نشر موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي تقريرًا يفيد بحصوله على وثائق من القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» بموجب قانون حرية تداول المعلومات، توضح مدى انتشار الجيش الأمريكي في القارة، وتعارُض البيانات الواردة بتلك الوثائق مع تصريحات الجيش الأمريكي مسبقًا عن اتجاهه إلى تقليص انتشاره فيها.

أشار الموقع إلى أنَّ الجيش الأمريكي كان دومًا ما يصف انتشاره داخل القارة الأفريقية بـ«الانتشار المحدود»، وأنَّ هناك تقارير نُشِرَت من قبل تذكر اقتراحاتٍ لسحب قوات العمليات الخاصة تدريجيًا وإغلاق بعض القواعد في القارة، نتيجة كمينٍ وقع في النيجر عام 2017 والتركيز المُتزايد على المنافسين مثل الصين وروسيا. لكن رغم ذلك، لم توفر «أفريكوم» أبدًا أي معلوماتٍ وافيةٍ بشأن قواعدها العسكرية في القارة، تاركةً حجم انتشارها داخل القارة موضعًا للتساؤل.

لكن تُقدِّم وثائق «أفريكوم» التي حصل عليها موقع «ذي إنترسبت» نظرةً فريدةً، توضح شبكةً مُترامية الأطراف من المواقع العسكرية في أفريقيا، تشمل مواقعَ لم يُكشف عنها من قُبل أو لم يثبَت وجودها في مناطقَ حيويةٍ مثل ليبيا والنيجر والصومال. وصرَّحت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) للموقع أنَّ تخفيض أعداد القوات في أفريقيا سيكون متواضعًا وتدريجيًا على مدار عدة سنوات، وأنَّه لا يُنتظر إغلاق أي مواقعَ نتيجة خفض عدد أفرادها.

أهمّ القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج

ووفقًا لتقريرٍ موجز قدَّمه المستشار العلمي لـ«أفريكوم» بيتر تييل عام 2018، فإنَّ مجموعة القواعد العسكرية تضُم 34 موقعًا متفرقًا حول القارة، مع تركيزٍ أكبر في الشمال والغرب ومنطقة القرن الأفريقي. وليس من المستغرب أنَّ تلك المناطق شهدت عددًا كبيرًا من هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار والغارات السرية للقوات الخاصة في السنوات الأخيرة. وعلى سبيل المثال، تحتوي ليبيا على ثلاثة مواقعَ عسكريةٍ لم يُكشَف عنها من قبل. وجديرٌ بالذكر أنَّ البلد الأفريقي هو موقعٌ لعمليات الطائرات بدون طيار والقوات الخاصة، بينما قال الرئيس ترامب إنَّه لم يشهد أي دورٍ عسكري أمريكي فيها العام الماضي.

وذكر الموقع إفادة الجنرال توماس والدوسر قائد «أفريكوم» أمام لجنة الخدمات المسلحة بالكونجرس الأمريكي في وقتٍ مُبكِّرٍ من العام الجاري، التي قال فيها إنَّ «خُطة انتشار القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا صُمِّمَت بغرض تأمين الوصول الاستراتيجي للمواقع الرئيسية داخل قارةٍ تتصف بمساحاتها الشاسعة وبنيتها التحتية المحدودة»، لكنَّ يوضح تقرير الموقع أنَّه لمُ يُقدَّم أي تفاصيلَ بشأن عدد القواعد. وتابع الجنرال: «تسمح شبكة قواعدنا بتنظيم القوات بطريقةٍ تُوفِّر المرونة للعمليات وتسمح بالاستجابة السريعة للأزمات المُتعلِّقة بالأفراد والمصالح الأمريكية، دون أن توحي بعسكرة «أفريكوم» لأفريقيا».

ويقول آدم مور، أستاذ الجغرافيا المساعد في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس وخبير شؤون الانتشار العسكري الأمريكي في أفريقيا: «أصبح من العسير على الجيش الأمريكي أن يزعم أنَّه ينتشر «انتشارًا محدودًا» داخل أفريقيا. إذ أنشأ خلال السنوات الخمس الماضية فقط ما يُمكن وصفه بأنَّه أكبر مُجمِّع للطائرات بدون طيار في العالم داخل مطار شابلي في جيبوتي. وشاركت تلك الطائرات في حروبٍ على مستوى قارتين، داخل اليمن والصومال». وأشار مور أيضًا إلى أنَّ الولايات المتحدة تبني حاليًا قاعدة طائراتٍ بدون طيار أكبر حجمًا في مدينة أجاديس بالنيجر. ثم أضاف: «بالنسبة لسكان الصومال والنيجر وجيبوتي، لا شك أنَّ فكرة عدم عسكرة الولايات المتحدة لبلادهم هي كذبة».

ويوضح موقع «ذي إنترسبت» أنَّه على مدار السنوات العشر الأخيرة، لم تسعَ «أفريكوم» جاهدةً إلى توصيف انتشارها بالمحدود فقط، لكنَّها أيضًا كانت تصف مواقعها العسكرية بأنَّها قواعدَ محلية صغيرة ومؤقتة لإقامة الأمريكيين. فمثلًا، وصف الجنرال والدوسر موقعًا سريًا للطائرات بدون طيار في تونس العام الماضي قائلًا: «هذه ليست قاعدتنا، إنَّها قاعدة التونسيين». وخلال زيارةٍ إلى مرفقٍ أمريكيٍ في السنغال الصيف الماضي، تكبَّد قائد «أفريكوم» عناء التأكيد على أنَّ الولايات المتحدة لا تنوي إنشاء قاعدةٍ دائمةٍ هناك. ورغم ذلك، فإنَّ حجم شبكة مواقع «أفريكوم» ونمو البنية التحتية لا يُمكن إنكارهما. وجديرٌ بالذكر أنَّ القوات الجوية الأمريكية في أفريقيا، وهي سلاح الجو في قيادة «أفريكوم»، قد أنهت مؤخرًا أو تعمل حاليًا وحدها على إنهاء قرابة 30 مشروع إنشاءات في 4 دولٍ داخل أفريقيا. وقالت كانديس تريش، القائدة في سلاح البحرية والمتحدِّثة باسم البنتاجون، في تصريحها لموقع «ذي إنترسبت»: «تنامى الانتشار الأمريكي داخل القارة الأفريقية بشكلٍ ملحوظٍ على مدار العقْدِ الأخير من أجل تعزيز المصالح الأمنية الأمريكية في القارة».

وفي الوقت الذي زادت فيه الصين وفرنسا وروسيا والإمارات العربية المتحدة من مشاركتها العسكرية داخل أفريقيا في السنوات الأخيرة، فضلًا عن امتلاك عددٍ من الدول لمواقعَ عسكرية داخل القارة، لا يُقارن كل ذلك بالانتشار الأمريكي واسع النطاق. فالصين مثلًا تمتلك قاعدةً واحدةً فقط في أفريقيا، وهي عبارة عن مرفقٍ في جيبوتي.

ويذكر الموقع أنَّه وفقًا للوثائق التي حصل عليها، تشمل شبكة قواعد «أفريكوم» قواعدَ كبيرة «دائمة»؛ تتكوَّن من مواقع دعم العمليات ومواقع للأمن التعاوني، بالإضافة إلى عددٍ من المواقع البسيطة التي تُعرَف بمواقع الطوارئ. وتقع جميع تلك المواقع داخل القارة الأفريقية، باستثناء موقع واحد من مواقع دعم العمليات يقع على جزيرة أسينشين البريطانية في المحيط الأطلنطي. وتُشير خريطة «الوضع الاستراتيجي» لقيادة «أفريكوم»، التي عرضها تييل، إلى المواقع المُحدَّدة لأربعة عشر موقعًا من مواقع دعم العمليات ومواقع الأمن التعاوني، فضلًا عن أماكن عشرين موقع طوارئ داخل بلدان القارة. ولم يُوضح البنتاجون ما إذا كانت هذه هي الحصيلة الشاملة، لكنَّه أشار إلى تخوُّفه من توفير معلوماتٍ علنيةٍ بشأن أعداد القوات المنتشرة في بعض المرافق أو دولٍ بعينها. وأضافت القائدة تريش: «لأسبابٍ تتعلَّق بأمن العمليات، لا يُمكن كشف الخرائط التفصيلية الكاملة للقوات وانتشارها».

وفي حين تُستبدل القوات والمواقع داخل القارة بشكلٍ دوريٍ، ويُبقى على بعض المواقع التي تستخدمها القوات الخاصة التي تُنفِّذ مهماتٍ سريةٍ طي الكتمان؛ تُقدِّم خريطة تييل أكثر البيانات المتوفرة حاليًا حداثةً وتكاملًا، وتُشير إلى أكثر المناطق أهميةً داخل القارة من وجهة نظر «أفريكوم». ويقول مور: «يقترح توزيع القواعد أنَّ الجيش الأمريكي ينتشر حول ثلاث مواقع لمكافحة الإرهاب داخل أفريقيا: القرن الأفريقي، أي الصومال وجيبوتي وكينيا، وليبيا، والساحل الأفريقي، أي الكاميرون وتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو»، وأشار إلى أنَّ الولايات المتحدة تمتلك قاعدةً واحدةً فقط في جنوب القارة، وخفضت مشاركتها العسكرية في وسط أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

النيجر والصومال وكينيا

وفقًا لتقرير «ذي إنترسبت»، يُؤكد تقرير تييل للمرة الأولى أنَّ الجيش الأمريكي يمتلك حاليًا مواقعَ داخل النيجر أكثر من أي دولةٍ أخرى في الجزء الغربي من القارة، بواقع خمس مواقع من بينها موقعين للتعاون في مجال الأمن. إذ أنَّ نيامي عاصمة النيجر هي موقع القاعدة الجوية 101 التي تُعَدُّ من أقدم مواقع الطائرات الأمريكية بدون طيار والمُرفقة بمطار ديوري حماني الدولي، بالإضافة إلى احتوائها على قاعدة العمليات المتقدمة للعمليات الخاصة، فضلًا عن كونها مركز خدمات إنقاذ الأفراد وإجلاء المصابين التي يُقدِّمها متعهدون لقيادة «أفريكوم» في غرب أفريقيا. أما موقع الأمن التعاوني الآخر فيوجد داخل مدينة أجاديس النائية التي تُعَدُّ مركزًا للتهريب، ومن المنتظر أن يُصبح الموقع الرئيسي للجيش الأمريكي في غرب أفريقيا. ووصلت تكلفة إنشاء قاعدة الطائرات بدون طيار داخل قاعدة النيجر الجوية 201 إلى حوالي 100 مليون دولار، فضلًا عن أنَّ نفقات تشغيلها ستُكلِّف دافعي الضرائب الأمريكيين قرابة ربع مليار دولار بحلول عام 2024 مع نهاية اتفاقية استخدامها التي تمتد لعشر سنوات.

ورسميًا، لا تُعتبر مواقع الأمن التعاوني «مرفقًا ولا قاعدةً أمريكية»، لكنَّها تُعَدُّ وفقًا لوصف الجيش «مجرد موقعٍ يُمكن لأفراد الجيش الأمريكي استخدامه عند الحاجة وبموافقة الدولة الشريكة لتقديم الدعم في مختلف حالات الطوارئ». لكنَّ الأبعاد والتكاليف والأهمية الضخمة التي تتمتع بها قاعدة أجاديس تُشير إلى عكس ذلك. إذ يقول مور: «بالنظر إلى حجم واستثمارات البنية التحتية، تُشبه أجاديس القواعد الضخمة التي أنشأها الجيش في العراق وأفغانستان، وليست مجرد موقعٍ صغيرٍ خفي».

يوضح موقع «ذي إنترسبت» أنَّ حجم انتشار الجيش الأمريكي في النيجر فُضِحَ على نطاقٍ واسعٍ العام الماضي حين نفذت عناصر الدولة الإسلامية «داعش» كمينًا في الصحراء الكبرى قُرب حدود مالي في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وأودى الكمين بحياة أربعة جنودٍ أمريكيين من بينهم عناصر في القوات الخاصة «البريهات الخضراء»، فضلًا عن إصابة جنديين آخرين. وسلَّط التحقيق الذي أجراه البنتاجون مزيدًا من الضوء على عددٍ من مواقع الجيش الأمريكي الأخرى في النيجر مثل مُدن عولام وأرليت، حيث أُرسِلَت وحدة العمليات الخاصة عام 2017، ومدينة مرادي التي أُرسِلَت إليها وحدة العمليات الخاصة عام 2016. ويبدو أنَّ أرليت كانت من بين مواقع الطوارئ المقترحة في خطة الوضع الاستراتيجي الخاصة بقيادة «أفريكوم» لعام 2015، والتي كانت سريةً قبل أن يكشف عنها الموقع. أما مدينة عولام، التي أُدرِجَت في في وثائق المتعهدين التي كشف عنها الموقع العام الماضي، فكانت موقعًا لجهود وحدة العمليات الخاصة لتدريب وتسليح شركة مكافحة إرهابٍ نيجيرية، فضلًا عن تنفيذ عملياتٍ بالتعاون مع الوحدات المحلية الأخرى. وتُشير وثائق المتعهدين التي نُشرت عام 2017 إلى الحاجة لأربعة آلافٍ وأربعمائة جالون شهريًا من البنزين و1100 جالون/شهريًا من وقود الديزل وستة آلاف جالون/شهريًا من وقود النفاثات، تُسلَّم كل 90 يومًا إلى «منشأةٍ عسكريةٍ» في مدينة دركو.

Embed from Getty Images

جنازة أحد الجنود الأمريكيين القتلى في كمين النيجر.

وفي حين تؤمن قواعد النيجر الخمسة غرب أفريقيا، تغطي المواقع الأمريكية الخمسة في الصومال شرق القارة. إذ تُعَدُّ الصومال مركز شرق أفريقيا لخدمات إنقاذ الأفراد وإجلاء المصابين التي يُقدِّمها المتعهدون، فضلًا عن كونها المركز الرئيسي لعمليات الإنقاذ والإجلاء التي يُقدِّمُها الجيش الأمريكي شخصيًا. ولا تشمل تلك المواقع التي كشفتها خريطة «أفريكوم» لأول مرة قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي كشفت عنها مجلة «ذا نيشن» عام 2014.

ولا يرد ذكر مرافق الجيش الأمريكي في الصومال على خريطة «أفريكوم» لعام 2018 باعتبارها مواقع طوارئ. وفي السابق، كان يُشار إلى مدينة كيسمايو باعتبارها موقعًا رئيسيًا، في حين توضح خطة الوضع الاستراتيجي لقيادة «أفريكوم» لعام 2015 -التي رُفِعَت عنها السرية- مواقع الطوارئ المحتملة في بيدوا وبوصاصو والعاصمة مقديشو، بالإضافة إلى مدينة بربرة الواقعة في منطقة الحكم الذاتي صوماليلاند. وإذا كانت المواقع المُدرجة على خريطة تييل دقيقةً بالفعل، فإنَّ أحد المواقع العسكرية يوجد في منطقة صوماليلاند المذكورة سالفًا. وأشار تقرير موقع «فايس نيوز»، الذي صدر في وقتٍ مبكِّرٍ من العام الجاري، إلى وجود ستة مرافقَ أمريكية جديدة تحت الإنشاء في الصومال، فضلًا عن توسيع قاعدة باليدوجل الجوية، التي نُشِرَت نسخةٌ من عقدٍ لـ«إصلاح مدرج الطوارئ» بها مؤخرًا.

ويشير موقع «ذي إنترسبت» إلى الوثائق شديدة السرية التي حصل عليها عام 2015، والتي ذكرت مشاركة مجموعةٍ من نخبة الجنود التابعين لوحدةٍ تُعرف باسم تاسك فورس 48-4 في هجمات طائراتٍ بدون طيار بالصومال في وقتٍ مُبكِّرٍ من العقْدِ الجاري. واستمرت تلك الضربات الجوية على مدار السنوات الماضية. إذ نفَّذت الولايات المتحدة 36 ضربةً جويةً في الصومال هذا العام، مُقارنةً بثلاثةٍ وأربعين ضربةً عام 2017، و15 ضربةً عام 2016، وفقًا لما أوردته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.

ماذا لو قامت الحرب مع روسيا؟ تعرف على أبرز القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا

وتَضُمُّ كينيا جارة الصومال أربعة قواعدَ أمريكية. ويشمل ذلك مواقع أمنٍ تعاونيٍ في مومباسا، بالإضافة إلى خليج ماندا الذي ورد ذكره في دراسةٍ أجراها البنتاجون عام 2013 عن العمليات السرية للطائرات بدون طيار في الصومال واليمن، إذ أشارت الدراسة إلى تمركز طائرتين من الطائرات ثابتة الجناحين بخليج ماندا في ذلك الوقت. وتذكر خطة «أفريكوم» لعام 2015 عدة مواقع طوارئ في مقاطعة لايكيبيا، التي تَضُمُّ قاعدة القوات الجوية الكينية، فضلًا عن قاعدةٍ جويةٍ كينيةٍ أخرى في مقاطعة واجير، والتي تم تطويرها وتوسيعها على يد البحرية الأمريكية في وقتٍ مُبكِّرٍ من العقْدِ الجاري.

ليبيا وتونس وجيبوتي

وفقًا لتقرير موقع «ذي إنترسبت»، تُظهِر خريطة تييل مجموعةً تتكون من ثلاثة مواقع طوارئ بالقرب من الساحل الليبي، لم يُذكر اسمها ولم تُشر إليها أية تقاريرَ سابقة. ومنذ عام 2011، نفَّذت الولايات المتحدة قرابة 550 ضربةً جويةً باستخدام الطائرات بدون طيار، استهدفت مُسلَّحي تنظيم القاعدة وداعش داخل دولة ليبيا المُضطربة. وعلى مدار فترة أربعة أشهرٍ من عام 2016 على سبيل المثال، نُفِّذت قرابة 300 عملية من تلك الضربات حسبما أفاد المسؤولون الأمريكيون. ويُساوي ذلك الرقم سبعة أضعاف عدد الضربات الجوية التي نفذتها طائرات بدون طيار والتي أكَّدت الولايات المتحدة تنفيذها في دول الصومال واليمن وباكستان خلال عام 2016، والتي وصل عددها إلى 42 ضربةً جويةً وفقًا للبيانات التي جمعها مكتب الصحافة الاستقصائية، المؤسسة الإخبارية غير الربحية في لندن. تواصلت الضربات الجوية في ليبيا في ظل حكومة ترامب، ووقعت آخر تلك الضربات التي اعترفت بها الولايات المتحدة قُربَ العوينات في 29 نوفمبر (تشرين الثاني). ولم تذكر خطة «أفريكوم» لعام 2015 سوى موقعٍ في الويغ، وهو عبارة عن قاعدةٍ جويةٍ في الصحراء الكُبرى قُرب حدود البلاد مع النيجر وتشاد والجزائر، ويقع في أقصى الجنوب بعيدًا عن مواقع الطوارئ الثلاثة الحالية.

تُظهِرُ خريطة «أفريكوم» أيضًا وفقًا للموقع وجود موقع طوارئ في دولة تونس المجاورة، يقع على الأغلب داخل قاعدة سيدي أحمد الجوية، التي تُعَدُّ موقعًا إقليميًا أمريكيًا رئيسيًا للطائرات بدون طيار ساهم بدورٍ مهم في الضربات الجوية التي نُفِّذَت في ليبيا خلال السنوات الأخيرة. وقال والدوسر قائد «أفريكوم»، في تصريحٍ العام الماضي: «لا يخفى على أحدٍ أنَّ عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع التي تُنفِّذها الطائرات بدون طيار تنطلق من تونس منذ فترةٍ ليست بالقصيرة. طائراتنا تُقلِعُ من هناك، وهذا ليس سرًا، لكنَّنا نحترم رغبات التونسيين فيما يتعلق بدعمهم وحقيقة حفاظنا على سرية عملياتنا…».

Embed from Getty Images

تونس تستلم معداتٍ عسكرية من الولايات المتحدة للمساعدة في حماية حدودها، 12 مايو 2016.

أما جيبوتي، يشير موقع «ذي إنترسبت» إلى أنَّها تُعَدُّ موطنًا لجوهرة تاج القواعد الأمريكية في القارة، وهو مُعسكر ليمونيه، موقع الفيلق الأجنبي الفرنسي سابقًا والموقع الوحيد لدعم العمليات داخل القارة. وباعتباره مركزًا قديمًا لعمليات مكافحة الإرهاب في اليمن والصومال وموطنًا لقوة العمل المشتركة الموحدة في القرن الأفريقي، يستضيف مُعسكر ليمونيه قرابة 4 آلاف عسكريٍ من الولايات المتحدة والحلفاء. ويُعَدُّ أيضًا «المنصة الرئيسية» للقوات الأمريكية المعنية باالاستجابة للأزمات في أفريقيا، وفقًا لتييل. ومنذ عام 2002، توسَّعت القاعدة من 88 فدَّانًا لتصل إلى قرابة 600 فدان، وأُنشئ داخلها موقعٌ لخدمات تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وهو عبارة عن موقع أمنٍ تعاوني على بعد 10 كيلومتراتٍ إلى الجنوب الغربي نُقِلَت إليه عمليات الطائرات بدون طيار داخل البلاد في عام 2013. وتُواصِل قاعدة شابلي الجوية عملها كقاعدةٍ متكاملةٍ للعمليات في الصومال واليمن، فضلًا عن حرب الطائرات بدون طيار ضد داعش في العراق وسوريا. وأوضح الرئيس دونالد ترامب في يونيو (حزيران): «سيظل أفراد الجيش الأمريكي منتشرين في جيبوتي، لأغراضٍ تشمل التمركز من أجل مكافحة الإرهاب ومكافحة القرصنة في مُحيط القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، وتوفير الدعم في حالات الطوارئ لتعزيز أمن السفارات في شرق أفريقيا».

Embed from Getty Images

إحدى عمليات مكافحة القرصنة والتهريب قرب سواحل الصومال.

الكاميرون ومالي وتشاد

وفقًا لموقع «ذي إنترسبت»، تضم خطة «أفريكوم» موقعي طوارئ في الكاميرون. يقع أحدهما في شمال البلاد، ويُعرف باسم موقع طوارئ جاروا، ويُستخدم لإطلاق مهمات الطائرات بدون طيار، فضلًا عن كونه قاعدةً لوحدة تاسك فورس داربي التابعة للجيش، والتي تدعم القوات الكاميرونية في حربها ضد جماعة بوكو حرام المسلحة. وتستضيف الكاميرون موقعًا قديمًا في دوالا، فضلًا عن مرافقَ أمريكيةٍ في مدينة مروة، وقاعدةٍ قريبةٍ تُدعى سالاك يستخدمها العسكريون الأمريكيون والمتعهدون لمهمات التدريب والمراقبة بالطائرات بدون طيار. وفي عام 2017، كشفت منظمة العفو الدولية بالتعاون مع وكالة الأبحاث اللندنية «فورينزيك أركيتيكشر» وموقع «ذي إنترسبت» عن حوادث الاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل التي ارتكبها الجنود الكاميرونيون في سالاك.

وفي مالي المجاورة، يُوجد موقعا طوارئ. وتُدرِج خطة «أفريكوم» لعام 2015 مواقع الطوارئ المقترحة في جاو والعاصمة المالية باماكو. وتُشير خطة عام 2018 إلى وجود موقع أمنٍ تعاونيٍ في العاصمة التشادية انجمينا، وهو الموقع الذي بدأت منه الولايات المتحدة إطلاق الطائرات بدون طيار في وقتٍ مبكِّرٍ من العقد الحالي، وهي أيضًا المقر الرئيسي لواحدٍ من مراكز قيادة العمليات الخاصة المسؤولة عن التنسيق بين فرق العمليات الخاصة وبين الأفرع الأخرى للجيش الأمريكي على مستوى الكتائب. ويقع أحد مواقع الطوارئ المجهولة داخل تشاد في فايا لارجو، وقد ورد ذكره في خطة «أفريكوم» لعام 2015.

أمَّا في الجابون، يوضح «ذي إنترسبت» وجود موقعٍ للأمن التعاوني في ليبرفيل. وخلال العام الماضي، أجرى الجنود الأمريكيون تدريبًا لاختبار قدرتهم على تحويل موقع الأمن التعاوني في ليبرفيل إلى موقعٍ لقيادة العمليات العسكرية يُسهِّل تدفق أعدادٍ كبيرةٍ من القوات. وهناك موقع أمنٍ تعاونيٍ آخر في أكرا عاصمة غانا، فضلًا عن موقعٍ آخر داخل مجمعٍ صغيرٍ يقع في قاعدة كابتن أندالا سيسيه الجوية في العاصمة السنغالية داكار. وقال والدوسر قائد «أفريكوم»، خلال زيارته للعاصمة السنغالية في وقتٍ مُبكِّرٍ من العام الجاري: «هذا الموقع مهمٌ للغاية بالنسبة لنا، لأنَّه يُساعد في تقليل الوقت والمسافة داخل قارةٍ بحجم أفريقيا».

ولا توجد سوى قاعدةٌ واحدةٍ في أقصى جنوب القارة، وهي عبارة عن موقعٍ للأمن التعاوني يُديره الجيش في العاصمة البوتسوانية جابورون. وإلى شمال تلك القاعدة، يوجد موقعٌ للأمن التعاوني في مدينة عنتيبي بأوغندا، وهو موقعٌ كان منذ فترةٍ طويلةٍ بمثابة قاعدةٍ جويةٍ مهمةٍ للقوات الأمريكية في أفريقيا، إذ يُستخدم كمركزٍ لطائرات المراقبة. وأثبت ذلك الموقع حيويته في عملية أوكين ستيل، وهي عملية انتشارٍ سريعٍ للجنود بغرض إنقاذ العاملين الأمريكيين إثر اندلاع المعارك قُرب السفارة الأمريكية في جوبا بجنوب السودان في يوليو (تموز) عام 2016.

«لقد زدنا قوتنا النارية»

وفقًا لتقرير «ذي إنترسبت»، تحدَّث والدوسر في مايو (أيار) عن تحصين الوجود الأمريكي في القارة، ردًا على أسئلةٍ تلقاها عن التدابير التي اتُّخِذَت في أعقاب كمين النيجر الذي وقع في أكتوبر 2017. وقال: «لقد زدنا قوتنا النارية، وهو الأمر الذي لن أخوض في تفاصيله هنا، وزدنا من قدرات الاستطلاع والمراقبة الاستخباراتية، فضلًا عن تحسين زمن الاستجابة لمواقف مختلفة. لذا فقد عزَّزنا العديد من الأشياء من ناحية الوضع الاستراتيجي في ما يخص تلك القوات». وتشمل تلك القوة النارية الطائرات بدون طيار. وتابع: «نحن نُسلِّح قواتنا في النيجر، وسنستخدم ذلك التسليح وفقًا لما تقتضيه الحاجة»، مشيرًا إلى وجود طائراتٍ مسلحة دون طيار متمركزة هناك في الوقت الحالي.

ورفضت «أفريكوم» الاستجابة للطلبات العديدة التي قدمها موقع «ذي إنترسبت» لإجراء مقابلةٍ مع والدوسر.

وبعد أشهر من التقارير التي تُفيد بأنَّ وزارة الدفاع تدرس سحب أعدادٍ كبيرة من قوات العمليات الخاصة في أفريقيا، فضلًا عن إغلاق المواقع العسكرية في تونس والكاميرون وليبيا وكينيا؛ يقول البنتاجون الآن إنَّه سيسحب تدريجيًا أقل من 10% من القوات البالغ عددها 7200 عسكري تابعين لقيادة «أفريكوم» على مدار السنوات المقبلة دون إغلاق أي قواعد. وفي الواقع، تمُرُّ حاليًا أعمال إنشاء القواعد الأمريكية في أفريقيا بمرحلة ازدهارٍ كبيرة. وصرَّح أوبورن ديفيس، المتحدِّث باسم القوات الجوية الأمريكية في أفريقيا، لموقع «ذي إنترسبت» بأنَّ القوات الجوية أنهت مؤخرًا 21 مشروعًا إنشائيًا في كينيا وتونس والنيجر وجيبوتي، وتعمل حاليًا على إنهاء سبعة مشاريعَ أخرى في النيجر وجيبوتي.

واختتم الموقع تقريره بتصريحٍ لمور قال فيه: «يُشير انتشار القواعد في الساحل الأفريقي وليبيا والقرن الأفريقي إلى أنَّ عمليات «أفريكوم» لمكافحة الإرهاب ستستمر إلى أجلٍ غير مسمى في تلك المناطق من القارة». وبعد ساعاتٍ من تلك التعليقات التي أدلى بها مور، أعلن البنتاجون ترشيح ست شركاتٍ للفوز بعقدٍ يمتد لخمس سنواتٍ وتبلغ قيمته 240 مليون دولار من أجل خدمات تصميم وإنشاء المرافق البحرية في أفريقيا، وتبدأ أعمال العقد بتوسعة مدرج الطيران في مُعسكر ليمونيه بجيبوتي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد