نشرت مجلة «ناشيونال ديفينس» الأمريكية تقريرًا أعدَّته مراسلتها ميريديث رواتن تستعرض فيه اهتمامات الإمارات، وبلدان الشرق الأوسط بصفة عامة، بمجالات الصناعات الدفاعية. وتستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أنه على الرغم من استمرار التحديات المتعلقة بجائحة كوفيد-19، اجتمعت أعداد غفيرة من شركات الدفاع في معرض دبي للطيران السنوي لإبرام صفقات جديدة وعرض منتجاتها.

ولم يسمح المديرون التنفيذيون في قطاع الصناعة، والمسؤولون الحكوميون، بأن تقف الجائحة في طريق الأعمال التجارية الجديدة. وأفاد منظمو المؤتمر الدولي أن قيمة الصفقات التجارية والدفاعية بلغت 78 مليار دولار، موازنةً بالمبيعات التي بلغت قيمتها نحو 50 مليار دولار في نسخة المعرض عام 2019.

ويؤكد التقرير أنه بالإضافة إلى توقيع عقود الأسلحة، عرضت الشركات شراكات واتفاقات تعاونية تهدف إلى إرساء الأساس لصناعة دفاعية إقليمية تَتَّسِم بمزيد من الاستقرار في المستقبل.

سياسة

منذ سنة واحدة
شركات السلاح العالمية.. وسيلة ابن زايد لمد نفوذه في العالم

ونقل التقرير التصريحات التي أدلى بها نيكولاس داوسون، محلل شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة «فوركاست إنترناشيونال»، وهي شركة استشارية يقع مقر سوقها في مدينة نيوتاون بولاية كونيتيكت الأمريكية، إذ أوضح أداوسون أن إنفاق الإمارات في المجال العسكري الذي بلغت قيمته أكثر من 14 مليار دولار في هذا العام يُبرز كمَّ الفرص المتاحة في البلاد على الرغم من انهيار الاقتصاد جراء تفشِّي الجائحة. وأضاف أنه من المتوقع زيادة النفقات أيضًا في ظل استمرار المنطقة «مرتعًا للصراعات».

على سبيل المثال قد تؤدي الحوادث التي وقعت مؤخرًا، عندما نفَّذت إيران أعمالًا أسفرت عن إزعاج السفن التابعة للقوات البحرية الأمريكية في الخليج العربي، إلى تعبئة بلدان مثل الإمارات وقطر دفاعاتها في حالة التصعيد وتهديد مصالحها، على حدِّ قول داوسون.

وفي الوقت الحالي تُشكِّل المنطقة 7.5% من إجمالي نسبة الإنفاق الدفاعي العالمي، ولكن يرى داوسون أن تلك النسبة قد ترتفع بحلول عام 2027. وتابع قائلًا: «نتطلع إلى زيادة جيدة بحيث يمكن أن تصل هذه النسبة إلى 8% من إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي».

اكتساب تأثير إقليمي

وترى الكاتبة أن بعض الشركات الأمريكية تعمل على زيادة وجودها في الإمارات واكتساب تأثير إقليمي. على سبيل المثال، أعلنت شركتي مجموعة إيدج «EDGE Group»، المملوكة لحكومة أبوظبي، وشركة «إل 3 هاريس (L3Harris)» أنهما سيفتتحان مركز خدمة في الدولة لأنظمة الكهروبصرية والأشعة تحت الحمراء، المعروفة باسم سلسلة «WESCAM MX»، من أجل دعم قدرات المراقبة الجوية والاستطلاع.

Embed from Getty Images

ووفقًا لجاري روشولت، نائب رئيس الشركة لعمليات الشرق الأوسط في شركة «إل 3 هاريس»، يمكن توسيع نطاق الاتفاق. وتابع روشولت قائلًا: «تتمتع الشركة بالقدرة على الانتقال إلى التجميع والإنتاج الكاملين؛ لأننا نحاول زيادة دراسة الجدوى بشأن بعض الفرص والإجراءات الجديدة المتعلقة بالمتابعة».

وتجدر الإشارة إلى أن شركة «إل 3 هاريس» تمارس أعمالها في المنطقة منذ عقود، ويتوقع روشولت أن تستمر الإمارات في تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة، قائلًا: «أعتقد أنهم (الإماراتيين) يقدِّرون الولايات المتحدة لأننا نقدِّر الفرص التي يقدِّمونها». وبحسب التقرير، على الرغم من النجاح المُحرَز مع مركز الخدمة، أقرَّ روشولت أن الشركة لا تزال تنتظر بعض الفرص الأخرى. وعرَّج روشولت قائلًا: «لا يزال لدينا كثير من حالات (المبيعات العسكرية الخارجية) الإستراتيجية التي لم تزل قيد مفاوضات دقيقة، ولكننا لا زلنا نشعر بالتفاؤل حيال هذا الأمر».

وبخلاف شركات التصنيع الكبرى، حاولت بعض الأعمال التجارية الأصغر حجمًا إحداث تأثير في المنطقة. على سبيل المثال، سوَّقت شركة «سنتيانت فيجن سيستمز (Sentient Vision Systems)» التي يقع مقرها في مدينة ملبورن الأسترالية مستشعر البحث والإنقاذ الخاص بها إلى دول الخليج العربي. وقال ريتشارد جلين جونز، مدير تطوير الأعمال في الشركة، إن الشركة دخلت في شراكة مع شركة «فينكس إيروسبيس (Phoenix Aerospace)» الأمريكية، التي عملت سابقًا على منصات في المنطقة، لتثبيت هذه التكنولوجيا على الطائرات وتقديم دعم ميداني.

وصرَّح جلين جونز على هامش المعرض الجوي قائلًا: «أسمع مرارًا قصصًا عن شركات أكبر حجمًا بدأت أعمالها، وغَرَست النبتة، ولم تَرْعها، أو تهتم بها».

تركيز على شراء الأسلحة

ووفقًا لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بعنوان «الاتجاهات في نقل الأسلحة الدولية 2020»، تُعد الإمارات خامس أكبر دولة تحصل على أسلحة أمريكية في الإطار الزمني الذي يمتد من عام 2016 حتى عام 2020.

Embed from Getty Images

وتستدرك الكاتبة قائلةً: غير أن العلاقات بين الإمارات وحكومة الولايات المتحدة لم تكن سَلِسَة في السنوات الأخيرة؛ إذ ندَّدت منظمات حقوق الإنسان بالدعم الإماراتي للعمليات العسكرية في اليمن. ووفقًا لـ«التقرير العالمي 2020» الصادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، «تعرَّض عشرات الأشخاص للاحتجاز التعسُّفي والإخفاء القسري» على أيدي القوات المدعومة من الإمارات. ومع ذلك، وعلى الرغم من الوعود التي قطعتها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن من أجل إنهاء بيع الأسلحة التي قدَّمت الدعم للقوات اليمنية، أبقت الإدارة الأمريكية الاتفاقات المُبرَمة مع أبوظبي على الطاولة.

وقد تحدث فجوة أخرى بين هذين الشريكين القدامى (في إشارة إلى أبوظبي وواشنطن) بسبب تطلُّعات أسطول أبوظبي الجوي؛ إذ منحت الإمارات شركة الطيران الفرنسية رافال 19 مليار دولار في مقابل الحصول على 80 طائرة مقاتلة بعد مرور أسابيع قليلة على المعرض الجوي، في خطوة قد تؤثر على المفاوضات المتعلقة بمقاتلة الهجوم المشترك من طراز إف-35 التي صنعتها شركة لوكهيد مارتن «Lockheed Martin».

هل تنهار العلاقات بين أبوظبي وواشنطن؟

وأبرز التقرير ما قاله داوسون، مُحلِّل شؤون الشرق الأوسط في شركة «فوركاست إنترناشيونال»، إذ أشار إلى أن الإمارات أضافت أنواعًا جديدة إلى طائراتها في السنوات الأخيرة، ولكن بيع طائرات إف-35 لا يزال يُمثِّل أهمية سياسية لعلاقتها مع واشنطن. وبدا أن الاتفاق كان على وشك الانهيار بعد أن أعرب مسؤولون أمريكيون عن قلقهم إزاء علاقات أبوظبي مع الشركة الصينية هواوي في عام 2021.

وأضاف: «من المهم جدًّا لهم (أي الإماراتيين) أن يكونوا قادرين على الحصول على هذه الطائرات، وستكون هذه الخطوة أكثر من ضمان على أننا لا نزال نثق بهم».

وشدَّد داوسون على أن الشركات التي تتطلع إلى أن توسِّع نطاق عملها في الإمارات وغيرها من البلدان في المنطقة ينبغي أن تنظر في المخاطر المترتبة على اتخاذ هذا القرار، مشيرًا إلى أن دول الشرق الأوسط غالبًا ما يُفرَض عليها عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، مثل الحظر الذي فرضته إيطاليا على بيع الأسلحة للإمارات والسعودية، ما أسفر عن وقف بيع آلاف الصواريخ.

تقوية العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب

وفي الوقت ذاته، وفقًا للكاتبة، كان المعرض الجوي بمثابة فرصة مكَّنت أبوظبي من تقوية العلاقات مع بلدان مثل إسرائيل. فبعد تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل في 2020، شاركت أكثر من خمس شركات دفاع إسرائيلية في المؤتمر الدولي في دبي لأول مرة.

على سبيل المثال أعلنت شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية عن عقْد شراكة في مجال البحوث الدفاعية خلال المؤتمر، وأشار مسؤول تنفيذي في الشركة الإسرائيلية إلى أن التعاون بين البلدين على الجبهة المدنية قد يُمثِّل نقطة انطلاق لإجراء مزيد من التعاون بين أبوظبي وتل أبيب.

Embed from Getty Images

ونقل التقرير ما قاله أفيف كانيلباوم، مدير تطوير الأعمال والتسويق في قسم الفضاء إم بي تي (وهو قسم خاص بالصواريخ والأقمار الصناعية) التابع لشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، إذ أوضح أن الشركة مستعدة للعمل في القطاعين الدفاعي وغير الدفاعي.

وأشار كانيلباوم إلى طموحات وكالة الإمارات للفضاء، وهي وكالة وطنية، من أجل توفير فرص للشراكة في مجال التكنولوجيات مثل الأقمار الصناعية. على سبيل المثال، أطلقت أبوظبي مسبارًا لاستكشاف كوكب المريخ، فضلًا عن خططها الرامية إلى استكشاف كوكب الزهرة. وألمح كانيلباوم إلى المناقشات بين شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية ووكالة الإمارات للفضاء حول إمكانية إجراء عمليات بحثية لتكنولوجيا الفضاء المدنية.

وبحسب التقرير عرضت شركة أنظمة رافائيل الدفاعية المتقدمة «Rafael Advanced Defense Systems» الإسرائيلية تكنولوجيا النظام المضاد للطائرات من دون طيَّار والتي تُعرف باسم «Drone Dome». واستشهد رافي إيتان، المدير الإقليمي للشركة، بانتشار الطائرات من دون طيَّار غير المُكلِّفة والقابلة للتعديل في جميع أنحاء العالم باعتبارها مشكلة تستعد أبوظبي لمواجهتها بحلول شاملة. وأضاف: «إنها (أبوظبي) عميل متقدم للغاية، والمتطلبات والإمكانات هي حقًا من الدرجة الأولى وعلى أعلى مستوى».

وأعلنت شركة إسرائيلية أخرى، تُدعى أنظمة إلبيط «Elbit Systems»، عن تأسيس فرع لها في الإمارات يُطلَق عليه «Elbit Systems Emirates» قبل المعرض الجوي.

الدفاع والتفوق الجوي في الشرق الأوسط

وفي الوقت نفسه، تأمل بلدان الشرق الأوسط بصفة متزايدة في تحديث طائراتها وأنظمة الدفاع الجوي الخاصة بها، وفقًا لما ذكره داوسون. وأضاف: «الدفاع والتفوق في المجال الجوي هما في الغالب الموضوع الرئيس الذي يشغل المنطقة».

وترى الكاتبة أن هذا الاهتمام انعكس في المؤتمر عندما باعت شركة إيرباص منصَّتين إضافيتين لنقل طائرة نقل الركاب المتعددة الأدوار من طراز إيه 330 إلى القوات الجوية والدفاع الجوي الإماراتيَيْن. وباعت شركة هالكن «HALCON»، وهي شركة تابعة لمجموعة إيدج صواريخَ دقيقة التوجيه تبلغ قيمتها 880 مليون دولار إلى القوات المسلحة الإماراتية. وستُصنِّع منطقة توازن إندستريال بارك في أبوظبي صواريخ من طراز ثاندر آند ديزرت ستينج «Thunder and Desert Sting».

Embed from Getty Images

وتتعاون شركة أخرى تابعة لمجموعة إيدج تُدعى إيرث مع شركة لوكهيد مارتن من أجل تحديث أسطول الطائرات المروحية من طراز أباتشي التابع لقيادة الطيران المشتركة في الإمارات. وتؤكد الكاتبة أن تكنولوجيات التصنيع عُرِضَت أيضًا في المؤتمر. وتضمَّن ذلك الذراع الروبوتية المعروف باسم «إكس ميني» الذي صنعته شركة «إكستشون إنتربرايزس» من ألياف الكربون. وقال شفيق ناصر، رئيس مجلس إدارة شركة إكستشون، إن أحدث شكل محمول للذراع قابل للحمل ويتمتع بخفة وزنه ويمكن أن يُسرِّع عملية تصنيع الطائرات بصورة ملحوظة.

وأشار إلى أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تساعد في تحسين إدارة سلسلة الإمداد في الإمارات وغيرها من البلدان بعد أن كشفت جائحة كوفيد-19 عن نقاط ضعفها. وقال ناصر: «إذا كانت مصانعك غير متصلة بسلسلة الإمداد أو غير مرتبطة بنوع من الأجزاء التي يمكن أن تُصنِّعها وتسلمها، لا سيما عندما تتعامل مع السوق العالمية، عندها تبرز المشكلة». وأشار إلى أن التصنيع الآلي يمكن أن يوسِّع أيضًا نطاق الفرص أمام شركات التصنيع الدفاعي من أجل توطين الصناعات بطريقة فعَّالة من حيث التكلفة.

وتابع قائلًا: «من خلال العمل مع بلدان أخرى، يمكن أن تعوِّل على الخبرات وأن تدمجها من أجل تقديم منتجات في المنطقة، ولذلك، ينتهي بنا الأمر إلى السماح للشركات بإنشاء مزيد من قدرات سلاسل أمداد عبر الأقمار الصناعية على صعيد محلي بدلًا عن العالمي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد