في خلفية اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل، توجد قصة مدتها 20 عامًا من العلاقات التجارية والتكنولوجية والشخصية.  

كتب جوناثان أتش. فيرزيجر، وهو كاتب وباحث قام بتغطية الشرق الأوسط لأكثر من 20 عامًا لوكالة بلومبرج ويو بي آي، مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» حول اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل الذي أبرم يوم الخميس الماضي. 

ويشير الكاتب إلى أن الاتفاق ما هو إلا إضفاء صفة رسمية على علاقات قائمة عبر قنوات خلفية من نحو 20 عامًا، وأنه سيجعل من الإمارات أقوى وسيط في الشرق الأوسط ويحمل السعودية وعمان والبحرين على السير على خطاها في وقت قريب. 

الاتفاق تتويج لـ20 عامًا من العلاقات السرية

يقول الكاتب: إن اتفاقية التطبيع بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، التي فاجأت العالم يوم الخميس هي ثمرة ما يقرب من 20 عامًا من العلاقات السرية بين القوتين الصغيرتين في الشرق الأوسط ، ويمكن تتبع جذورها إلى هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن. 

ونظرًا لأن مختطفي الطائرات السعوديين استخدموا دبي نقطةً رئيسية لتحويل الأموال، سرعان ما ارتبط الإماراتيون مع الإسرائيليين لتطوير برمجيات الأمن السيبراني التي يمكن أن تساعد الإمارات في إنقاذ وإعادة بناء مصداقيتها باعتبارها مركزًا ماليًا رئيسيًا في الشرق الأوسط. 

سياسة

منذ 3 سنوات
«بلومبيرج»: كيف تعمل شركات التقنية الإسرائيلية بالسعودية والإمارات في الخفاء؟

وقال غانم نسيبة، مؤسس شركة كورنرستون جلوبال أسوسيتس ومقرها لندن والمستشار المخضرم لعدة شركات في المنطقة: «كانت أحداث 11 سبتمبر بمثابة دعوة للاستيقاظ أوضحت أن الإمارات العربية المتحدة بحاجة إلى أفضل التقنيات، وقد أتاح ذلك فرصة للإسرائيليين».

وازدهر التعامل الأول بين البلدين، الذي ولد بحكم الضرورة، ليصبح علاقة واسعة غير اعتيادية. على مدى العقدين الماضيين، امتدت العلاقات التجارية بين الإمارات وإسرائيل من مراقبة الكمبيوتر وأمن المطارات إلى الشحن وتحلية المياه والتكنولوجيا الزراعية والعقارات والسياحة. وكان الأبرز خلال الأشهر الأخيرة هو اهتمام الإمارات بدعم الأبحاث الإسرائيلية في لقاح وعلاج كوفيد-19 والاطلاع عليها. 

وبينما لعب كل من التهديد المشترك من إيران وتطلعات الإماراتيين إلى دور إقليمي أكبر والقضية الفلسطينية والضغط من واشنطن، دورًا في اتفاق السلام، كانت هذه العلاقات التجارية والمالية، وهيمنة التكنولوجيا المدنية والدفاعية وتكنولوجيا المعلومات الإسرائيلية، هي التي أرست الأساس لأي صفقة. وهذا أيضًا هو الجانب الذي ستحقق فيه الإمارات أكبر قدر من المكاسب، بحسب المقال.

طوق نجاة سياسي لنتنياهو وترامب

ويوضح الكاتب أنه من التغريدة الأولى، كان من الواضح ما الذي يأمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخروج به من العلاقات المفتوحة بين الإمارات وإسرائيل. إذ وصف كلاهما الاتفاق بأنه تاريخي، وليس ذلك إلا لأنهما يقاتلان لإنقاذ مسيرتهما السياسية. 

في إحدى تغريداته التي تحمل بصماته، وصفه ترامب بأنه خطوة «هائلة». أما نتنياهو، الذي ربما كان يأمل في الابتعاد عن عدة عرائض اتهام بشأن الفساد، فقدم الاتفاق في مؤتمر صحفي في القدس باعتبار أنه يعزز إرثه، ووضعه جنبًا إلى جنب مع اتفاق السلام الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق مناحيم بيجن في عام 1979 مع مصر واتفاق السلام الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين عام 1994 مع الأردن.

الإماراتيون أقل انفعالًا والفلسطينيون غاضبون

كان ولي العهد محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، أقل انفعالا إلى حد كبير – على الأقل في تصريحاته العامة، إذ ركز على التزام نتنياهو بالتخلي عن خططه لضم الضفة الغربية مقابل «خارطة طريق نحو إقامة علاقة ثنائية»، كما ذكر ذلك في تغريدته. بينما وصف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الاتفاق بأنه «مخز» وخيانة لالتزام الإمارات التاريخي تجاه الشعب الفلسطيني.

لكن الفوائد التي تعود على محمد بن زايد يجري التركيز عليها تدريجيًا. وقال نسيبة لمجلة فورين بوليسي إن خروج علاقات الإمارات مع إسرائيل إلى العلن له فوائد كبيرة في كل من المجالين السياسي والتجاري. 

Embed from Getty Images

وأضاف: «يعزز هذا الاتفاق بشكل كبير مكانة الإمارات باعتبارها وسيطًا إقليميًّا قويًّا، وربما حتى تكون الوسيط الأبرز»، مشيرًا إلى جهود الإمارات واسعة النطاق لتعزيز قوتها الناعمة من خلال تعزيز الروابط الثقافية والتسامح الديني. (من بين علامات أخرى، من المقرر افتتاح معبد يهودي جديد في عام 2022 في أبو ظبي باعتباره جزءًا من مجمع الأديان). 

ويتوقع نسيبة أن تعزز دبي مكانتها باعتبارها مركزًا تجاريًا عالميًا يتضمن الآن علاقات أكبر مع الشركات والبنوك الإسرائيلية. كما أن الإمارات حريصة على تطوير ثقافة الشركات الناشئة والبنية التحتية، والتي يمكن أن تكون جذابة للشركات الإسرائيلية أيضًا. وتابع نسيبة: «ستفتح الشركات الإسرائيلية الناشئة التي تعمل انطلاقًا من دبي الكثير من الفرص لكليهما».

جناح إسرائيلي في معرض إكسبو 2020

ويشير الكاتب إلى أنه قبل اتفاق التطبيع الذي أبرم هذا الأسبوع بفترة طويلة، دعت الإمارات إسرائيل لبناء جناح للترويج لشركاتها في معرض إكسبو 2020 (المؤجل الآن حتى عام 2021) في دبي. 

وفي أوائل يوليو (تموز)، أعلنت الإمارات وإسرائيل أن مجموعة 42، وهي شركة تكنولوجيا مقرها أبو ظبي، ستعمل على أبحاث كوفيد-19 مع الشركات الإسرائيلية المرتبطة بشركة أنظمة الدفاع المتطورة رافائيل المملوكة للدولة في إسرائيل.

العتيبة يناشد الإسرائيليين التخلي عن الضم

ويمضي الكاتب إلى أنه على مدار عدة أشهر، بدت العلاقات التجارية المزدهرة في خطر بسبب التزام نتنياهو بإعلان السيادة الإسرائيلية على ما يقرب من 30 في المئة من الضفة الغربية، مما أثار الغضب الفلسطيني والإدانات من جميع أنحاء العالم.

Embed from Getty Images

في هذا السياق، اتخذ سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، خطوة غير مسبوقة بمناشدة الإسرائيليين في الصحيفة الأكثر مبيعًا في بلادهم بإلغاء الضم. وفي عمود كتب باللغة العبرية، ساق عتيبة نموذجًا تلو الآخر لجهود الإمارات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، محذرًا من أن كل هذا سيتوقف إذا ما جرى ضم الأراضي.

والآن بعد أن وافق نتنياهو على تعليق هذه الخطوة، أشار البلدان والولايات المتحدة إلى آفاق لا حصر لها لمزيد من العلاقات بينهما. وفي بيان مشترك صادر عن البيت الأبيض، قالت الإمارات وإسرائيل إنهما «ستجتمعان في الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاقيات ثنائية تتعلق بالاستثمار والسياحة والرحلات المباشرة والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وإنشاء سفارات بالتبادل، وغيرها من المجالات ذات المنفعة المتبادلة».

وذكر البيان أيضًا أن العلاقات المباشرة بين البلدين «ستغير المنطقة من خلال حفز النمو الاقتصادي، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وإقامة علاقات أوثق بين الشعبين».

الإمارات وإسرائيل والعمل عن قرب

يتطرق الكاتب إلى بعض الشخصيات الإماراتية الكبيرة في عالم الأعمال والتي لعبت دورًا في التمهيد للاتفاق، ويقول إن من أبرز الإماراتيين الذين انخرطوا بقوة مع المستثمرين الإسرائيليين أو اليهود سلطان أحمد بن سليم، رئيس شركة موانئ دبي العالمية المشغلة للموانئ ، ومحمد العبار، مؤسس شركة إعمار العقارية، التي بنت برج خليفة المكون من 163 طابقًا في دبي، أعلى ناطحة سحاب في العالم. 

كما كانت شركة مبادلة للاستثمار وهي صندوق الثروة السيادي في أبو ظبي، أحد الداعمين الرئيسيين لشركة وي ورك WeWork، وهي شركة أمريكية متخصصة في العقارات التجارية، حيث ضخت المليارات في أعمال مشاركة المكاتب التي بدأها رجل الأعمال الإسرائيلي الأمريكي آدم نيومان قبل أن تنهار. 

على الجانب الآخر، يذكر المقال أن من بين الإسرائيليين الذين قادوا الطريق في بناء علاقات تجارية وعلاقات شخصية ودية متزايدة مع الإماراتيين: إيدان عوفر، المساهم المسيطر في شركة زيم Zim لخدمات الشحن المتكاملة، وتاجر الماس ليف ليفيف.

Embed from Getty Images

وتأكدت قوة العلاقة بين الجانبين في عام 2006 عندما مارس عوف، وهو ملياردير ينتمي لأحد أغنى العائلات الإسرائيلية، ضغوطًا لصالح موانئ دبي العالمية خلال محاولتها الفاشلة لشراء تشغيل المرافئ في الولايات المتحدة. 

وفي رسالة إلى هيلاري كلينتون، التي كانت عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي في ذلك الوقت، شهد عوفر بالإجراءات الأمنية الصارمة التي جعلت سفن شركته «مطمئنة للغاية» في الموانئ التي تديرها شركة دبي، «خاصة في الدول العربية»، وفقًا لنص نشرته شبكة سي إن إن.

وقد آتت كل هذه الروابط ثمارها الآن، كما يلفت المقال، مستشهدًا بقول كالمان سبورن، العضو المنتدب لشركة مارليبون إل إل سي، وهي شركة استثمارية صغيرة تعمل مع عملاء من الشرق الأوسط: «إعلان ترامب أدى إلى تطبيع العلاقات القائمة عبر قنوات خلفية منذ 20 عامًا. القوى الثلاث الأكثر انشغالًا باستقرار الشرق الأوسط … أخيرًا أبلغوا العالم أنهم يعملون معًا رسميًا».

السعوديون والعمانيون والبحرينيون على نفس الدرب قريبًا

ويستنتج الكاتب في نهاية تقريره أنه من خلال إضفاء الصيغة الرسمية على علاقتها مع إسرائيل، ربما تكون الإمارات تشق طريقًا سيتبعه جيرانها الخليجيون.

ويستدل على ذلك بكلام جيسون جرينبلات، المبعوث السابق لترامب في الشرق الأوسط، والذي يمثل الآن الشركات الإسرائيلية والأمريكية: «معظم رجال الأعمال (في دول الخليج) يدركون أن أيام عدم التعامل مع الشركات الإسرائيلية ستنتهي قريبًا. إنهم يدركون أن عدم التعامل مع إسرائيل كان له نتائج عكسية على الجميع». ويتوقع الكاتب في الختام احتمالية أن يتوصل السعوديون والعمانيون والبحرينيون قريبًا إلى إدراك مماثل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد