قالت جين عراف وإيريك شميدت في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» إن رئيس الوزراء العراقي وصل إلى واشنطن، مساء أمس الإثنين، لمطالبة الرئيس بايدن بسحب جميع القوات القتالية الأمريكية من العراق، معلنًا لوسائل الإعلام العراقية أن الزيارة «ستضع حدًّا لوجود القوات المقاتلة».

وبالفعل لبَّت الولايات المتحدة طلب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتحديد موعدٍ نهائيٍّ لانسحاب القوات القتالية الأمريكية بحلول نهاية العام.

ويؤكد البنتاجون ومسؤولون آخرون في الإدارة أنهم سيحققون ذلك من خلال سحب عدد صغير قوامه 2500 جندي أمريكي يتمركزون حاليًا في العراق، وإعادة تصنيف أدوار القوات الأخرى على الورق. سيحصل الكاظمي على جائزة سياسية ليأخذها إلى الوطن لإرضاء الفصائل المعادية للولايات المتحدة في العراق وسيبقى الوجود العسكري الأمريكي كما هو.

منطقة الشرق

منذ شهرين
الفصائل المسلحة تُحكم الخناق على أمريكا.. ما الذي يحدث في العراق؟

قال مسؤول أمريكي كبير مطلع على المناقشات الجارية: «لن تقوم قوات عسكرية أمريكية بأي دور قتالي بحلول نهاية العام. نتوقع إجراء بعض التعديلات بما يتماشى مع هذا الالتزام». ويشير الكاتبان إلى أن هذا يعد أحدث جهد يقوم به الكاظمي للموازنة بين احتياجات ومطالب أقرب حليفين للعراق، الولايات المتحدة وإيران. تطالب الفصائل الموالية لإيران برحيل الولايات المتحدة، بينما يقر المسؤولون العراقيون بأنهم ما زالوا بحاجة إلى مساعدة القوات الأمريكية.

تعاني إدارة بايدن بدورها بشأن كيفية العمل في بلد سقط بشكلٍ متزايدٍ منذ الغزو الأمريكي قبل 18 عامًا في قبضة الميليشيات المدعومة من إيران والنظام السياسي الفاسد الذي أوصل مؤسسات الحكومة العراقية إلى حافة الانهيار.

تفضل حكومة الكاظمي، إلى جانب العديد من كبار المسؤولين العسكريين العراقيين، بقاء حوالي 2500 جندي أمريكي في العراق في شكلهم الحالي. لكن اغتيال اللواء قاسم سليماني، القائد الأعلى للأمن والاستخبارات في إيران، إلى جانب مسؤول أمني عراقي كبير وثمانية آخرين في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار في عام 2020، جعل الوجود الحالي للولايات المتحدة مستحيلًا وغير مرغوب فيه سياسيًّا في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد الضربة الأمريكية بطائرة بدون طيار، طالب البرلمان العراقي الحكومة بطرد القوات الأمريكية؛ وهو اقتراح غير ملزم، ولكنه أرسل رسالةً قوية إلى أي سياسي يريد البقاء في السلطة، بما في ذلك رئيس الوزراء.

جائحة كورونا والطائفية من أبرز أزمات العراق

يضيف التقرير أنه في مواجهة جائحة الفيروس التاجي وأزمة الميزانية والميليشيات القوية المدعومة من إيران الخارجة عن سيطرة الكاظمي إلى حدٍّ كبير؛ لم ينجز رئيس الوزراء سوى القليل منذ توليه منصبه قبل عامين. ويقول مستشاروه إنه إذا مُنح المزيد من الوقت فقط، فسيكون بإمكانه كبح جماح الميليشيات، والقضاء على الفساد، واعتقال المزيد من القتلة لمئات المتظاهرين والناشطين العُزَّل.

Embed from Getty Images

جرى تشكيل معظم الوحدات شبه العسكرية في العراق في عام 2014 استجابةً لدعوة وجهها رجل الدين الشيعي الأكثر احترامًا لدى العراقيين لقتال تنظيم داعش. وقد جرى دمج هذه الميليشيات لاحقًا في قوات الأمن العراقية الرسمية، لكن أقواها مرتبط بإيران ويخضع اسميًّا فقط لسيطرة الدولة العراقية.

ألقت الولايات المتحدة مرارًا باللوم على الميليشيات المدعومة من إيران في الهجمات المستمرة على أهداف أمريكية في العراق. تعتقد واشنطن والعديد من المسؤولين العراقيين أن الميليشيات مسؤولة أيضًا عن معظم عمليات اغتيال الناشطين، وعن مجموعة واسعة من مخططات كسب المال غير القانونية.

يأتي إعلان يوم الإثنين مع اقتراب وزارة الدفاع الأمريكية من إنهاء انسحابها للقوات الأمريكية من أفغانستان، منهيةً وجودًا استمر 20 عامًا هناك، حتى في الوقت الذي تستولي فيه طالبان على عشرات المناطق في جميع أنحاء البلاد.

بعد أن سحب الرئيس باراك أوباما القوات الأمريكية من العراق في عام 2011 – يكشف الكاتبان – ظل بعضها تحت سلطة السفارة الأمريكية في بغداد. بعد ثلاث سنوات، مع سيطرة مقاتلي داعش على أراضٍ في معظم أنحاء العراق وسوريا، طلبت الحكومة العراقية دعمًا عسكريًّا أمريكيًّا للمساعدة في محاربة الجماعة الإرهابية.

منذ طرد داعش من آخر معاقله العراقية في عام 2017، أكد المسؤولون الأمريكيون باستمرار أنه نظرًا لعدم وجود عمليات قتالية مصرحٍ بها حاليًا في العراق، لا توجد قوات قتالية في البلاد. لكنهم يعترفون بوجود عدد صغير من قوات العمليات الخاصة الأمريكية الذين يعملون مستشارين ومدربين يرافقون أحيانًا قوات مكافحة الإرهاب العراقية في مهام قتالية ضد التنظيم.

إعادة تسمية القوات لن يرضي الميليشيات

وفي واشنطن، قال مسؤولون في البنتاجون إنهم يتوقعون بقاء مستويات القوات في العراق عند مستواها الحالي البالغ نحو 2500، وإعادة تحديد دور بعض القوات الأمريكية. لكن في الوقت الذي يحصل فيه الكاظمي على مكسب سياسي مؤقت، فإن إعادة تصنيف القوات الأمريكية بدلًا من الانسحاب لن يرضي على الأرجح الميليشيات والأحزاب السياسية التي تدعو إلى انسحاب جميع القوات، كما يقول المسؤولون العراقيون.

قال محمد الربيعي، المتحدث السياسي باسم عصائب أهل الحق، إحدى أكبر الميليشيات المدعومة من إيران، وتشغل 16 مقعدًا في مجلس النواب العراقي: إن «تغيير المسمى من قوات قتالية إلى مدربين ومستشارين – يعد محاولةً للتضليل».

تؤكد هذه الميليشيات والعديد من السياسيين العراقيين المرتبطين بها أن الهدف الحقيقي للقوات الأمريكية في العراق هو مواجهة إيران، وليس تهديدات داعش. نفذت إيران هذا العام هجماتٍ متطورةً على نحوٍ متزايد، بما في ذلك ضربات الطائرات بدون طيار، على أهداف أمريكية في العراق، وشنت الولايات المتحدة ضربات انتقامية محددة.

Embed from Getty Images

قال ثاناسيس كامبانيس، الزميل البارز في مؤسسة سنشوري، وهي مؤسسة أبحاث أمريكية، خلال زيارة للعراق: «علينا أن نفكر في كيفية الحفاظ على وجود مفيد دون تكبد تكلفة سياسية باهظة. مصالح الجانبين لا تتماشى حقًا؛ لأن الولايات المتحدة لن ترى أنه من مصلحتها الاستمرار في تعرضها لهجمات بواسطة الميليشيات التي لا تستطيع الحكومة العراقية السيطرة عليها».

وأضاف التقرير أنه بينما تنفي إيران مسؤوليتها عن الهجمات؛ أوضح قادتها أيضًا أنهم يعتزمون الانتقام من الولايات المتحدة لقتلها الجنرال سليماني وأبو مهدي المهندس، نائب القائد العراقي المشرف على الميليشيات. فيما ركزت الولايات المتحدة خلال العام الماضي بشكلٍ متزايد على حماية القوات، وانسحبت من القواعد المعرضة للخطر في العراق لتعزيز وجودها في ثلاث منشآت عسكرية عراقية. وبينما لم يعد تنظيم داعش قادرًا على الاستيلاء على الأراضي، فإنه يواصل شن هجمات مزعزعة للاستقرار مثل التفجيرات في الأسواق، مما يبرز نقاط الضعف في قوات الأمن العراقية.

قال مارك كيميت، العميد المتقاعد بالجيش الأمريكي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية، والذي يقدم الآن استشارات للشركات الأمريكية التي تعمل في العراق: «داخل العراق، هُزم تنظيم داعش بوصفه تهديدًا عسكريًّا كبيرًا، لكن أيديولوجيته المتطرفة لا تزال قائمةً. لكن محاربة التطرف ليست جزءًا من مهمة الولايات المتحدة»

وأضاف التقرير أن الاحتلال الأمريكي تسبب في فوضى للعراق، فلم يقف عند حد إسقاط ديكتاتوره الحاكم في عام 2003 فحسب؛ بل حلَّ الجيش وفرَّغ مؤسساته الحكومية وساعد العراقيين العائدين من المنفى على إنشاء نظام سياسي على أسس طائفية وعِرقية.

الطائفية منبع الأزمات

ظل هذا النظام منذ إنشائه يمنح الوزارات الحكومية للأحزاب السياسية التي تستولي على الأموال المخصصة للخدمات العامة؛ مما ساهم في انهيار النظام الصحي، وانقطاع التيار الكهربائي المستمر، وملايين العراقيين العاطلين عن العمل، وحكومة لا تستطيع دفع فواتيرها.

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: إلى متى سيظل العراق عالقًا في الصراع الأمريكي-الإيراني؟

وتظل البنية التحتية مثل الكهرباء تعمل بالكاد بعد أكثر من عقد من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة قبل الحرب متهالكة؛ كما يقول الكاتبان. وأدت المعارك ضد القاعدة والحرب الأهلية في العراق والقتال ضد داعش إلى تدمير البنية التحتية بشكلٍ أكبر.

ومع هبوط أسعار النفط العام الماضي، وجد العراق نفسه يواجه مشكلةً في تلبية الرواتب الحكومية الضخمة، التي تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2004؛ إذ تخلق الأحزاب السياسية المسؤولة عن الوزارات وظائف للموالين. قال لؤي الخطيب، وزير الكهرباء السابق التكنوقراط: «نحن نتحدث الآن عن إصلاح الأضرار التي سببها النظام السابق والقاعدة وداعش والأضرار التي سببتها الطبقة السياسية الحاكمة. إذا استمرت هذه الفوضى فإنها ستؤدي إلى تدمير البلاد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد