نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي تحليلًا للكاتب رايان بول، مُحلل شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سلَّط فيه الضوء على الخطوة التي تفكر دولة الإمارات العربية المتحدة في اتخاذها لتغيير بعض قوانين الحصول على الجنسية الإماراتية وحق المواطنة، مشيرًا إلى مدى تأثير هذا القرار في التركيبة السكانية للبلاد، وما سيعقبه من تداعيات على صناعة القرار السياسي والعلاقات الإقليمية في المنطقة.

استهل الكتب تقريره بالقول إن دولة الإمارات تدرس خطوة منح الجنسية الإماراتية للمقيمين والوافدين ذوي الأعداد الهائلة في البلاد، وهي خطوة ستكون بمثابة تحوُّل كبير في الاقتصاد السياسي للدولة، بالإضافة إلى أنها ستغير العلاقات الإقليمية للدولة الخليجية؛ وذلك لأن هذه الخطوة ستؤدي إلى استيعاب المقيمين من غير مواطني الخليج العربي داخل الطبقتين الوسطى والعليا في الإمارات. وبمرور الوقت، ستؤدي هذه الفئة الجديدة من المواطنين الإماراتيين المولودين في الخارج على الأرجح إلى تآكل الديناميكيات العِرْقية والقبَلية، التي شكَّلت لمدة طويلة ملامح طريقة الحكم في مدينتي أبوظبي ودبي، بالإضافة إلى تآكل الأسس الثقافية التي تُحفز عديدًا من جوانب التعاون في الخليج العربي.

حقوق إنسان

منذ شهر
مترجم: فقدوا وظائفهم وتخلت عنهم مؤسساتهم.. كيف يعيش العمال الوافدون في دبي؟

الإمارات واختلال التوازن الديموجرافي

ولفت الكاتب إلى أن حكومة الإمارات في 30 سبتمبر (أيلول) كشفت عن عدد من التغييرات المقترحة على قانون الجنسية في الدولة، والتي قد تُمهد الطريق أمام المستثمرين والمقيمين في البلاد لمدة طويلة، بالإضافة إلى الأثرياء الأجانب، للحصول على مكان دائم في الإمارات. وفي ظل تفوق الأعداد الكبيرة للمقيمين الأجانب في الإمارات على أعداد السكان المحليين، وُضِعَت القوانين الحالية للحصول على الجنسية الإماراتية الحالية لتعويض خلل التوازن الديموجرافي طويل الأمد في البلاد، مع ضمان نفوذ الأقلية الإماراتية ومكانتها البارزة، من خلال وضع تدابير استثنائية لضمان الحماية القانونية والسياسية لها. ونتيجةً لذلك، سيفتح تغيير تلك القوانين الباب لظهور نخبة من غير الإماراتيين يمكنها منافسة طبقات العشائر البدوية، والتجار أصحاب النفوذ الأقوى في البلاد.

وأشار الكاتب إلى أنه في عام 2018، شكَّل مواطنو الإمارات الأصليين قُرابة 11% فقط من سكان الدولة، مع ظهور عدم التوازن لصالح الأجانب بصورة قوية في مراكز القوى الاقتصادية في مدينتي أبوظبي ودبي. وبحسب تقديرات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، فإن الغالبية العظمى من الوافدين المغتربين في البلاد (59.4%) هم من الهند وباكستان وبنجلاديش، ويُمثل كلٌ من الوافدين المصريين والفلبينيين نسبة (10.2%) و(6.1%) على الترتيب، وهي نسبة جديرة بالملاحظة كذلك.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الحاضر، تمنح دولة الإمارات حق المواطنة التلقائي لمن وُلِد وأحد أبويه، على الأقل، من المواطنين الإماراتيين، أو عن طريق بعض الإعفاءات الخاصة للمقيمين العرب في البلاد منذ مدة طويلة، فضلًا عن المراسيم الرئاسية الاستثنائية.

تكوين ثقافي جديد

ويُرجِّح الكاتب أن التغييرات المزمع إجراؤها على قانون الجنسية في الإمارات ستُشكِّل التكوين الثقافي للطبقات الاقتصادية العليا في البلاد في وقت لاحق، وهو ما سيُسفر عن تقليص الهيمنة التي يتمتع بها المواطنون الإماراتيون من ذوي الأصول اليمنية والبدوية والإيرانية. وقد سيطرت العائلات القوية والقبائل وجماعات النخبة لمدة طويلة على السياسة الداخلية والخارجية في الإمارات، سواء بصفتهم أفرادًا من العائلات المالكة أو بصفتهم موالين أساسيين لها. وقد مُنحِت هذه الفئات الجنسية الإماراتية في عام 1971، ولكن الوافدين إلى الإمارات بعد ذلك ظلوا ضمن فئات المقيمين غير الدائمين. وفي الوقت الراهن، لا يتمتع بنظام خدمات الرعاية الاجتماعية السخي في الإمارات سوى المواطنين الإماراتيين وأصحاب المناصب الحكومية المرموقة. وحتى وقت قريب، لم يُسمح بإدارة الأعمال التجارية على نحو مستقل خارج مناطق التجارة الحرة القليلة في البلاد إلا للمواطنين الإماراتيين وحدهم.

ونوَّه الكاتب إلى أن العمَّال من الطبقة المتوسطة والعليا القادمين من العالم العربي، اضطروا لذلك عادةً بسبب الفساد وعدم الاستقرار في بلادهم الأصلية، والذين استقروا في الإمارات، وتنامت أعدادهم على أرضها، قد مَدُّوا جذورًا عميقة لهم في البلاد. وهذه المجموعات العربية سترحب بفرص الحصول على الجنسية وحق المواطنة، والحال نفسه ينطبق على المقيمين من الهند وباكستان وبنجلاديش في الإمارات منذ مدة طويلة.

الإمارات القومية الحديثة 

وأوضح الكاتب أن السعي الحثيث وراء تأسيس دولة قومية حديثة كان دافعًا لكلٍ من أبوظبي ودبي إلى توظيف فئة مهنية من المغتربين لتأهيل القوى العاملة من ذوي الياقات البيضاء (الموظفين الإداريين). وصحيحٌ أن هؤلاء المقيمين يجْنُون ثروة من خلال الإقامة المؤقتة، لكن الأحكام المحددة الخاصة بسن التقاعد واقتصار الإقامة الدائمة على فئة المستثمرين في الإمارات، تُجبرهم غالبًا على مغادرة البلاد في نهاية المطاف. وأعلنت حكومة دبي، في 3 أكتوبر (تشرين الأول)، إطلاق برنامج يُخفف من القيود المفروضة على التقاعد طويل الأمد للمهنيين المغتربين والمستثمرين الأثرياء، الذين تتراوح أعمارهم بين 55 عامًا فأكثر، على الرغم من أن البرنامج لا يُغيِّر من وضع جنسيتهم.

Embed from Getty Images

وذكر الكاتب أن مَنْح الوافدين حق الوصول إلى المراكز السياسية التي كانت مقتصرة على الإماراتيين الأصليين سيُؤدي إلى الحد من تأثير المجتمعات القبَلية والإيرانية في سياسة الحكومة، لا سيما في مدينتي أبوظبي ودبي. ويعتمد اقتصاد الإمارات السياسي في الوقت الراهن على أثرياء العشائر من البدو، وقيادات القبائل من التجار، والذين يتوارثون سلطتهم جيلًا بعد جيل. ومنذ مدة طويلة، تتمتع قيادات هذه الفئات من المجتمعات بحرية الاعتراض على سياسات الحكومة التي تضعها العائلات السبعة المالكة في الإمارات وانتقادها، شريطة أن يحدث ذلك تحت ستار التقاليد القبَلية، وأن يظل بعيدًا عن وسائل الإعلام العامة. ومع ذلك، سيؤدي إضافة مواطنين جدد من خارج هذا النظام القبلي إلى تمكين العائلات المالكة في البلاد –خاصة عائلتي آل نهيان في أبوظبي وآل مكتوم في دبي – من اتِّباع سياسات لا تواجهها سوى قليل من المعارضة المحلية، عن طريق توفير قواعد جديدة من الدعم لآل نهيان وآل مكتوم لمواجهة هذه التأثيرات القبلية والإيرانية.

الرابح الأكبر

وأردف الكاتب أن توطين الإيرانيين في دبي خلال القرن العشرين ساعد في الحفاظ على الأواصر الاقتصادية والاجتماعية بين الإمارات وإيران، على الرغم من أن العلاقة الاستراتيجية الشاملة بين الإمارات وطهران عادةً ما تتسم بالعدائية. ومع ذلك، لم تتمتع أبوظبي بالنوع نفسه من توطين مواطنين إماراتيين في إيران، وهو ما أسهم في تشكيل موقف المدينة الأكثر تشددًا تجاه طهران. لذا، فإن التغييرات الجديدة على قانون الجنسية الإماراتية سيمنح عائلة آل نهيان في أبوظبي مساحة أكبر لوضع سياسات خارجية تتسم بالقومية والعدائية لإيران.

ويرى الكاتب أن الفئة الجديدة المحتملة من المواطنين الإماراتيين المولودين خارج البلاد، ربما يكون بمقدورهم تغيير التكوين الثقافي للنخبة الاقتصادية والسياسية في الإمارات إلى حد كبير.

وسيدعم مواطنو الخليج من غير العرب السياسات الممتازة التي وُضِعَت لتخفيف أعباء الميزانية في دولة الرفاهية، بالإضافة إلى دعمهم للسياسات الخارجية الأكثر قومية. ومثَّلت معارضة القبائل والعائلات الإماراتية التي تتمتع بخدمات الرعاية الاجتماعية عائقًا أمام الإصلاحات الاقتصادية التي ستؤدي إلى إعادة هيكلة دولة الإمارات الريعية (مصطلح في العلوم السياسية والعلاقات الدولية يشير إلى الدولة التي تستمد كل أو جزءًا كبيرًا من إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين) الحالية.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، فإن إضافة مواطنين غير أصليين سيساعد في التغلب على هذه العوائق، عن طريق الحد من سيطرتهم على المناصب السياسية والقطاعات الرئيسة للاقتصاد المعتمد على موارد الدولة. إن هؤلاء المواطنين الجدد لا يشاطرون الإماراتيين الأصليين تاريخ رفاهية الدولة، وهو ما يجعلهم أقل اعتمادًا عليها، وربما يدعمون جهود الحكومة للتغيير إلى حد كبير، ومن بينها الإصلاحات قيد التنفيذ حاليًا، والتي وُضِعَت لتأمين مستقبل الطلب على النفط، بعد ذروة الإنتاج في الإمارات.

إن شبكة الأمان السخية للإمارات وفرت لمدة طويلة عدة مزايا للمواطنين الإماراتيين، بصرف النظر عما يمتلكونه من مهارات أو مستويات وظيفية، وهو الذي أدَّى إلى قلة سعيهم لاكتساب مهارات العمل اللازمة لدخول القطاع الخاص. على الجانب الآخر، يُعيَّن العمال المقيمون، الذين ربما يُصبحون مواطنين، ويُوظَّفون بسبب ما يمتلكونه من مهارات لازمة للعمل، لكن من النادر أن يحصلوا على مزايا خدمات الرعاية الاجتماعية.

نزعة قومية متشددة

وبالنظر إلى وضعهم بصفتهم أول جيل من الإماراتيين المُجنَّسين، من المحتمل أن يكون المواطنون المغتربون مخلصين على نحو خاص للنزعة الجديدة الناشئة من القومية التصادمية، وهو ما سيؤدي إلى تقويض العلاقات الاجتماعية والثقافية للإمارات مع حلفائها الرئيسيين في الخليج العربي. وتتمحور المرحلة القومية الجديدة للإمارات على تكوين هوية إماراتية واحدة تضم الخطوط القبلية. ومع ذلك، يمتد عديد من هذه الخطوط القبلية عبر الخليج العربي الأكبر.

إن عديدًا من القبائل الرئيسة في الإمارات لديها فروع في دول أخرى مثل قطر، والبحرين، والكويت، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان. وأسهمت هذه العلاقات التجارية والسياسية والروابط الأسرية التي تعود إلى قرون مضت في ترسيخ الهوية الإقليمية المشتركة، والتي كرَّست لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، كما كانت هذه الروابط سببًا في رؤية دول الخليج العربي فريقًا واحدًا في أوقات الأزمات ضد المعتدين الخارجيين.

واختتم الكاتب تقريره بالقول: إن ظهور نزعة قومية أكثر تشددًا بين قادة الإمارات في السنوات الأخيرة أدَّى إلى إضعاف علاقات الإمارات مع دول مجاورة لا تتوافق سياساتها الخارجية مع أهداف الإمارات الاستراتيجية الإقليمية في عدة مواقع، مثل إيران وليبيا واليمن. وبدوره أسهم هذا الأمر في اندلاع النزاعات بين أبوظبي وأصدقائها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ويشمل ذلك الحصار المستمر المفروض على قطر، وحملات الضغط على سلطنة عمان.

منطقة الشرق

منذ 3 أسابيع
«فورين بوليسي»: لماذا ينبغي على أمريكا ألا تبيع طائرات إف-35 إلى الإمارات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد