نظرًا إلى مشكلة التشغيل البيني، ورد الفعل المحتمل من الناتو.

Embed from Getty Images

لكن كانت واشنطن خاطئة، فقد جاء قرار تركيا بإلغاء تعاقدها على منظومة الدفاع الصاروخي إف دي 2000، بحسب التقرير، من أجل إطلاق مشروع دفاع الجوي الصاروخي الوطني الخاص. علاوة على ذلك، توصلت أنقرة إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ الأنظمة الصينية لم تثبت تنافسيتها وكفاءتها في المعارك، فضلًا عن أن العرض افتقر إلى تبادل التكنولوجيا. والأهم هو أن تركيا قررت شراء أنظمة إس-400 وسط بيئة جيوسياسية مختلفة للغاية، في ما يتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا، والمشهد الأمني الإقليمي.

أما التقدير الخاطئ الثالث، من وجهة نظر كاتب التقرير، فهو اعتقاد الولايات المتحدة بوجود نوعٍ من التباين بين مؤسسات الدولة التركية في ما يتعلق بالحصول على منظومة إس-400. لكن ذلك الاعتقاد لم يكن صحيحًا. ورغم أن المؤسسة الأمنية التركية كانت لديها بعض المخاوف بشأن الصدع الجيوسياسي المحتمل بين أنقرة، وموسكو حيال مختلف قضايا السياسة الخارجية، لكن تلك المخاوف لم تمثل تحديًا استراتيجيًّا بقدر الضرر الذي أصاب الأمن القومي التركي نتيجة السياسات الأمريكية.

فمنذ عام 2003، فقدت الولايات المتحدة موثوقيتها بوصفها شريكًا أمنيًّا استراتيجيًّا لتركيا، وفقًا للتقرير. ووقعت صفقة شراء أنظمة إس-400 جزئيًا لأن العديد من مؤسسات الدولة التركية تشاركت في هذه الرؤية. وفضلًا عن القواسم المشتركة في ما يتعلَّق بأنظمة إس-400، فقد تشابهت رؤية أوساط الحكم التركية للتهديد الذي تمثله السياسة الأمريكية في سوريا.

وفشلت حكومة الولايات المتحدة في إدراك التأثير الذي أحدثته تغييرات الاستراتيجية الأمريكية في التفكير التركي. وبدلًا من فهم المخاوف الأمنية التركية، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة خاصة الكونجرس زادت من المخاطر الأمنية لتركيا عن طريق وضع أنقرة في إطار المنافس وليس الحليف.

ويرى الكاتب في ختام تقريره أن عقاب تركيا من خلال التشريعات لن يكون خطوة استراتيجة ذكية، بل في الواقع، سيمثل الأمر خطأ استراتيجيًّا سيدفع بتركيا إلى زيادة تقاربها مع روسيا. وقد خسرت الولايات المتحدة بالفعل لعبة «الجبناء» التي كانت تلعبها مع تركيا في ما يتعلق بأنظمة إس-400. ويقول إنه حان الوقت لتُعيد المؤسسات الأمريكية النظر في نهجها تجاه تركيا، وتحاول إدراك الديناميات المتغيرة للسياسة الخارجية، والاعتبارات الأمنية التركية.

علاقة أمريكا وتركيا.. رسم تفصيلي لمسارها الذي يتقلب دون هدوء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد