على الرغم من لعبها دورًا هادئًا في المفاوضات، فإن نفوذ أبوظبي في جنوب آسيا يبدو أنه آخذ في الازدياد.

كتبت صدف شودوري، صحافية تحقيقات ومصوِّرة ومنتِجة تركز على الصراع، والتطرف، والشؤون السياسية، والقضايا الإنسانية، تقريرًا نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري عن مساعي دولة الإمارات العربية المتحدة لدفع الهند وباكستان إلى إجراء محادثات لتحريك القضايا العالقة بينهما، خاصة قضية كشمير، ومدى نفوذ الإمارات وتأثيرها في الطرفين، فيما يُعد إبرازًا لقوتها وتنفُّذها في آسيا.

ويبدو أن الأمر أكثر تعقيدًا في ضوء تراجع باكستان يوم 1 أبريل (نيسان) عن قرارها بالسماح باستيراد القطن والسكر من الهند بعد يوم واحد من اتخاذ القرار وإعادتها تأكيد شروطها السابقة بإعادة الوضع إلى ما كان عليه في كشمير الخاضع حاليًا للإدارة الهندية قبل قرار الهند في عام 2019 بإلغاء الحكم الذاتي لكشمير.

وتستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أنه بعد سنوات من الخلاف المتزايد، تحرَّكت الهند وباكستان في الأسابيع الأخيرة نحو نوع ما من الانفراجة؛ إذ ورد أن محاورًا مدهشًا يشجِّع الطرفين على دفن الأحقاد، وهو الإمارات.

إن التدخل الإماراتي في جنوب آسيا ليس بالأمر الجديد، غير أن أبوظبي على الأرجح تلعب دورًا دبلوماسيًّا أكثر أهمية، والذي يقول المحللون إنه يقدِّم فرصة للدولة الخليجية الثرية لإبراز قوتها بصورة أكبر. وقد أصدرت الهند وباكستان الشهر الماضي بيانًا مشتركًا نادرًا بالموافقة على احترام وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه عام 2003، على طول الحدود التي تشهد وجودًا عسكريًّا كثيفًا في إقليم كشمير المتنازع عليه.

وبعد خمسة أيام، قام وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد، برحلة إلى نيودلهي لضمان المضي قدمًا في الاتفاقية.

الإمارات لعبت دورًا محوريًّا

ولفت التقرير إلى ما صرَّح به دبلوماسي إماراتي لم تحدد هويته لوكالة بلومبرج بأن الإماراتيين لعبوا دورًا محوريًّا في إعادة تأكيد الدولتين اتفاقية وقف إطلاق النار لعام 2003. غير أن مدى نفوذ أبوظبي لا يزال مختلفًا بشأنه؛ إذ ترفض الهند وباكستان والإمارات الاعتراف بمحادثات السلام علنًا.

وطلب موقع «ميدل إيست آي» مرارًا وتكرارًا تعليقًا من الهند وباكستان والإمارات، لكنهم جميعًا رفضوا الإدلاء بأي تعليقات.

Embed from Getty Images

وتنقل الكاتبة عن مسؤول حكومي هندي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته قوله: «لا يوجد نقاش هنا في الدوائر السياسية حول هذه الصفقة، إن كان هنالِك صفقة من الأساس».

وقال مايكل كوجلمان، الذي يشغل منصب نائب مدير برنامج آسيا في مركز «وودرو ويلسون»، إنه لم يفاجأ برفض كلا الجانبين الاعتراف بالمحادثات المحتملة. وقال كوجلمان للموقع البريطاني: «لكل جانب أسبابه المختلفة لرغبته في التزام الصمت». وتابع: «الهند لا تحب الوساطة الخارجية في نزاعاتها مع باكستان، لذلك لن تكون حريصة على الاعتراف بذلك. وقد صوَّرت باكستان وقف إطلاق النار على الحدود على أنه جزء من مفاوضات ثنائية بسيطة مع الهند للحد من العنف على الحدود».

واستطرد قائلًا: «وحقيقة أن الإمارات كانت تساعد في تسهيل المحادثات قبل أشهر من إعلان وقف إطلاق النار سوف تتعارض ببساطة مع هذه الرواية».

الهند: الإمارات تلعب دورًا هادئًا

وأشار التقرير إلى أن مستوى الانخراط والنفوذ الذي تتمتع به الإمارات في تدفئة العلاقات بين الهند وباكستان محل تساؤل. ويعتقد إيه إس دولات، الرئيس السابق لمكتب الاستخبارات الخارجية الهندية والرئيس السابق لجناح البحث والتحليل، أن الإمارات كان لها على الأرجح «دور هادئ» في المحادثات.

وقال دولت لموقع «ميدل إيست آي»: «لا أعرف هل كان لدولة الإمارات دور أم لا. ولكن إذا كان لها من دور، فلا بد أن يكون دورًا هادئًا لأن أحدًا لا يريد التحدث عنه».

وبحسب ما ورد لعبت أبوظبي دور الوسيط في السابق. وفي عام 2019، قيل إن الإماراتيين ساعدوا في التوسط لإطلاق سراح طيار هندي أسَرَته باكستان. وفي غضون ذلك، تواصِل الإمارات بناء العلاقات مع الهند، من خلال التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات.

تمديد القرض والضغط على باكستان

وألمح التقرير إلى أنه خلال هذا الشهر، أقنعت إسلام آباد الإمارات بتمديد قرض بقيمة مليار دولار لمدة عام آخر – مما أثار تكهنات بأن الإماراتيين استغلوا نفوذهم للضغط على باكستان للدخول في محادثات مع الهند.

ويعتقد كوجلمان أن قرْضَ باكستان مع الإمارات ليس سوى جزء صغير من القصة، ويتساءل عن نوايا الدولة الخليجية في دفع المحادثات، على الرغم من أن أبوظبي تتمتع بعلاقات جيدة مع كلا البلدين.

Embed from Getty Images

ويؤكد كوجلمان أن: «الإمارات حريصة على إبراز نفوذها، وهذا أمر طبيعي مُستحَق لأبو ظبي. غير إننا لا ينبغي أن نبالغ في تقدير دور الإمارات، الذي لا يشبه قطر وطالبان»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته الدوحة في تسهيل اتفاق سلام بين طالبان وواشنطن في فبراير (شباط) 2020.

القضايا معقدة.. يصعب على طرف ثالث التدخل فيها

ويضيف كوجلمان: «سهَّلت الإمارات المحادثات وشجَّعت الجانبين على مواصلة الحديث، لكن الإمارات ليست في وضع يمكِّنها من المضي قدمًا إلى أبعد من ذلك في هذا الشأن. والقضايا الأساسية المطروحة – كشمير بالنسبة لباكستان والإرهاب بالنسبة للهند – معقَّدة للغاية وراسخة بحيث يصعب على طرف ثالث الانخراط فيها، وترفض الهند أي تدخل من طرف ثالث في النزاع الخاص بكشمير».

وقال مسؤول حكومي من الإمارات، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الإمارات أصبحت «قلقة على نحو متزايد» من «تلاعب» باكستان بمنظمة التعاون الإسلامي. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت إسلام آباد تحقيق انتصار في منظمة المؤتمر الإسلامي بعد أن أقنعت المنظمة بدعم قرار يدين قرار الهند بإلغاء وضع كشمير شبه المستقل.

وقال المسؤول الإماراتي: «نحتاج إلى أن يظل الأعضاء على المسار الصحيح وألا يسهِّلوا الحوارات المنفصلة حول قضايا مثل كشمير، الأمر الذي يضعف جدول الأعمال الذي حددته منظمة التعاون الإسلامي».

مُشَّرف كان أقوى من خان

ونوَّه التقرير إلى أن آخر مرة اقتربت فيها الدولتان النوويتان من الجلوس إلى طاولة واحدة كانت إبَّان حكم الحاكم العسكري السابق لباكستان الجنرال، برويز مشرف. وجاء مسعاه للحوار على أمل السعي لتنسيق أفضل مع الهند. لكن على عكس مشرف، يتعين على رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، أن يتعامل مع الزعيم القومي الهندي المتشدد ناريندرا مودي.

وتشير الكاتبة إلى أنه حتى وقت قريب، كان الشرط الأساسي لخان لإعادة التعامل مع مودي هو إلغاء قرار الأخير بإلغاء المادة 370 (تمنح المادة 370 من الدستور الهندي منطقة جامو وكشمير وضعًا خاصًا مما يتيح لها الحصول على دستور منفصل وعلم دولة والاستقلال الذاتي في الإدارة الداخلية للدولة)، وقد ألغى هذا القرار الحكم الذاتي لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية حاليًا.

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين، تخلى رئيس الوزراء الباكستاني عن هذا المطلب، مما حدا بالكثيرين إلى التساؤل عن السبب.

ويسأل أفيانديار مير، الباحث في دراسات ما بعد الدكتوراة في جامعة ستانفورد: «هل تحاول باكستان توفير مساحة لالتقاط الأنفاس لتأكيد مطالبها في وقت ما في المستقبل، أم أن تفضيلاتِها الأساسية بشأن القضايا الطويلة الأمد مثل كشمير قد تغيرت»؟ وأضاف: «من السابق لأوانه معرفة ذلك، لكن هناك بعض المؤشرات على أن القيادة العسكرية الباكستانية لا تريد التخلي عن كشمير وهم يشعرون بكلفة ذلك».

تساؤلات حول استعداد باكستان للانخراط في المحادثات

ويردد دولات مخاوف مير ويسأل عما أدى إلى استعداد باكستان للانخراط في محادثات ثنائية مع الهند. يقول دولات: «سيتعين على خان أن يرى ما سيقرره رئيس الوزراء مودي إذا شعر بأن هذه هي الخطوة الصحيحة، فلن يعرقل ذلك أحد من الهند».

وتابع: «سيكون هناك ساخرون سيسألون لماذا تتقرب باكستان من الهند فجأة، لكن عليك أن تتذكر أن هذا تكرار لما مر به الجنرال مشرف. غير أن مشرف كان قائدًا عامًّا، ولم يكن مسؤولًا أمام أحد».

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: بعد محاولات الاتفاق.. هل انتهت الحرب بين الهند وباكستان فعلًا؟

ويستطرد دولات قائلًا: «أرى أن عمران خان في وضع أضعف من الرئيس السابق الجنرال مشرف، لأن هذه الفرصة الحالية أصغر بكثير ويجب أن يتمسك بها الطرفان بقوة».

واختتمت الكاتبة الصحفية تقريرها بالقول إنه على الرغم من المخاوف السابقة، يبدو أن المد يتغير مع قائد الجيش الباكستاني، الجنرال قمر جاويد باجوا، الذي قال إن الوقت قد حان «لدفن الماضي والمضي قدمًا» واستئناف محادثات السلام.

يقول مير: «أشعر بأن كلًّا من البلدين قد بدأ في العمل من أجل بعض الإعلانات الرئيسة. ويبدو أن التسريبات التي نراها في الصحافة الهندية من الحكومة الهندية – والتي تقدم تقييمات إيجابية لقائد الجيش الباكستاني – هي عملية تشكيل لتهيئة المسرح للانخراط المستمر». وتابع قائلًا: «لكننا كنا هنا من قبل في بعض النواحي، لذلك يجب أن تكون لدينا توقعات متواضعة لما قد تسفر عنه هذه التحركات. ومع ذلك، فهي لحظة مهمة لجنوب آسيا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد